كيف نقرأ الأدباء الكلاسيكيين العرب؟

عدد القراءات : 280
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
كيف نقرأ الأدباء الكلاسيكيين العرب؟

حسونة المصباحي

 

لم يكن إيطالو كالفينو (1923-1985) روائيّا وقاصّا كبيرا فقط، وإنما كان أيضا ناقدا نبيها وقديرا. وهذا ما تكشف عنه العديد من المقالات والمحاضرات التي ألقاها سواء داخل إيطاليا أو خارجها، وفيها تناول بالبحث أعمال فلاسفة ومفكرين وشعراء من مختلف الثقافات واللغات من أمثال الفرنسي ديدرو، والبريطاني ديكنز، والأرجنتيني بورخيس، والروسي تولستوي، والأميركي همنغواي.

في دراسة له حملت عنوان "كيف نقرأ الأعمال الكلاسيكيّة؟"، اهتم كالفينو بما وصفه بـ"الأعمال التي نحن نقرؤها دائما، فإذا ما فرغنا من قراءتها عدنا إلى قراءتها مجدّدا بنفس الحماس وبنفس المتعة". وهو يشير إلى أن قراءة أعمال كتاب كلاسيكيين كبار من أمثال هيرودوتس، المؤرخ الإغريقي الشهير، وحتى أعمال بالزاك وزولا، أصبحت نادرة لدى الأجيال الشابة.

يرى إيطالو كالفينو أن الأعمال الكلاسيكية هي تلك التي تحدث تأثيرا خاصّا، فارضة نفسها كشيء لا يمكن أن ينسى أبدا. وحتى إن تخفّت داخل ثنايا الذاكرة الجماعيّة، أو الفرديّة، فإنها تترك بذرتها التي لا تموت. وهي أيضا تلك الأعمال التي تكون كلّ قراءة جديدة لها بمثابة الاكتشاف المبهر لمضامينها تماما مثلما هو الحال في قراءتنا الأولى لها. فهي لا تنتهي أبدا من قول ما تبتغي أن تفصح عنه. وحين تصل إلينا هذه الأعمال، فإنها تكون حاملة معها أثر قراءات سبقت قراءتنا لها، جارّة خلفها أثر ما خلّفته في الثقافة، أو في الثقافات التي اخترقتها في اللغة، وفي التقاليد.

وبين وقت وآخر تخصّص كبريات المجلاّت الأوروبية ملفات خاصّة بواحد من كبار الكلاسيكيين من الفلاسفة، والشعراء، والكتاب سواء من العصر الإغريقي، أو الروماني، أو من عصر النهضة، أو من عصر الأنوار. وغالبا ما تكون تلك الملفّات رابطة بين أفكار هؤلاء، والقضايا السّاخنة التي يعيشها العالم راهنا، فلسفيّة كانت، أو سياسيّة، أو اجتماعية أو غير ذلك.

وفي مقال له نشر في العدد المزدوج لـ”المجلة الأدبية” الفرنسية لهذا الصيف، أشار الكاتب فرانز-أوليفيي غايزبار إلى أن قراءة مذكرات سان-سيمون الشهيرة التي تعود إلى القرن السابع عشر يمكن أن تضيء الحياة السياسية في فرنسا راهنا. وهناك شخصيات تحدث عنها سان-سيمون تكاد تكون شبيهة بشخصيات معاصرة، كما لو أن فرنسا ظلت على حالها منذ تلك الفترة حتى هذه الساعة، فلم تعرف تغيرات، ولا ثورات، ولا تحولات. فالرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مثلا يشبه الماركيز دو باربزيو الذي كان متعكر المزاج دائما، لذا كان يأتي بأفعال لا يمكن تصورها أبدا. وأما الوزيرة السابقة رشيدة داتي فتشبه الأميرة داركور التي كانت “تغير خدمها كل يوم، وتتعامل مع الجميع بخبث، وعنف، ودناءة”.

مقابل هذا، يحقّ لنا أن نسأل: كيف نتعامل نحن العرب مع كبار المفكرين والشعراء والكتاب الذين صنعوا مجد ثقافتنا في عصور إشعاعنا الحضاري؟ وعلينا أن نعترف أولا بأننا لا نعرف هؤلاء جيدا. فالطرق المستعملة في دراسة آثارهم في المدارس والجامعات مملة، وسطحية، وفقيرة في محتواها ومضامينها بحيث تجعل الطلبة ينصرفون عنها، بل قد يظهرون نحوها الاحتقار واللامبالاة. كما أن هذه الطرق تحيلهم وتحيل آثارهم إلى الماضي البعيد، ولا تربطهم، وتربطها بحاضرنا، وبقضاياه، ومشاكله في مختلف المجالات.

ثمة حكام ورجال دين وشخصيات اجتماعية كبيرة يتحدث عنهم الجاحظ، أو ابن خلدون، أو الطبري، أو الأصفهاني، أو غيرهم يشبهون إلى حد كبير معاصرين لنا نراهم ونسمعهم ونعيش معهم. ولو نحن سعينا إلى إبراز أوجه التشابه بين هؤلاء وأولئك لكانت المنفعة والإفادة كبيرتين.

كما يجدر بنا أن نتعامل معهم ومع آثارهم انطلاقا من أوضاعنا الراهنة السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها. وفي البلدان الغربية المتقدمة، نحن نعاين أن “أسعار الآثار الكلاسيكية متيسرة للجميع بمن في ذلك فقراء الطلبة، بحيث يصبح بإمكانهم أن يقرؤوا أعمال هوميروس وأفلاطون ودانتي وشكسبير وفلوبير وغيرهم بأثمان بخسة، وفي طبعات كتب الجيب. أما عندنا فالآثار الكلاسيكية العظيمة تصدر في مجلدات ضخمة وثقيلة وباهظة الثمن. لذا يصبح من الصعب ترويجها لكي يسهل على الطلبة وعامة القراء اقتناؤها والاستفادة منها. وهذا ما يفسر ويبرر انعدام تأثيرها مقابل تأثير الكتب القديمة الصفراء التي تحرض على العنف، والكراهية، وتباع بأثمان زهيدة، بل قد توزع مجانا.

وعلينا أن نشير أيضا إلى أن حركة النهضة العربيّة عرفت مثقفين ومفكرين أفذاذا لعبوا أدوارا مهمّة للغاية في يقظة الشعوب العربيّة، وفي المعارك التي خاضتها ضد الاستبداد، والجهل، والتخلّف، والتزمّت الديني بمختلف أشكاله، وأنواعه. وكان المفكر السّوري المرموق عبدالرحمان الكواكبي من أبرز هؤلاء، ومن أكثرهم فهما للتاريخ العربي، وللواقع بتضاريسه الأشدّ تعقيدا في المجال السياسي بالخصوص.

كان كتاب الكواكبي “طبائع الاستبداد” أثرا رائعا في رصد أسباب الاستبداد في البلاد العربيّة، مبرزا بالخصوص أنه، أي الاستبداد، سبب انحطاط أمّة العرب، وسبب كلّ المحن، وكلّ الكوارث التي حلّت بها في الماضي وفي الحاضر. وجميع طبائع الاستبداد التي أشار إليها الكواكبي في كتابه المذكور تنطبق على أنظمة عربية من زمننا الراهن.

في مصر ولبنان وتونس والعراق، خاض كتّاب ومفكّرون بارزون معارك ضارية من أجل تنوير العقول، وفتح بصائر الأفراد والجماعات على مظاهر التمدّن والحضارة في الغرب. كما أنهم انتقدوا التّعصّب الديني والعقائدي، ودافعوا عن قيم التسامح، والانفتاح، وغير ذلك من القيم الإنسانيّة النبيلة. إلاّ أن أعمال هؤلاء الإبداعية والفكرية وغيرها ظلت محدودة التأثير لأسباب عدة، منها الاحتراز الذي تبديه إزاءها الأنظمة السياسية وأجهزة الرقابة الدينية والأخلاقية. ومنها أيضا عدم إدراجها في البرامج المدرسية والجامعية، وقد استغلّ الأصوليّون والمتطرفون المتشدّدون دينيّا هذا الفراغ الهائل ليفرضوا وجودهم في الفضاءات الاجتماعيّة، وفي المساجد، وفي المدارس والجامعات لنشر أفكارهم الظلاميّة المتخلّفة بدعوى “نصرة الإسلام والمسلمين”.

أدّى هذا “الزّحف الأصفر” إلى إغراق المجتمعات العربيّة في أشكال جديدة من الاستبداد والطغيان، وفي المزيد من الفتن، والنّزاعات الطائفيّة والقبلية. وبذلك ينطفئ كل نور معرفي في نفس اللحظة التي يشع فيها ليسود الظلام من جديد. ولن يعطّل هذا الزحف الظلامي المرعب سوى إعادة الاعتبار لعظماء الكلاسيكيين العرب في مجال الفكر والأدب والشعر، وتوفير طبعات جيب بأثمان بخسة لأعمالهم لكي تشهد الرواج الأوسع الذي تستحقه، ولكي يكون تأثيرها أعمق وأكثر إفادة ونجاعة لمواجهة “الجهل المعمم”، ومحاربة كلّ أشكال الطغيان والظّلم والتخلّف والتزمّت.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
د.مصطفى الناجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
نوزاد حسن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين وسام ... تفاصيل أكثر
حسن العاني     إن مرحلة ما بعد الاحتلال، شهدت بدورها ظواهر انفردت بها، تقف على رأسها ظاهرة (الكثرة) غير المسبوقة في تاريخ العراق، فقد بات لدينا من ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي من المخجل جداً ان يلجأ من يزعم بأنه مثقف الى عملية التسقيط ضد أشخاص آخرين بأسماء مستعارة، ومن العار على من يدعي الرجولة والشرف ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
اسعد كاظم شبيب ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
    لم تخل مرحلة تاريخية من القصص الغريبة والعجيبة التي تثار هنا وهناك بين الحين والحين، ومنها والأكثر دهشة هي محاولات النصب والاحتيال في الحياة ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر