جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (2-7)

عدد القراءات : 1688
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (2-7)

بمعنى آخر لم تكن الحكومة البريطانية ولا قوات الاحتلال قد حسمت مسبقا ماهيات كيفية إدارة الحكم ، هل بصورة مباشرة كما في الهند أم بصورة غير مباشرة؟ هل بحكم ملكي مقيد أم جمهوري؟. إن جملة الانتفاضات الشعبية التي جرت في عدة مناطق من العراق كانتفاضة النجف 1918، وانتفاضة محمود الحفيد عام 1919، وانتفاضة (ثورة) العشرين (30 حزيران 1920)، وذلك الامتعاض والسخط الشعبي من تصرفات الكثير من الحكام السياسيين الإنكليز ، هي التي فرضت نفسها على الإدارة البريطانية المحتلة، أو على الاقل أخذت هذه الأخيرة بالحسبان ردود فعل الرأي العام العراقي، بالإضافة لظروف بريطانيا الداخلية والخارجية وبخاصة التكاليف المادية الباهضة لإدارة السلطة بصورة مباشرة والخسائر البشرية التي تكبدتها القوات المحتلة أثناء الثورة والتي قدرت رسميا ب 905 وعدد المفقودين 2470 .. كانت المكمن وراء انقسام قوى الاحتلال في إدارة العراق المقبلة، وقد مثل هذا الموقف أحد أبعاد التناقض الثانوي. وبهذا فقد وضعت ثورة العشرين حدا للهمينة البريطانية المباشرة وفي جعل العراق اقليما تابعا لحكومة الهند.

 

 د. عقيل الناصري

 

وفي ظل هذه الظروف غير المتفق عليها بين قوى الاحتلال الأول (1914 - 1932)، فقد كان يجري في كواليسها، نقاش حول ماهية طبيعة النظام القادم ملكي أم جمهوري؟؟  كما برز السؤال الاتي: إذا تم الأخذ بالنظام الأول: فمن هي الشخصية المحورية المرشحة لقيادة العراق اللاحق؟؟ بخاصة إذا تم الأخذ بمقترح المكتب العربي (الحكم غير المباشر)؟؟. 

تدلل القرائن التاريخية، على انه قد بلغ عدد المرشحين أكثر من أربعة عشر مرشحا كان من بينهم: آغا خان زعيم الطائفة الاسماعلية في الهند ؛ وغلام رضا خان حاكم بيشتكو الإيراني ؛ هادي باشا العمري من الموصل ؛ عبد الرحمن النقيب رئيس وزراء الحكومة المؤقتة ومفتي العراق ؛ طالب النقيب وزير داخلية الحكومة المؤقتة من البصرة ؛ الشيخ خزعل امير المحمرة ؛ برهان الدين نجل اخر السلاطين العثمانيين ؛ وتوفيق الخالدي وغيرهم  . 

 وما أن تألفت الوزارة النقيبية الأولى ( 25 - 10-1920 / 23-08-1921) "... حتى أصبحت قضية إيجاد حاكم عربي قضية عاجلة، أولاً بسبب الحاجة إلى إكمال واجهة الحكومة العراقية، وثانياً بسبب الحاجة إلى حاكم يعقد مع الحكومة البريطانية معاهدة تحل محل مسودة صك الانتداب. وحسب وجهة نظر بريطانيا يجب أن يتوفر في هذا الحاكم شرطان أساسيان: أولهما أن يكون مقبولاً من أكثرية العراقيين ، والثاني أن يحظى، وهذا هو الأهم، بثقة الحكومة البريطانية ويقبل بشروطها المنصوص عليها في صك الانتداب ...   ". ( التوكيد منا- الناصري)

تشكلت الحكومة العراقية المؤقتة في 25/11/1920، برئاسة عبدالرحمن النقيب رئيسا للوزارء وكل من: طالب النقيب للداخلية، وساسون حسقيل للمالية، وجعفر العسكري للدفاع، وحسن الباجة جي للعدلية ومصطفى الآلوسي للاوقاف وعزت الكركوكلي للمعارف والصحة، وعبد اللطيف المنديل للتجارة، ومحمد علي فاضل للنافعة (المواصلات والاشغال). والملاحظ عدم توزير أحد من ابناء الشيعة. لذا تقرر اسناد أحد المناصب الوزارية لشخصية شيعية، فإختير محمد مهدي بحر العلوم وزيرا للمعارف. فجرت مناقلة بين الوزراء وبخاصة بعد اعتذار حسن الباجة جي من تولي   اي منصب.

 كما ألف برسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق، وزراء بلا وزارة وهم بمثابة مستشاريين تتم استشارتهم عند الحاجة وهم : حمدي بابان، عبد الرحمن الحيدري، عبد الجبار الخياط، فخر الدين جميل، عبد المجيد الشاوي، الشيخ عجيل السمرمد، عبد الغني كبة ،الشيخ سالم الخيون، داود اليوسفاني، محمد الصيهود، أحمد الصائغ، هادي القزويني. ولما اعتذر كل  من حمدي بابان وهادي القزويني ، تم إختيار كل من : الشيخ ضاري السعدون والحاج نجم البداروي.  .

 وتم اختيار وزرائها من قبل المندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس، بما فيهم رئيس الوزارء عبد الرحمن النقيب نقيب أشراف بغداد( 1845-1927)، على ضوء موقفهم من الاحتلال، وهذه المجموعة من الوزراء لم تكن تراعي التوزيع النسبي للمكونات العراقية وجغرافية مناطقها وأهميتها العددية.. إذ حصرتها، في الغالب المطلق، في مكون واحد من مكونات المجتمع  العراقي. 

ومن تحليل هذه الأسماء، وكل وزراء المرحلة الملكية، الذين يقدر عددهم بـ 776، تداولها  166 وزيرا فقط ، قد استمدوا مصادر قوتهم وولوجهم ضمن نخبة الحكم، من عدة مصادر هي :

- قوى الاحتلال البريطاني إلى عام 1932، والسفارة البريطانية لغاية تموز 1958 ؛

- النَسَب ورابطة الدم (العلاقات الأسرية - العشائرية -القبلية ) ؛

- المُلكية والثروة ؛

- الروابط الشللية والعصبوية  ؛

- الشهرة والوجاهة الاجتماعية ؛

- الكفاءة والمقدرة ؛

- امتلاك أو التصرف بوسائل العنف المادي ( الوزراء الضباط ) ؛

- التجمعات الرسمية واللا رسمية ؛

 - حركة الجماهير الشعبية كالأحزاب.

إن مصادر القوة هذه تخضع من حيث المرونة والثبات وفعالية التأثير ودرجة الأولوية، إلى طبيعة تطور المجتمع ودرجة نضج المؤسسات الدستورية واستقلاليتها ( التنفيذية، القضائية والتشريعية). فهناك مصادر قوة مستقرة نسبياً، بغض النظرعن المرحلة أو الظرف الحسي الملموس للعلاقات والوعي الاجتماعيين، كالثروة التي تعطي مالكها مصادر قوة حتى لو كان خارج سلطة الحكم؛ ومنها ما له قوة تأثير تتوقف على طبيعة الظرف السائد.

"... إن السياسات الداخلية في العراق كانت منذ البداية متأثرة إلى درجة  كبيرة بوجود الشخصيات المتنفذة ، فكل شخصية بارزة جمعت حولها عدداً من المؤيدين ، قامت بإصدار صحيفة، ونظمت حزباً سياسياً صورياً للحصول على قوة شخصية وشهرة ومركزاً رسمياً على حساب الكفاح للاستقلال عن انكلترة ...  فلقدت تجزأت النخبة السياسية  إلى شلل متناحرة عرف كل منها بأسماء نواتها (مؤسسيها) من الشخصيات البارزة. فلقد كان هناك على سبيل المثال جماعة رشيد عالي الكيلاني التي وقفت ضد جماعة نوري السعيد، جماعة صالح جبرضد جماعة نوري السعيد، جماعة الأخير ضد جماعة علي جودت الايوبي، جماعة جميل المدفعي ضد جماعة ياسين الهاشمي وجامعة السعيد، جماعة حكمت سليمان ضد جماعة ياسين الهاشمي وجماعة الكيلاني، جماعة حمدي الباجه جي ضد جماعة توفيق السويدي، وجماعة الأخير ضد جماعة صالح جبير وجماعة الكيلاني...  ". 

وقد كانت هذه العلاقات (الأخوة- الاعداء) ناجمة عن ذات الظروف التي كانت سائدة آنذاك، ومن احدها هو: "... لم يقيّض إدارة المجتمع العراقي، فكر أصيل مؤهل لإستيعاب جوهر مشكلاته وانقساماته، ومستوى نضجه لتقبل التغيير. وينصرف ذلك إلى القوى السياسية كافة (السلطوية والمعارضة). فإذا كانت القوى السلطوية قد أساءت إدارة شؤونه، فإن قوى المعارضة قد أخفقت في تعبئة الجماهير للكفاح من أجل إرساء نظام حكم عقلاني مؤهل لدفع مركبه إلى شاطئ الرفاه والطمأنينة ...  ". ومما زاد الطين بلة هو عدم توفر الظروف الموضوعية للتطور بغية التحقيق المادي لمشروع نخبة المثقفين وليدة النشوء، ومن هنا بدأ نزوع الصراع بينهم وبين (المثقفين) التقليدين من جهة ؛ والقاعدة الاجتماعية للحكم الملكي من جهة ثانية ؛ والواقع العصبوي للقوى التقليدية من جهة ثالثة. لهذا رنت فئة المثقفين (الانتلجنسيا) إلى الحضارة الغربية وتم "... تبني مذاهب وايديولوجيات  تلك الحضارة وفي ظنها أن البرامج السياسية لتلك المذاهب والايديولوجيات تمثل بلسماً لأمراض التخلف التي يعانيها المجتمع العراقي، وردم الهوة السحيقة التي تفصله عن المجتمعات الغربية...   ". رغم عدم قدرة فئة المثقفين من التكيّف مع هذه النظريات على وفق  ظروف المجتمع العراقي .. وأيضاً لحداثة نشوء هذه الفئة الاجتماعية وعدم فهم العلاقات الجدلية وآوالية التوازن الداخلي لهذه النظريات.. وخير دليل يضرب هنا خلو الابعاد الطبقية من الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي ، بل وحتى وبعد عقدين من الزمن، خلت الافكار اليسارية المتمثلة بالحزب الشيوعي من هذه الأبعاد والتي جسدها الشعار المركزي{ وطن حر وشعب سعيد}، اي بمعنى آخر لا يمكن ليّ يد التاريخ، كما عبر عنها مؤسس الحزب يوسف سلمان يوسف. 

 

                               **************

وارتباطاً بتأسيس الدولة والصراع بين المدرسة الهندية والمكتب العربي بصدد شكل الحكم لعراق المستقبل، فقد قامت قوى الاحتلال بإجراء استفتاء ابتداءً من ( 1/12/1918 - وانتهى في 22/1/ 1919 وبإشراف السير ارنولد ويلسون (1884- 1940) نائب الحاكم المدني العام في العراق للفترة (1918 - 1920) وهو من اتباع المدرسة الهندية، ومن غلاة الاستعماريين، لبيان موقف الشعب من طبيعة الحكومة التي سوف تسير إدارة البلاد، بغية تحبيذ رأيه في تبني مسؤولية الحكم المباشر من قبل حكومة الهند البريطانية على العراق، وذلك "... من خلال اجاباتهم على الأسئلة الآتية : 

1 - هل يفضلون دولة عربية واحدة تحت الوصاية البريطانية؟ . 

2 - وفي هذه الحالة هل يعتقدون بلزوم تنصيب رئيس عربي؟. 

3 - وإذا كان الأمر كذلك، فمن يفضلون تنصيبه رئيساً ...  "

 وبعد الانتهاء من الاستفتاء "... أدى الحكام السياسيون دوراً بارزاً في إظهار نتائج الاستفتاء على أنها مؤيدة لوجهة نظر المسؤولين البريطانيين وفي مقدمتهم أرنولد ويلسون...   "، أي الحكم المباشر واعتبار العراق اقليما من حكومة الهند البريطانية، بغية تحقيق مآربه التي تمحورت "... بإجتهاد شخصي منه، حرص على تحريف نتائج هذا الاستفتاء ليبلغ لندن بأن العراقيين يرغبون بإستمرار الحكم البريطاني، وأنهم يطالبون حكم مندوب سامي بريطاني يساعده وزراء عراقيون. وقد دفع العراق ثمن هذا التحريف غالياً، لاسيما بعد إزدياد حدة الاضطرابات المطالبة بالاستقلال وتداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على المواطنيين...  ". أما نتائج هذا الاستفتاء فقد أظهرت "... على الرغم من أنها لم تكن حاسمة ونهائية، وما تبعها من تطورات سياسية، إلا إن إجماع أوسع طيفين في العراق من الشيعة والسنة، كان يدعم إتجاه إقامة دولة عربية إسلامية  يتولى حكمها ملك عربي مقيد بدستور ...  " .

وبعد فشل مخطط ويلسون، بدأ في مناورة أخرى تصب في هدفه الكامن في إبقاء العراق ضمن حكومة الهند البريطانية، وذلط بقيامه بتشكيل "... لجنة برئاسة بونهام كارتر، وعضوية كل من هاول وتايلور وبلفور وبولارد، وكانت لهؤلاء خبرة سابقة في شؤون الشرق الأوسط. قدمت اللجنة مقترحات تناولت موضوع الانتداب وحقوق الدولة المنتدبة والعلاقات الخارجية والإستشارة الداخلية. وفي مجال التشكيلات الإدارية وشؤون الإدارة الداخلية ، أوصت اللجنة بتشكيل مجلس دولة (Council of stste) أو مجلس وزراء (council of Minister) ليكون السلطة التنفيذية الرئيسية في الدولة ومجلساً تشريعياً. وهكذا كانت الوزراة النقيبية ألأولى (27/10/1920 - 9/9/1921) ومجلسه الاستشاري.

يتألف مجلس الدولة- حسب توصيات اللجنة- من رئيس عربي وحوالي أحد عشر عضوا، يعين كل واحد منهم المندوب السامي البريطاني ويقصيه متى شاء، وأن يكون ستة منهم بريطانيين وخمسة عراقيين بإستثناء رئيس المجلس الذي لا يحق له التصويت، إلا عندما تتعادل الآراء، ويكون للمندوب السامي صلاحية نقض قرار المجلس وبذلك يكون له القرار النهائي. كما أوصت اللجنة بتعيين سكرتير بريطاني في كل دائرة، يعد الموظف التنفيذي فيها، مع تعيين أعضاء عراقيين في مختلف الدوائر على أن يخضعوا لمشورة الموظفين البريطانيين ...   ". 

 ويلاحظ على هذا الاستفتاء والرأي المقترح من قبل اللجنة التي ألفها ويلسون، أنه لم يكن مطروحا أحد أنجال الشريف حسين، بل في صيغة (رئيس عربي من العراق على الأغلب). ويبدو أن ترشيح ابناء الشريف حسين تم ذلك على وفق المفاوضات التي عقدت بين الشريف وبريطانيا والتي تتعارض وتناقض مع مضامين اتفاقية سايكس- بيكو السرية التي أبرمت في 15آيار عام 1916، والتي قضت بتقسيم سوريا الكبرى والعراق بين بريطانيا وفرنسا بعد انسحاب روسيا نتيجة ثورتها الاشتراكية عام 1917. وفي الوفت نفسه كان مقررا على وفق الاتفاق المبرم بين الشريف حسين وبريطانيا فيما يعرف بـ (مراسلات الشريف حسين- مكماهون  ) أن يكون فيصل ملكاً على سوريا الكبرى ما عدا فلسطين لالتزام بريطانيا بالتحقيق المادي لوعد بلفور بصدد قيام دولة إسرائيل ، وأخيه عبد الله ملكاً على العراق.. وهذا الأمر مناقض لماهيات اتفاقية سايكس- بيكو .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر