الروائي العراقي محمود سعيد لـ الحقيقة : من يستطيع تحديد رؤية تجربة كاتب ما، اثنان فقط وهما القارئ والناقد

عدد القراءات : 327
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الروائي العراقي محمود سعيد لـ              الحقيقة                     : من يستطيع تحديد رؤية تجربة كاتب ما، اثنان فقط وهما القارئ والناقد

عاشت الرواية العراقية عصرا ذهبيا واحدا فقط، قبل ألف ومئتي سنة عندما ابتدع الأديب العربي العراقي القصة الفنية القصيرة لأول مرة في التاريخ، وأسماها "المقامة" وعندما أبدع الرواية الخالدة "الف ليلة وليلة" والتي لم يكتب ما يضاهيها جرأة ونظرة إنسانية عميقة وأسلوبا ممتعا إلى حد الآن في أي مكان في العالم. هذا ما يؤكده الروائي العراقي محمود سعيد الذي كتب اكثر من 30 رواية ومجموعة قصص ، حاز على جائزة جريدة "فتى العراق "سنة 1957 عن قصته الشهيرة (بندقية مشؤومة، حاز على جائزة وزارة الاعلام عن رواية "زنقبة بن بركة " والعديد من الجوائز الاخرى ، صدرت له قبل ايام رواية مثيرة للجدل " بنات يعقوب" ..الروائي العراقي محمود سعيد في هذا الحوار:

حاوره: مازن لطيف 

 

*كيف يحدد الروائي محمود سعيد تجربته الروائية؟ 

-لا أستطيع أنا تحديد تجربتي قط، ربما يستطيع غيري أما أنا فلا. من يستطيع تحديد رؤية تجربة كاتب ما،  اثنان فقط. القارئ والناقد. هذان الشخصان يستطيعان أن يراقبا الدائرة كلها. أما الكاتب فهو في الدائرة ولا يتمكن من النظر إليها بشكل كامل. كل ما يستطيعه الكاتب هو بذل الجهد، وممارسة عملية الكتابة، وهذا لا علاقة له بتحديد الرؤى مطلقاً. وفي هذه النقطة بالذات، تقع المهمة على عاتق النقاد في تفعيل عملية القراءة بين الجمهور، واستخلاص الآراء ومحاكماتها. فعلى سبيل المثال تجري ورش عمل شبه يومية، لنتاج كثير من الكتاب هنا في الولايات المتحدة. تكون المكتبات العامة ومعارض الكتاب المركزي، والمحلي ساحاتها، ويجري قراءة النتاج الجديد، ومن خلال ما يكتب عن الكتاب والتعليقات يتوصل القارئ والكاتب إلى نقاط تحديد التجربة. عندنا لا يوجد مثل هذا.

*وما هو هاجسك الأهم؟

-تختلف الهواجس عند الكاتب وتتعدد وتتغير بتغير الظروف، فهناك من ينغلق هاجسه على واقع معين لا يتجاوزه، كمدينة، بلد، طائفة، اتجاه ديني، قومي، وهناك من تتسع هواجسه لتشمل العالم كله، فعلى سبيل المثال، كانت مصر والمجتمع المصري هاجس نجيب محفوظ، لكنه تجاوزه إلى الهاجس الإنساني العام في أولاد حارتنا. وما بعدها. وكانت النظرة الكاثوليكية للحياة هي المسيطرة على كراهام كرين، لكنه لم يستطع الخلاص منها إلا بالذوبان في القضايا الإنسانية العامة، فاختار لرواياته المجتمع الإنساني، الذي يتساوى فيه المواطن الإنكليزي بالأمريكي أو الأفريقي الخ. وسيطر على نابيونال هاجس مشابه لكنه لم يتخلص منه إلا بتصوير مشوه حاقد للمجتمعات الإسلامية في أفريقيا وآسيا. في حياة مضطربة سحقت الشعب العراقي لم يعد لي هاجس غير أطفال العراق، الطفل في أمريكا بشكل عام سعيد مرفه، يعيش إمبراطوراً بكل ما لكلمة من معنى، وطفلنا خائف مرعوب محروم مضطهد جائع، تعس. لقد كتبت قصصاً كثيرة عن أطفالنا، منها رواية صدرت في مصر الشهر المنصرم، ويعرض موقع الأمزون الإلكتروني لي أربع قصص مترجمة إلى الإنكليزية.

 

 *ما هي الفترة الذهبية لانتعاش الرواية العراقية ؟

-عاشت الرواية العراقية عصراً ذهبياً واحداً فقط، قبل ألف ومئتي سنة عندما ابتدع الأديب العربي العراقي القصة الفنية القصيرة لأول مرة في التاريخ، وأسماها "المقامة" وعندما أبدع الرواية الخالدة "الف ليلة وليلة" والتي لم يكتب ما يضاهيها جرأة ونظرة إنسانية عميقة وأسلوباً ممتعاً إلى حدّ الآن في أي مكان في العالم. وقد ألقيت محاضرة "باللغة الإنكليزية"، في تشرين الثاني "نوفمبر"، في جامعة دي بول في شيكاغو، عن القصاصين العراقيين في الماضي والحاضر أشرت إلى هذه النقطة" أما بعد ذلك فلم تعش الرواية العراقية فترة ذهبية. فما أنتجناه، في القرن المنصرم قط، قليل لا يسمن ولا يغني من جوع. قليل نوعاً وقليل كماً. ولا يقاس البتة مع نهضة الرواية العالمية قط. كنا نسير في اتجاه صحيح في الداخل والخارج. وكان هناك إبداع يتطور بشكل طبيعي، ثم حدثت النكسة الكبرى بعد الغزو مباشرة، فأظلمت سماء العراق بغيوم طائفية مقيتة، رجعية، ضيقة النظر، وبدأت أحلك فترة سوداء في تاريخ العراق، ونشرت قوائم حقد تدعو لقتل الكتاب والأدباء، وبخاصة أجمل زهرات الأدب النسائي، العراقي المغردات بالأمل والخير. ولست أدري كيف يستطيع الأديب الإنتاج وسط رعب المليشيات والظلم والعنف والحقد والإبادة. إنني متفائل. أتمنى أن يرعوي المسؤولون ويعودوا إلى رشدهم فالظلم لا يدوم وإن دام دمر.

*يقال إن الشعر ديوان العرب، ترى ماذا تمثل الراوية للعرب؟

-ما يزال الشعر ديوان العرب. فكلمة ديوان لها معان كثيرة، والديوان المكان الذي يجتمع به الناس، "الديوانية" البهو، البلاط، القاعة، وكانوا يعنون به المكان الذي ينشد فيه الشعر ويستمع إليه. فمن يتجمع في الديوان من خاصة: ملك، وزير، متنفذ، غني الخ يريد أن يسمع نتاجاً جميلاً، فيه جدة، وذوق وأنس. ومن الطبيعي أن ينشد الشعر في هذا الديوان، لذا قيل الشعر ديوان العرب، أي ما يلقى في الديوان. ومن الطبيعي أن لا يلقى في الديوان سوى شيء خفيف، كالشعر، النكت، الأخبار. أما القصة الفنية والرواية فلا تلقى. بل تقرأ. انتهى عهد إنشاد الشعر بالدواوين. لكن ذلك لا يعني أن الشعر مات. لا، عندنا الآن جنسان "تجاوزاً" من الشعر: الجنس الأول هو الذي ينشد ويغنى في الراديو والتلفزيون، وهو يعيش عصره الذهبي الآن، فكل إذاعة وقناة تلفزيونية تفرخ عشرات المغنين والمغنيات سنوياً وشهرياً. والجنس الثاني هو الشعر المكتوب في ما يسمى بالدواوين المطبوعة والصحف والمجلات أو المنشورة على الانترنيت وهو الآن يعيش عصره الذهبي أيضاً، فهناك في كل بلد عربي عشرات الصحف تنشر يومياً آلاف القصائد الجيدة والمتوسطة والرديئة. لكن هناك مفارقة مضحكة فشعراء الجنس الثاني "المكتوب" لا يعترفون بشعر وشعراء الجنس الأول "الأغنية" مع الأسف الشديد، ولا يتعاونون معهم، ويحتقرونهم، وعندما يريد أديب ما الاعتراف بشعراء الأغنية يسفهون خطوته. وتبنى هذه النظرة غير الواقعية العدائية الضيقة النقاد كلهم من دون استثناء، فنظروا إلى شعراء الأغنية نظرة محتقرة سطحية. فأسقطوا نتاجها، وأهملوه كلية، فحرمونا نحن القراء والمستمعين من ثمرة جهد مفترض. كان بإمكانهم غربلة هذا الكم الهائل الذي لابد أن يتمخض على درر لامعة. أعتقد "أنا" أن شعراء الأغنية هم الشعراء الحقيقيون، أما شعراء الجنس المكتوب فيأتون في الدرجة الثانية، لكن ذلك لا يعني مطلقاً أن لا توجد نوعيات جيدة من الجنس الثاني.

*هل شكلت سنوات الستينيات من القرن الماضي المنجز الثقافي العراقي؟

-تحديد المعاني يختلف باختلاف ما تعنيه الكلمة، فإن قصدت بالمنجز النتاج الكامل المثالي فسيكون الجواب لا. أما إن قصدت به الاستفسار عن شيء أنجز، فنعم. أنجز القصاصون شيئاً ما، لكنه لم يكن كافياً قط، وأظن أنني لست الشخص المؤهل للجواب على هذه السؤال، فلست ناقداً، وأظن أن هناك شخصاً واحداً مختصاً يستطيع أن يفي بالإجابة عنه وهو الأستاذ باسم عبد الحميد حمودي فقط.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي أنا على يقين بأن انتهاء مرحلة داعش لا تعني ان الساسة سيلتفتون الى تصحيح الأخطاء ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، على العكس من ذلك ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ساطع راجي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
سلام مكي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر