جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (3-7)

عدد القراءات : 1521
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (3-7)

 

 د. عقيل الناصري

 

وقبيل ذلك "... فقد توجه الحسين نحو دوائر المخابرات الانكليزية في القاهرة. وتشير الوثائق البريطانية وغيرها إلى أن الشريف حسين أوفد ولده عبد الله لهذا الغرض وربما عرض المبعوث الشريفي على الانكليز إبرام اتفاق بين والده وبينهم. كانت الدوائر البريطانية في القاهرة  تراقب عن كثب حركة النهضة العربية وتنظيماتها الهادفة إلى الاستقلال التام، وقد وجدت في تحرك الحسين وأولاده ولجوئهم إليها ثغرة في حركة النهضة العربية التي كانت ترفض التفاوض مع الغرب ووجدت أن لجوء الحسين إليها قد تكون نقطة وثوب لتحقيق أهداف بريطانية في شق وحدة الحركة الوطنية تمهيداً للسيطرة على الأقطار العربية الغنية بمواردها المتنوعة وبالأيدي العاملة الرخيصة فيها... فقد كان عرضهم للتفاوض مع بريطانيا مشروطا بتثبيت دورهم ومركزهم في حكم البلاد العربية بحلف مع الإنكليز الذين وجدوا أن هذا الحلف المقترح ورقة رابحة في أيديهم...  ". وفي 5 حزيران من عام 1916 أعلن الشريف حسين (ثورته) أي بعد إبرام اتفاقية سايكس- بيكو بعشرين يوماً  عندها"... طلب الانكليز من الشريف حسين إعلان ثورته على الترك فأعلنها في 9 شعبان. وهكذا عرفت بثورة 9 شعبان. وفي الواقع فإن القبادة البريطانية كانت تسير هذه القوة الثائرة المتحركة التابعة للشريف حسين والتي كانت خاضعة لهذه القيادة سواء من حيث التجهيز الرديء في السلاح والعتاد أو من حيث مسار خط هذه القوة عسكرياً، فكأنها بنظر الانكليز قد قامت لتنفيذ اتفاقية سايكس- بيكو أو مكملة لها ...  ".

 لقد "... كان من أهم أسباب إتفاق سايكس - بيكو التي افتضحت فيما بعد، إبعاد روسيا عن الشرق الأوسط وخاصة بعد قيام الثورة البلشفية في العام 1917، ووضع حد نهائي للصراع الروسي - البريطاني الذي بلغ ذروته في القرن التاسع عشر وعرف باسم (اللعبة الكبرى)... وشكل هذا الكشف الروسي أول فجيعة لحلفاء بريطانيا وفرنسا من العرب في التاريخ المعاصر، وسبباً في انهيار كذبة ( الثورة العربية الكبرى) التي قادها الشريف حسين وأولاده في الحجاز ...  " ، وكان اكتشاف النفط من أهم العوامل الأرأسية لهذا الاتفاق وتقاسم البلدان العربية المشرقية.

 وهنالك عامل آخر يقف خلف حركة الشريف حسين وأولاده، وكذبة ( الثورة العربية) موقفاً آخر أملاه الصراع الخفي بين الشريف حسين وحكومة الأستانة مركز الإمبراطورية العثمانية الأمر الذي ألجأهم إلى الاستعانة ببيرطانيا عارضين استعدادا للتعاون معها   .   

إن اعتماد الشريف حسين على وفق مراسلاته مع مكماهون من حيث الماهية، قد انطوت في الواقع "... لا تلزم الدولة البريطانية بشيء، وعدّها بمثابة تعهد بريطاني له باقامة الامبراطورية العربية التي بدأ لاجلها الثورة. لكن الحقيقة هي ان الذي جرى لم يكن سوى تكتيكات بريطانية للوصول الى الهدف الذي وضع في لندن مسبقا، والمتمثل باقامة كيانات متعددة وضعيفة، تخدم مصالحهم هم وليس المصالح العربية بالضرورة، وان اتى بعض منها كناتج عرضي، لا يستهان بأهميته. ولعل بقية القصة معروفة للجميع، وكيف انتهى المصير بالشريف حسين منفيا في قبرص، مثلما انتهى مصير سوريا التي اصبحت وفقا لاتفاقية سايكس بيكو من حصة فرنسا، وخلع فيصل عن عرشها، بعد اشهر قليلة من تنصيبه ملكا عليها، اثر دخوله، مع الضباط العرب، دمشق، وطرد العثمانيين منها...  " .

لكن بعد أن تم طرد الملك فيصل من سوريا في 25 تموز 1920، من قبل القوات الفرنسية  بعد احتلالها لسوريا "... اضطر لمغادرة دمشق إلى إيطاليا؛ فكر الساسة الإنكليز في دعوته إلى لندن، والإستفادة من نكبته في دعم سياستهم بالعراق، بعد اندلاع ثورته الكبرى في عام 1920،..  " وبالاتفاق والتعاون مع بعض الضباط العراقيين في الجيش العثماني، الذين خدموا بإمرته وعملوا معه منذ قيام الشريف حسين في مكة بـ ( ثورته ) عام 1916، واطلق عليهم (الضباط الشريفيون). وهؤلاء لم يتطوعوا، ما عدا قلة قليلة، بل فروا ( وخير مثال هنا يضرب فرار نوري السعيد وإلتجاءه إلى طالب النقيب) لاسباب  شخصية أو/و سياسية،  أو بعد أن وقعوا في أسر القوات البريطانية.  

 آنذاك "... أظهر المسؤولون البريطانيون رغبتهم في تنصيبه ملكاً عن العراق، وقرروا في كانون الثاني 1921 المضي في تنفيذ هذه الرغبة، وقد حرصوا على جعل عملية التنصيب وكأنها عراقية وليست بريطانية، واضعة في الحساب أهمية المحافظة على سمعتها أمام الرأي العام العالمي كبلد ديمقراطي يستجيب لرغبات الشعوب التي تطمح إلى الاستقلال... ولما اجتمع به كورنواليس في فندق هايد بارك في لندن ليلة السابع من كانون الثاني1921 اجتماعاً دام حتى الساعة الثانية صباحاً، أفهمه بنصوص الانتداب البريطاني الذي فرضه مجلس الحلفاء على العراق فوافق عليه...  ". كما اشترطت حكومة الاحتلال"... امكانية ترشيحه لعرش العراق على أن يلبي شرطين: الأول أن يقبل بالانتداب والثاني أن يمتنع عن أي عمل عدائي ضد فرنسا في سوريا...  ". 

وتأسيساً على ذلك فعندما اجروا ما يسمى ( الاستفتاء من خلال المضابط  )  وهي عبارة عن أن يختار عدد من الأشخاص في مدينة من المدن التوقيع على عريضة يزعم انهم يمثلون الالآف من أبناء تلك المدينة . ومن خلال هذه المضابط فقد تمت اضافة سؤال متمحور حول اختيار أحد ابناء الشريف حسين، أن يكون ملكاً على العراق.. رغم أن غالبية العراقيين في البدء، لم تكن راضية بتنصيب ملك عليها مستورد من الحجاز ، ولا السلطات الفرنسية التي هي الاخرى لم تكن راغبة بتولي فيصل عرش العراق "... لذلك أرجأت الحكومة البريطانية من طرح اسمه بشكل علني وتركته لحين تحقيق الوقت المناسب. ومن هذا تم تعديل لائحة التعليمات التي حملها كوكس عندما عاد إلى العراق على إشارة خاصة بترشيح فيصل ...  ". في حين كانت بريطانيا، كما يقول مزاحم الباجه جي في إفادته أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة، من أن الانكليز شرعوا في حث فيصل الأول و"... تشجيعه وتشجيع بعض العناصر لأجل جعل صلة خاصة بين العراق وبين سورية لأنهم كانوا ينظرون بعيداً فيعرفون أن نفط العراق سيصب في سوريا، وكانوا يخشون من الفرنسيين الذين وإن كانوا حلفاءهم، إلا أنهم يجوز أن يتمردوا عليهم في وقت من الأوقات. ولهذا كانوا يريدون أن تكون سورية مربوطة بعجلة الاستعمار من طريق العراق أو من غيره، فلهذا لم يتركوا إشعار فيصل بإن هذا عرشك ويجب أن تسعى إليه ...  "

 وهذا " ... ما يثير الاهتمام هو كيف أقام البريطانيون النظام السياسي الجديد بعد انهيار سلطة الدولة العثمانية. كانت فكرة جلب فرد من الملكية هو فيصل بن الحسين ليكون ملكاً على العراق. ولم تحظ هذه الخطة بشعبية على الصعيد المحلي لأن الأكراد والتركمان والشيعة والسنة والمسيحين واليهود وسواهم ظلّوا متمسكين بإستقلاليتهم تمسكاً شديداً، وكانت لهم أفكار واضحة عن وضع الحكام المفروضين من الخارج. ولم يهتم البريطانيون بمثل هذه التفاصيل وحاولوا إسكات أي معارضة عن طريق التلاعب بنتيجة استفتاء شعبي طُرِح فيه سؤال واحد فقط على الشعب العراقي: (هل تقبل بفيصل ملكاً وزعيماً للعراق؟) ولم يُسمح بأي سؤال آخر، بينما كانت سجلات الاقتراع غير موثوقة، وكان البريطانيون وحدهم في موضع يسمح لهم بإدارة عملية التصويت... ولم تفاجئ نتيجة الاستفتاء أحداً إذ قرَّر 96 % من الناخبين، لأسباب بقيت غامضة وغير معلنة، الموافقة على أن يصبح فيصل ملكاً على العراق...   " .

علما بأن المجتمع العراقي كان منقسماً على نفسه من ترشيح فيصل الأول، إذ كانت هنالك أصوات تنادي بالنظام الجمهوري، وبهذا "... تشير ألمس بيل في رسائلها إلى والدها بأن قبائل الفرات الأدنى في العراق يوردون عرائض كثيرة مسهبة مقدمة إلى الجهات المحتلة يطلبون فيها أن يكون الحكم في العراق جمهورياً وإنهم يعارضون الحكم الملكي. وبهذا يشير فيليب آيرلند إلى أن عشائر المنتفك كانت تتهيأ لنشر بيان يدعو إلى الجمهورية ...   ". 

وهكذا تمت عملية ترشيح و ( تعين ) الأمير فيصل منذ النصف الثاني من عام 1920 بعد (إخماد) ثورة العشرين، وتم إقرار ذلك في آذار من عام 1921 في مؤتمر القاهرة، الذي انعقد آنذاك واستمر أسبوعين برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل، وبحضور أربعين موظفا إداريا وسياسيا وعسكريا من البريطانيين الذين كانوا يشغلون مناصب هامة في دول المشرق العربي التي احتلتها بريطانيا من أجل تحديد المستقبل السياسي لهذه الدول مثل العراق وشرق الأردن وفلسطين وكيفية إدارتها وشكل السلطة فيها. ‏"... وكان الوفد العراقي إلى مؤتمر القاهرة مكوناُ من: المندوب السامي البريطاني السر برسي كوكس وقائد القوات البريطانية في العراق الجنرال ايلمر هالدن، ووزير الدفاع الوطني جعفر العسكري، ووزير المالية ساسون حسقيل ومستشار وزارة المالية سليتر ومستشار وزارة الاشغال اتكنسن، ومستشار وزارة الدفاع بالوكالة الميجر ايدي، والسكرتيرة الشرقية لدار الانتداب البريطانية في العراق المس بل... وقد استبعد وزير الداخلية السيد طالب من العضوية...  ". كي يخلى الجو السياسي لمرشحهم الملك فيصل.

  وفي المؤتمر تمت مناقشة أربعة قضايا تخص العراق وهي: 

1 - علاقة الدولة (العراقية) الجديدة ببريطانية العظمى من حيث النفقات . 

2 - شخصية من سيتولى حكم هذه الدولة .

3 - نوع وشكل قوات الدفاع في الدولة الجديدة، التي ستتمتع بمسؤوليات أوسع في الدفاع عن نفسها.

4 - وضع المناطق الكردية وعلاقتها بالعراق.  

وبعد الأخذ بترشيح فيصل لملوكية العراق من قبل البريطانيين، كما أسلفنا، نظمت لاحقا مضابط استفتاء جديدة أضيف إليها عبارة : ترشيح أحد ابناء الشريف حسين والمعني به الملك فيصل الأول. وعلى ضوء ذلك فقد وضع مؤتمر القاهرة منهجاً خاصاً لتأييد هذا الترشيح وبالتنسيق مع الضباط الشريفيين. ولقد تماثل فيصل الأول، بعد تعينه ملكاً على العراق، مع المشروع البريطاني إلى حد خاطب فيه المندوب السامي بالقول: "... فأنا أداة السياسة البريطانية وأننا - حكومة صاحب الجلالة وأنا - نجد انفسنا في القارب نفسه وعلينا أن نغرق معاً أو أن نطفو معاً...  ". 

وبهذا فضلت بريطانيا عدم تعيين وطني عراقي ملكاً على العراق، لأنه سيقوض شرعية المملكة الهاشمية في المشرق العربي والمتفق عليها اثناء مفاوضات الشريف حسين مع مكماهون من جهة، وعززت الجانب الطائفي للسلطة من خلال اعتمادها الأرأس على مكون اجتماعي واحد، مما أحبط مساعي بناء الأسس المادية للهوية الوطنية ولم تساهم في خلق هذا الشعور. 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر