العصابات تنكد العمل على الأطباء في العراق عملية اغتيال الأطباء استهتار بكل القيم الإنسانية واستهداف ممنهج ضد الكوادر الطبية

عدد القراءات : 905
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
العصابات تنكد العمل على الأطباء في العراق عملية اغتيال الأطباء استهتار بكل القيم الإنسانية واستهداف ممنهج ضد الكوادر الطبية

منذ سنوات، تكثر في العراق حالات الاعتداء على الأطباء، خاصة في المناطق التي يكثر فيها الطابع العشائري، مما دفع بعدد من الأطباء إلى الانتقال إلى أماكن أخرى وفتح عياداتهم بعيدا عن البيئات التي تسيطر عليها القبلية والعشائرية، فيما هجر آخرون مهنتهم التي درسوا طويلا ليحصلوا عليها وهاجر آخرون تاركين مصير مرضى العراق إلى المجهول. خلال الأيام القليلة الماضية تعرّضت مجموعة من الأطباء لاعتداءات بالقتل والتهديد، أجبرت العشرات منهم على ترك عملهم، بينما اختار بعضهم مغادرة البلاد ، فيما يعمل آخرون سرا بعيدا عن الأنظار.

الأسبوع الماضي، توفي الطبيب سليم عبدالحمزة متأثرا بطعنات تعرض لها من قبل مسلحين مجهولين اقتحموا عيادته الخاصة في منطقة المعامل ببغداد، كما اختطف الطبيبان محمد علي زاير الذي يعمل في مستشفى الحكيم في مدينة الصدر وسعد عبدالحر في عيادته الخاصة ببغداد الجديدة، وقتلت طبيبة الأسنان شذى فالح في مركز صحي في منطقة الوشاش، جميع هذه الحوادث جرت في بغداد في أسبوع واحد.

وتثير قضية الاعتداء على الأطباء جدلا واسعا في العراق، وأعرب عدد من الأطباء عن استيائهم الشديد لهذه الاعتداءات غير المسؤولة بحقهم، مطالبين بالحد منها، مؤكدين أن الحلول التي أمامهم اليوم هي مغادرة البلاد. ويقول نقيب الأطباء العراقيين عبدالأمير محسن إن عملية اغتيال الأطباء استهتار بكل القيم الإنسانية واستهداف ممنهج ضد الكوادر الطبية.

غياب أمني

وزارة الداخلية فتحت تحقيقا في هذه الحوادث، وأعلنت اعتقال ثماني عصابات متورطة في خطف وقتل الأطباء في بغداد، ولكن العراقيين الذين انشغلوا منذ أيام بهذه الحوادث كان لهم رأي آخر، ويقولون إن هناك مخططا لاستهداف الكفاءات العلمية، والأكثر من ذلك أن الأطباء بدؤوا في ترك مستشفياتهم وعياداتهم الخاصة والتخطيط لمغادرة البلاد.

 

في السادس والعشرين من مارس 2013 أصدر مجلس النواب العراقي قانون حماية الأطباء والذي ينص على “المعاقبة بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن عشرة ملايين (ثمانية آلاف دولار أميركي) تقريبا، لكل من يدعي بمطالبة عشائرية أو غير قانونية ضد طبيب عن نتائج أعماله الطبية”.

ورغم أن القانون قد صدر منذ سنوات، إلا أن الاعتداءات ما زالت مستمرة بحق الأطباء العراقيين، خاصة مع تزايد وجود الجماعات المسلحة وغياب القانون ووجود الأعراف والعشائرية، ما دفع لجنة الصحة في مجلس النواب العراقي إلى المطالبة بضرورة تطبيق القانون والعمل به وعدم إهماله.

ومن الضروري أن تعمل السلطات المعنية على بدء تطبيق قانون حماية الأطباء، وألَّا يبقى القانون مجرد تشريع موجود، لأن للأطباء دورا كبيرا في إنقاذ حياة الناس، وهم جزء من منظومة الدولة والمجتمع العراقي.

في منطقة الحارثية احدى أحياء بغداد الراقية والمعروفة بكثرة العيادات الطبية، اقتحم مسلحون مجهولون عيادة الطبيب الجراح سامر العطار وضربوه بقوة حتى فقد الوعي، وبينما سارع سكرتيره إلى نقطة التفتيش القريبة من العيادة طلبا للنجدة، كان المسلحون قد لاذوا بالهروب. الطبيب سامر قرر عدم إبلاغ الشرطة خوفا على حياته، واتخذ قرارا حاسما بإغلاق عيادته بهدوء واصطحب عائلته إلى إقليم كردستان، ويفكر الآن في مغادرة البلاد.

وقال في اتصال هاتفي “لا أحد يحمي الأطباء في العراق وهناك عصابات مسلحة تستهدفنا، والقوانين العشائرية، والأجهزة الأمنية عاجزة عن حمايتنا”. وتحدث طبيب فضل لسلامته عدم الإفصاح عن هويته، عن اعتداء تعرض له خلال عمله في أحد المستشفيات، أصبح يهدد حياته بشكل جدي. وأوضح أنه تعرض للضرب والملاحقة العشائرية والتهديد بالقتل ومطالبات بمبالغ مالية كبيرة، وحجة المعتدين كانت تقصيره في أداء واجباته.

وقال هذا الطبيب إن الواقع الحالي وعدم استجابة السلطات الأمنية لمطالب حمايته، دفعاه إلى اعتزال العمل بشكل نهائي، إذ أصبح يفكر في الهجرة واللحاق بركب من سبقوه من حملة الشهادات العليا.

ويسعى أكثر من 600 طبيب للتحول إلى مهن أخرى خشية الاختطاف وتكرار حالات الاعتداء عليهم، بحسب إحصاءات وزارة الصحة، وضحوا بسنين الدراسة الطويلة والوضع الاجتماعي المرموق، بعد أن ارتفعت وتيرة الاعتداءات عليهم.

مثل هذه الأحداث تجعل الأطباء يعبرون عن ترددهم في اتخاذ قرار بإجراء عمليات جراحية خوفا من أن تحدث مضاعفات قد تؤدي بالنتيجة إلى أن يصب أهل المريض أو المريضة جام غضبهم على الطبيب الجراح، خاصة وأن مثل هذه المضاعفات تحدث أحيانا ولا تعني على الإطلاق أن الطبيب أخطأ بشكل أو بآخر.

ويعيش الأطباء في المستشفيات العامة معاناة يومية تبدأ من قلة الاحترام التي يبديها الناس لأشخاص يبذلون الجهود لمساعدة المحتاجين، وكثيرا ما يتعرض طبيب أو طبيبة إلى الضرب على يد أهل أحد المرضى.

تحرك الأطباء

في 25 من الشهر الماضي نظم الأطباء في بغداد وغالبية المحافظات اعتصاما موحدا داخل المستشفيات احتجاجا على تصاعد ظاهرة استهداف الأطباء في البلاد، ورفعوا شعارات تطالب وزارة الصحة والحكومة بحمايتهم، وحذروا من تناقص أعداد الكوادر الطبية بسبب هذه الاعتداءات.

وقال نقيب أطباء العراق عبدالأمير محسن خلال اعتصام في مقر نقابة الأطباء إن “العراقيين، ومنهم الأطباء، يقاتلون الشر بمختلف أنواعه منذ 2003”. وأضاف “ثقلت على الأطباء الاعتداءات والتجاوزات وعمليات الخطف والقتل الممنهج، ما أدى إلى هجرة الآلاف منهم خوفا على عائلاتهم”. وأكد أن “الطبيب ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها”، محملا الأجهزة الأمنية مسؤولية التقصير في حماية الكادر الطبي.

واقترح إجراءات على الحكومة العراقية لتوفير الحماية للأطباء، منها التنسيق بين النقابة والأجهزة الأمنية لتوفير البيئة المناسبة لعمل الطبيب، وتشكيل قوة استخبارية بهذا الشأن، وتفعيل قانون حماية الأطباء، وأداء القضاء دوره في حماية الأطباء، ورفض حملات بعض القنوات الفضائية والصحف ضد الأطباء بسبب الأجور المرتفعة أو التقصير في العمل.

وأكد أن “النقابة ستلجأ إذا لم يتم تفعيل مطالبها إلى إجراءات أخرى لحماية الأطباء”. وتدرك وزارة الصحة العراقية ما يواجهه بعض الأطباء، لكنها عاجزة، وتحمل أجهزة الأمن مسؤولية حمايتهم والمؤسسات الطبية من الاعتداء، والداخلية العراقية تنحي باللائمة على ما تصفه وضعا عاما وشاذا تمر به البلاد غيب هيبة الدولة والقانون.

ويقول مدير عام صحة بغداد في جانب الكرخ جاسب الحجامي، إن “الجرائم التي تستهدف الأطباء في الآونة الأخيرة خسارة للبلد، وتستهدف إفراغ العراق من أطبائه وكفاءاته العلمية ذات التخصصات النادرة وهؤلاء ثروة لا يمكن تعويضها بسهولة”.

ويؤكد الحجامي أن “الكثير من هذه الكفاءات هاجرت خارج البلاد في الأعوام السابقة نتيجة لأفعال القتل والخطف، ويجب بذل الجهود من اجل حماية ثروات وعقول البلد العلمية”.

قانون "الفصلية"

ظاهرة استهداف الأطباء أعادت ذكريات مؤلمة إلى العراقيين عندما تصاعدت عمليات قتل الكفاءات العلمية بشكل ممنهج من الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات وكبار ضباط الجيش العراقي السابق بعد 2003 من قبل فصائل مسلحة يخشى الجميع التحدث عنها في الوقت الحاضر.

 

 

نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي اعتبر في بيان رسمي أن “ما جرى يشير إلى عودة ظاهرة اغتيال الأطباء والكوادر العلمية، هذه الممارسات الإجرامية النوعية توصل رسالة مهمة مفادها أن مرحلة ما بعد داعش لن تكون آمنة، بل ستكون أكثر دموية لإفراغ البلاد من كل الطاقات القادرة على قيادة مرحلة البناء وإعادة الإعمار”.

المسلحون المجهولون ومافيات السرقة الذين يمارسون القتل والخطف والابتزاز ليسوا المشكلة الوحيدة للأطباء، فهناك أيضا القوانين العشائرية التي تلاحقهم في كل مكان، فالطبيب الذي يفشل في معالجة أحد المرضى قد يدفع الثمن عبر قانون “الفصلية” ويعني دفع أموال طائلة إلى عائلة المريض، وقيمة الأموال تحددها العشائر.

الطبيب سرمد عبدالأمير المختص في أمراض القلب كان ضحية القوانين العشائرية، قبل ستة أشهر أجرى عملية خطيرة في القلب لرجل متقدم في السن لم يكتب لها النجاح، أقدمت قبيلة المتوفى على إغلاق عيادته بالقوة وكتبت عليها عبارة “مطلوب عشائريا” وتعني في المفهوم الشعبي خيارين؛ إما يتعرض للأذى وربما القتل وإما دفع أموال الدية.

ويقول عبدالأمير “استطاعوا الوصول إلى منزلي وهددوا عائلتي، اضطررت بعدها إلى دفع مبلغ دية قدره مئة ألف دولار لعائلة المتوفى بالرغم من أن التقارير الطبية قبل إجراء العملية كانت تشير إلى أن نسبة نجاحها محدودة وعائلته وافقت على تحمل النتائج، وبعد إجراء العملية تنصلوا من ذلك”.

قرر عبدالأمير أيضا مغادرة البلاد إلى الأردن، ولكنه مازال يمارس مهنته في العراق بشكل سري، ويقول “اتفقت مع أحد مستشفيات بغداد بحجز مواعيد للمرضى على أن أزور المستشفى لمدة أسبوع في كل شهر بشكل سري، أقوم خلالها بمعالجة المرضى من زبائني المعروفين وأقربائهم، وبعدها أعود إلى الأردن لثلاثة أسابيع”.

هجرة الكوادر الطبية إلى خارج البلاد أوجدت أزمة حقيقية بين المواطنين الذين بدأوا بدورهم السفر واللحاق بأطبائهم أو أطباء الدول المجاورة، ويعتبر لبنان والأردن وإيران والهند بلدانا مفضلة للعراقيين للعلاج، وهو ما أضاف أعباء مالية كبيرة على كاهل العراقيين.

تشديد العقوبات

في 25 من الشهر الماضي نظم الأطباء في بغداد وغالبية المحافظات اعتصاما موحدا داخل المستشفيات احتجاجا على تصاعد ظاهرة استهداف الأطباء في البلاد.

كما أعلن رئيس لجنة الصحة والبيئة البرلمانية، قتيبة الجبوري الأربعاء الماضي عن إجراء تعديل تشريعي على قانون حماية الأطباء ليتضمن تشديد العقوبات المفروضة على المعتدين على الكوادر الطبية.

وقال الجبوري في بيان صحافي إن “لجنة الصحة والبيئة عقدت مؤتمرا بحضور عدد من الناشطين في مجال الصحة والبيئة العاملين في وزارة الصحة في مختلف الاختصاصات”. مبينا  أن “الهدف من المؤتمر هو مطالبة الحكومة بتفعيل قانون حماية الأطباء الذي تم تشريعه من قبل لجنة الصحة مؤخرا لغرض حماية الأطباء والكوادر في المؤسسات الصحية بعد أن كثرت ظاهرة الاعتداء عليهم وعمليات القتل ضدهم”.

وتابع رئيس لجنة الصحة والبيئة البرلمانية أن “اللجنة أخذت على عاتقها إجراء تعديل تشريعي على قانون حماية الأطباء ليتضمن التعديل تشديد العقوبات المفروضة على المعتدين على الكوادر الطبية وكذلك إضافة فقرات أخرى تشمل حماية كل الكوادر الصحية العاملة في المؤسسات الصحية وليس الأطباء فقط”.

ولفت إلى أن “اللجنة تناشد المرجعية الدينية أن تأخذ على عاتقها في إحدى خطب الجمعة توجيه كل مؤسسات الدولة والمواطنين بضرورة توفير الحماية اللازمة للكوادر العاملة في وزارة الصحة لغرض الحفاظ على ديمومة العمل في المؤسسات الصحية ومنع هجرة هذه الكوادر إلى خارج العراق”. 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي العبودي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نجم الشيخ داغر ... تفاصيل أكثر
بلال حنويت الركابي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
مكرم محمد أحمد ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو. ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
الشاعر محمد بشار ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عبدالرضا الساعدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
غسان الوكيل ... تفاصيل أكثر
علي علي     دأب برلماننا منذ ولادته -كما هو معلوم- متلكئا في سن القوانين وإقرارها تحت سقف زمني معقول او نصف معقول، إذ يدخل مشروع ... تفاصيل أكثر
 مازلت اذكر اللحظات الاولى لوصول الراحل الدكتور احمد الجلبي الى مدينة الناصرية بعد سقوط النظام السابق مباشرة، ولقاءنا به للحظات تحدث خلالها عن ان عهداً ... تفاصيل أكثر
علي علي     في بلد يعوم على بحور من الخيرات، تدور الدوائر عليه، فيأتي أناس خرجوا من رحمه، ليتسابقوا على سلبه جهارا نهارا، فكأنهم يقطّعون ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر