(عطر الغايب) مزامير لجماليات عذاب عراقي

عدد القراءات : 471
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
(عطر الغايب) مزامير لجماليات عذاب عراقي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كاظم غيلان 

 

الحياتي، متن رافق تجربة الحلفي الشعرية، ضاج بالمرارات والرثاء وتمزقات تدمي القلب حتى يتخيل لمن قرأها بأنه أمام شاعر- طفل- يقف على ضفة التأمل مجهشاً بالبكاء، أحياء فقيرة غرست أرواح أهلها بالعاصمة العراقية، حشود مسحوقة تمارس سطوة الأنين العراقي جراء فاقة وعوز ورأي سياسي مقموع وبذا كانت صرخته الأولى قد لخصت المخاض العسير : ( احزر چم جرح بالروح؟) لربما يكفي هذا السؤال الصارخ ليمنحك مفتاح الدخول لعوالم هذا الشاعر الذي عجنته العذابات جيداً حتى صهرت تجربة وعيه الشعري التي نهض بها وبقوة من خلال قصائده. 

استعدت ذاكرتي المحتشدة بالقهر، تلك التي جسدتها المرحومة والدتي وهي تجتاز بيدي وأنا في ربيع العمر الأول وفي تلك الليلة لننحدر سويا منها ونطل على صرائف أهلنا النازحين من الجنوب العراقي على صرائفهم التي شغلوها قبل أن يشرعوا ببناء بيوتهم الواطئة فاسترق سمعي أصوات مزامير صادحة لأسأل نفسي مستغرباً: هل يعقل انهم وبعد مدار يوم من التعب المهلك يبدؤون الغناء وكأنهم جسدوا مقولة هوشي منه العظيمة القائلة (الى جانب الكفاح يجب أن نتعلم كيف نغني؟).

وبعد ذلك الشوط اللاهب من الزمن العراقي، أجد الحلفي يناشد والده: بويه يالملجوم كلبك أدري حزنك عالشمس- عالوطن- عالحب- عالرصاصة- عالورد- عالطيف- عالجلمة الحزينة- عاللمسامات المشت بيهه السنين ملثمة بغنوة حزينة) من- ساعة ويذبل الزيتون-.

تجربة الحلفي تمثل صوتاً مجدداً تبني مهمة الثورة التي اخذت بالقصيدة العامية العراقية الى ضفاف الحداثة والتجديد، لاسيما بعد تلك المغامرة الريادية التي تبناها مظفر النواب بدءا من- للريل وحمد-.

ولربما اراد الحلفي الاستمرار بنفسه الشعري الذي شحنته طبقات وعيه الثقافي، ليتحدى ظلمة المنفى وبرده القارس وأسراره وأي تحد جمالي هذا الذي يبوح به لنا: “سبكني لحزنك الرمان.. وأتفرط- مثل حبات ليلو أعله النهد - والگاع ما وسعت غنج - مرجان يتغاوه بوسط مرجان - حبه أهنا وحبه أهناك- بوسات ونوايح للسما- حنه وسعد مديوف هالنعسان – ساكت وآنه حاير- والغطه امنده - وشته أمصيف أبكل نيسان- آنه ماشايف شته أبنص الشته وعرگان ؟”. 

تمسك الشاعر بالجمالي في منجزه، لن يبعده عن اليأس وحسب إنما يعمق صلته بالوجود وضروراته وبكل مايحيط بالتجربة شكلاً ولغة وانتقالات فضائية تمزج فاجعته الحياتية بأحلام يقظة الجمال التي تبدو كأنثى مطواعة في علاقتها بالشاعر ليذهب الظلام مطروداً مذعوراً كما في (بساتين الورد): “من يانبع مرتوي؟- من ياغصن تفاح جبت ألوان لخدودك- من يامجره نزلت – من ياسمه وياگاع لميت الهوه لعودك- وك أنه مجبور- أنه مجبور بعيونك- خليني لبساتين الورد ناطور – محد يوصل أحدودك”. 

في التجارب الشعرية الحية تكتشف مديات قوتها حتى في انكساراتها، اذ تلمس مقاومة باسلة عالية دونما ضياع واستسلام ، بل ولا حتى الاحباط الذي يحوم حولها كما نجدها في رثائية الحلفي لرفاق درب وأهل وناس والتي لخصها في شخصياته – الأب والأخ الى جانب- أبو كاطع واسماعيل خليل-: “ بعيد مثل الحلم- وأبعيد مثل النجم- مثل نسمه تمر ورايحه- وأبعيد مثل البارحة – وقريب مثل الهم- مثل أسمه ومثل النوم- مثل كل الحدايق- ومثل اليوم “ في كل محاولة لهضم مرارة المنفى أو لنسميه - قصيدة المنفى- التي امتازت بها الشعرية العراقية استعيد ماذكره الصديق الشاعر عبد الكريم هداد في فصل من كتابه (مدخل لدراسة الشعر الشعبي العراقي- قراءة في تاريخ شعب) والذي اصدره من منفاه السويدي الا انه وصلنا للعراق آنذاك بفضل مغامرات تهريب الكتاب الممنوع الشائعة حينها وهو يشير الى قصيدة الحلفي: “ جانت دجلة مثل العيد- تجري ابوسط البساتين- ومن فوك الجسر- جانت تشوف الناس كل بغداد- رجع بينه الزمان لول الميعاد” لربما هذه الكتابة دعوة لقراءة اعمق – نقدياً- لهذا الكتاب الشعري الذي لخص تجربة ابداعية نادرة في شعر العامية العراقية للشاعر الكبير بحق جمعة الحلفي.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين وسام ... تفاصيل أكثر
حسن العاني     إن مرحلة ما بعد الاحتلال، شهدت بدورها ظواهر انفردت بها، تقف على رأسها ظاهرة (الكثرة) غير المسبوقة في تاريخ العراق، فقد بات لدينا من ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي من المخجل جداً ان يلجأ من يزعم بأنه مثقف الى عملية التسقيط ضد أشخاص آخرين بأسماء مستعارة، ومن العار على من يدعي الرجولة والشرف ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
اسعد كاظم شبيب ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
    لم تخل مرحلة تاريخية من القصص الغريبة والعجيبة التي تثار هنا وهناك بين الحين والحين، ومنها والأكثر دهشة هي محاولات النصب والاحتيال في الحياة ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د . أحمد الزبيدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر