صورة الفردوس في الشعر الانجليزي الحديث...دراسة في ثلاث قصائد

عدد القراءات : 5243
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
صورة الفردوس في الشعر الانجليزي الحديث...دراسة في ثلاث قصائد

يتناول هذا البحث موضوعة الشعر والفردوس من خلال دراسة ثلاث قصائد تمثل ثلاث فترات مختلفة من تاريخ الشعر الأنجليزي، مجسدة طرق التفكير والأمزجة المتغيرة في شعر القرن العشرين الذي مرّ بهزات كبيرة فصلته الى حد كبير عن الشعر المتوارث في القرون السابقة . تعد موضوعة استعادة الفردوس المفقود واحدة من الموضوعات المشحونة بالدلالات الدينينة والرمزية في الشعر. ,قد اعتنق الشعراء عن وعي الفكرة التي مفادها أن غاية الشعر هي استرجاع ذلك الفردوس المفقود. يعلق الناقد ي.ب. جرينوود على اهتمام الشعراء بموضوع الفردوس وذلك من خلال التأكيد على " أن خصائص معينة في البناء اللغوي للشعر هي التي تجعل منه أكثر ملاءمة من النثر في التعامل مع موضوعة الفردوس" ( 1969، 7) وقبل محاولة وضع مخطط تاريخي لموضوعة الفردوس في الشعر، لابد من الاشارة الى الطبيعة الأسطورية للموضوع الذي يأخذنا خارج التاريخ ذلك لان الطبيعة المحددة للأسطورة حسب ما يقول مارسيا إلياد " هي طبيعة لا تاريخية....إذ أن عالم التاريخ هو عالم المكان والزمان الماديين في حين أن عالم الأسطورة هو عالم المكان والزمان المقدسين. فهو يتعامل مع الجذور وبدايات الأشياء ويكشف عن نماذج مثالية لكل النشاطات الانسانية" ( إلياد، 1964،21) وتجسد الأسطورة على نحو متكرر قصة ربط الحكاية مع فكرة غامضة ما عن " سقوط" الانسان من زمن مقدس الى زمن مدنس نتيجة لعرض من كائن أو كيانات سماوية" على حد تعبير إلياد ( المصدر السابق،22) ونتيجة لذلك يحرم الانسان من لقاء " الالهة" ومن هنا، يسعى الشعراء الى استعادة مثل هذا الامتياز من خلال اعمالهم الشعرية الثرية بالخيال.

د. شاكر حسن راضي

 

وكان جون ملتن ( 1608-1674) قد عبّر عن هذه الفكرة المركزية بسلاسة رائعة في قصيدته الشهيرة " الفردوس المفقود" ( 1667) إذ سجّل في هذه الملحمة الهائلة تاريخ " السقوط" وامال ومخاوف الانسان الدفينة. فالقصيدة تتعامل مع فكرة الخلق وتمرد الشيطان والاغواء والسقوط. ومن الواضح أن ملتن أراد من معالجته لهذا الموضوع ان يقول أن واجب الانسان الأساسي هو فهم قضايا الحياة وإدراك أهمية كل فعل تافه، مبيناً الفكرة الرئيسية في بداية الكتاب الأول:

عن أول عصيان للانسان وعن ثمرة 

تلك الشجرة المحرّمة التي جلب 

طعمها المميت

الموت للعالم، وكل أحزاننا

بفقدان جنة عدن...

وقد تعامل ملتن مع فكرة السقوط وفقدان الجنة من زاوية دينية بحته تأخذ في الاعتبار قصة " سفر التكوين" أمراً مسلماً به وهو أمر كان يهمه كثيراً كمفكر ديني بروتستانتي ( نيكولاس،1971، 184-86) بيد أن هذه القصيدة الملحمية أصبحت مرجعاً  في هذا المجال. وفي مقالته المهمة الموسومة " الحنين الى الفردوس في التراث البدائي" ( 1960) يضع إلياد قائمة بما يمكن تسميته بالمواضيع الفردوسية التي تتكرر في الشعر وتشمل هذه القائمة:

- القرب البدائي بين السماء والأرض ( وتكون وسيلة الوصول عن طريق شجرة أو جبل أو طير أحياناً أو حصان)

- سهولة التواصل مع الخالق

- معرفة لغة الحيوان والطير والسلطان عليها

- الحرية والتلقائية والخلود

وتعود هذه الموتيفات الى الظهور في الشعر الحديث.فقصيدة وليم بتلر ييتس " الابحار الى بيزنطة" ( 1927) هي نموذج مثالي عن فكرة البحث عن الحرية والخلود فيما تعاود بعضها الظهور بطريقة مثيرة ومدهشة كما هو الحال في قصيدة تيد هيوز " لعبة صبيانية" ( 1970) التي تعد قصيدة غير مألوفة في التعامل مع موضوعة الخلق والفردوس.

يكمل الشعر الانجليزي الحديث هذا التقليد بعد أن وجد الشعراء المحدثون أنهم كانوا يشهدون نهاية العالم وليس نهاية قرن وبداية اخر، فقد هيمنت المخاوف التي ورد ذكرها في سفر الرؤيا على المشهد سيما وأن اوربا والعالم كانوا يتحضرون لخوض غمار حرب عالمية ثانية ولم يستوعبوا درس الحرب الأولى، الأمر الذي قاد الشاعر المعاصر الى البحث عن عالم خيالي أو بدائي يلجأ اليه أو لايجاد نوع من الخلاص الشخصي على الأقل. فالفردوس عند الشاعر الحديث " يعني تنظيم التجربة الاجتماعية أو النظام الأخلاقي أو المدني" ( وايمر، 1966، 11)

فضلاً عن ذلك، يمثل هذا المفهوم الحديث " نوع من الاسقاط الخيالي" ( المصدر السابق، 28) إذ يدمج هذا المفهوم الفردوس مع الرغبة التي تنطلق من حياة حسية حافلة بالألوان والمتع، ومن هنا يأخذ الشاعر دور الشامان ( الساحر والطبيب والعرّاف والكاهن) الذي قد يعالج المرضى أو " يعين أرواح الموتى في الوصول الى مقصدها" ( جرينوود، 10) ولكي يدرك الشاعر الحديث هذا الفردوس عليه أن يعيد ترتيب النظام الأجتماعي أو يعيد تفسير قصة الخليقة التقليدية.

باختصار، حاول أجدادنا الأوائل بناء مجتمع يحكمه القانون الالهي، فقد حلموا بالفردوس المفقود وسعوا الى بناء جنات أرضية رؤوية ، وهي رؤيا هيمنت على محاولات الانسان لاستعادة فردوسه الضائع ولذلك ترانا نواجه صورتين مثاليتين: الأولى " مدينة الله السماوية" والثانية دنيوية بحته.

يميل الشعراء المحدثون الى توكيد أهمية الفردوس الأرضي أو " المدينة الفاضلة" الموجودة في خيال الشاعر " لتلهم الناس بالرغبة في تنظيم الأرض وتحويلها الى مجتمع واحد على غرار صورة المدينة السماوية." ( وايمر، 128-129)

تهدف هذه الدراسة الى تعقب وتبيان هذه الصورة في ثلاث قصائد من الشعر الحديث تعاملت مع موضوعة الفردوس والسعي الى مدينة فاضلة ومحاولة الانسان إستعادة مكانته الروحية وسط هذا الخراب المادي وهذه القصائد هي " الإبحار الى بيزنطة" للشاعر وليم يتلر ييتس الذي يسعى الى خلق جنة ذهنية يتوحد فيها المبدع مع جمهوره المنتخب. ويبني قصيدته على تناقض أساسي بين وطنه ( أيرلندا) التي يشير اليها الشاعر " بذلك البلد" في البيت الأول من القصيدة ، عالم الطبيعة والغرائز التي يستثنى منها الشاعر، وبين بيزنطة المقدسة، عالم مثالي يستطيع فيه العقل المبدع أن يزدهر دون قيود الجسد. أما حديقة جريفز الخفية فهي فردوسه الذي يستمتع فيه مع حبيبته بالصفاء الذهني الكامل حيث لا يكون الحب ثمرة محرمة. لكن فردوس هيوز في لعبته الصبيانية يوفر إعادة تفسير وتقييم لقصة السقوط والتأكيد على محاولات الانسان استبدال رغبته الغريزية برؤيا افلاطونية للحب كي يستعيد الانسان قواه الروحية لكن غراب هيوز موجود دائماً ليحبط كل محاولة من هذذا القبيل. وتبقى محاولة الشاعر لاصلاح الخلل في توازن القوى في العالم متواصلة رغم ذلك الخطأ الشيطاني أو البشري .

وليم بتلر ييتس: الإبحار الى بيزنطة ( 1927)

تحمل هذه القصيدة حنين ييتس المتواصل الى مكان ينتعش فيه العقل المبدع بسلام دون قيود متطلبات الجسد الذي يحتويه. ورغم أن هذه القصيدة قد تستحضر فراديس أرضية مختلفة عند ييتس مثل جزيرة أنزفري أو كوول باركس أو بيزنطة، حيث تتجول الروح المبدعة بحرية بعد أن تتخلص من قيود الجسد وتخلق وفق إرادتها ما تريد، لكن هناك دائماً اعتراف ضمني  من لدن الشاعر بأن " الروح تعتمد على تجربة الجسد المصاحب لها لتغذية نشاطها" ( جاريت، 1986، 201)

تدور قصيدة " الإبحار الى بيزنطة" حول موضوعة إدراك عالم مثالي لا يمكن إدراكه وهذا العالم هو عالم بيزنطة المتخيلة.بالإضافة الى ذلك، تقع هذه القصيدة ضمن ما يعرف بالتقليد " الفردوسي" إذا صح القول، الذي يخلق جنة ذهنية يتوحد فيها المبدع مع نخبة من جمهوره. ويستند الشاعر الى مقارنة بين وطنه الغارق في العنف والغرائز وبين بيزنطة، المدينة المقدسة المثالية التي يزدهر فيها العقل المبدع بعيداً عن قيود وسجن الجسد وعالم الفناء:

ذلك البلد ليس للمسنين. يحتضن الشباب والشابات بعضهم الاخر

والطيور على الأشجار، تلك الأجيال المحتضرة- وهي تغني،

شلالات سمك السلمون، البحار المزدحمة بسمك المكريل

سمك، لحم أو طير، يهيمن طيلة فصل الصيف

كل ما يتكاثر، يولد ثم يموت

ولأنهم أسرى تلك الموسيقى الحسية 

تراهم جميعاً يهملون رموز العقل الذي لا يشيخ.

في هذا المقطع والمقطع الذي يليه، يقدم ييتس أسباب رفضه " لذلك البلد" الذي استسلم كلياً للمتع الجسدية والحسية. فالشاعر الذي صار شيخاً لا مكان له وسط هذه الحياة المليئة بالمتع الحسية الفانية. وتنقل الينا هشاشة ذلك البلد من خلال صورة " السمك" الذي يرمز الى الحيوية والتوالد السريع رغم أنه سرعان ما يسقط ويموت. وذات الشيء ينطبق على الشباب الذين يراهم نشطون على مستوى الجسد، يحضن بعضهم بعضا، لكنهم عاجزون وسلبيون روحياً " أسرى تلك الموسيقى الحسية".

فالعالم الذي يدير الشاعر له ظهره هو عالم الحب والحيوية الجنسية التي توحي بها صورة " أسراب السمك والطير" وهي صورة مستوحاة من تلميح أنجيلي ، قبل أن يحل الموت في هذا العالم قال الله لهما ( ادم وحواء) " كونا مثمرين وتكاثرا، ولتكن لكما الغلبة على سمك البحر وطير السماء" ( سفر التكوين، 1، 28)

لكن الشاعر رغم ذلك يرفض أن يقع أسير الحلقة المفرغة ، حلقة " كل ما يتكاثر، يولد ثم يموت"، تلك هي حلقة الميلاد والتناسل والموت. ويرفض كذلك أن يكون "اسير تلك الوسيقى الحسية" طالما أن الرغبة تعمي الرؤيا الفنية وتضعف الدافع الى توصيلها الى الأخرين. ومع ذلك، تبقى " رغبة كهذه عنصرا لا غنى عنه  في ابتكار النصب الفنية" ( جاريت، 208)

يقف الشاعر العجوز وهو ينظر الى نفسه بعين المفارقة الصادقة، عارياً مكشوفاً وكأنه ليس أكثر من مجرد " فزاعة" واصفاّ نفسه في المقطع الثاني من القصيدة " معطفاً رثاً معلقاً على عصا" ما لم يسع الى إعادة إحياء روحه وعقله المبدع  في الوقت الذي يتحلل فيه جسده والعالم :

أن تصفق الروح وتغني وتصدح بالغناء،

لكل خرقة في ثوبها الفاني

وتصعد أغنية الروح منتصرة عبر الحقول معززة قوتها مع بروز كل مظهر جديد من مظاهر الانحلال الجسدي. وهكذا يعّبر ييتس عن اعتقاده بأن الشاعر الآيل الى الموت قد اكتشف مصدراً خفياً من مصادر التهوين على النفس والعزاء لها:

ليس هناك مدرسة غناء بل

نصب فنية تحمل مغزاها 

ولذلك جبت البحار ووصلت 

الى مدينة بيزنطة المقدسة.

وبتأمل الميراث الابداعي للفنانين الأخرين، ستكتشف الروح منبع فنائها. ومن هنا، تتأتى رغبة الشاعر في هجر عالم متفكك والتوجه الى فردوس العقل. ويمثل الأبحار هنا قطيعة مع ماضيه وتبني توجه " مقدس" جديد. وفي المقطع الثالث يخاطب ييتس " الحكماء" المرسومة صورهم على موزائيك الكنيسة متضرعاً اليهم أن يكونوا أولياء روحه:

وكونوا الأساتذة- المنشدين لروحي

خلصوني من قلبي، 

هذا القلب المريض       بالرغبات

المشدود الى حيوان محتضر

يتضرع ييتس الى هؤلاء الحكماء أن يحرقوا قلبه طالما ان القلب هو الطروحة المضادة للروح وطالما أنه مكمن الرغبات الدنيوية والعواطف البشرية. لذلك، يرى في تدمير الجسد شرطاً مسبقاً للوصول الى المتعة الروحية التي تنجزها الروح وبالتالي فان " الدعوة الى موت الجسد إنما هي دعوة الى ولادة الروح من جديد" ( المصدر السابق، 210).

وها هي الروح حرة في التصرف بفعل هجر العالم المادي الناقص والدخول في كينونة كاملة خالدة لامتناهية. وعليه، يرفض الشاعر العالم المادي –الطبيعي في المقطع الرابع حالماً بأن يحوّل الى طائر ذهبي يوضع فوق " غصن ذهبي"  يصنعه " صاغة إغريق" وبذلك يتحرر من القيود الدنيوية بعد أن يصبح عملاً فنياً خالداً:

ما أن أكون خارج الطبيعة، فلن أتخذ صورتي الجسدية 

من أي شيء طبيعي

بل سأكون شكلاً مثل ذاك الذي يصنعه صاغة إغريق

من ذهب مطروق...

طائر يسّهد إمبراطوراً ناعساً

أو أوضع على غصن ذهبي لأغني

للوردات وسيدات بيزنطة

عما مضى، ويمضي، وما هو ات

في هذا الفردوس " الذهني" يبدو أن " انا" القصيدة " تنوي الأبحار الى موقع منح صفة المثالية " ( مكديارميد، 1984، 80) والقدسية حيث تستطيع التخلص من قوقعة الجسد العاجز واطلاق العنان لإبداع "ذهن لا يمكن أن يشيخ" متحولا الى طائر أبدي يغرد لأولئك الذين يسكنون أبدية " ما مضى، ويمضي أو ما هو ات". 

روبرت جريفز وحديقته الخفيه

يعد روبرت جريفز (1895-1985) واحداً من الشعراء المحدثين المكثرين والمهتمين بعمق " بالأسطورة والرمز ودراسة الأساطير والحكايات الفولكلورية والدين وذلك لما تسهم به في فهم طبيعة التفكير البشري" ( وين، 1963، 188).

يشترك جريفز مع شعراء إنجليز اخرين خاصة شعراء القرن السابع عشر في تناول موضوعة الحب كتجربة تسهم في تنقية الروح وتهيأة الخيال لرؤية "عدن" جديدة. ففي قصيدة " الحديقة الخفية" (1965) لا يعني انشغال جريفز بالالهة البيضاء أنه أهمل الموضوع الشعري الأزلي " استعادة الفردوس المفقود" الذي يشكل الى جانب الحب موضوعة مليئة بالأفكار والأيحاءات كما يدلل على ذلك في قصيدة " الحب المفقود" وقصائد أخرى. يكتب جريفز عن الحب باعتباره اتحاداً ومعجزة كما فعل جون دون ( 1572-1631) من قبل في قصيدته العظيمة " وداع: ممنوع البكاء"  وتوماس كامبيون (1567-1620) في قصيدته الغنائية الرقيقة " هناك حديقة في وجهها" حيث يستخدم المجاز الذهني لوصف السيدة/ الفردوس:

هناك حديقة في وجهها

حيث تنمو زهور الروز والليلك الأبيض

فردوس سماوي هو ذلك المكان 

تتدفق منه كل الثمار اللذيذة

هناك ينمو الكرز الذي لا يستطيع أحد أن يشتريه

الى أن تصرخ هي بنفسها 

" لقد أينع الكرز"

 مع فارق أن جريفز كان قد "استوعب الرومانسية واستطاع أن يستعيد لمسات الفروسية والأسطورة التي كانت غريبة على جون دون " ( جرينوود، 1969،22) وفي قصيدته المهداة الى الالهة البيضاء (1949) يقدم جريفز صورة امرأة فردوسية تعيد الى الذاكرة امرأة كامبيون وسادة وسيدات ييتس في " بيزنطة":

 

يلعنها كل القديسين

وكل الرجال المتزنين

الذين تحكمهم سلطة أبولو الذهبية

,ازدراءً لكل هذا، أبحرت بحثاً عنها

في بلدان نائية ، هي الأكثر احتمالاً بأن تؤيها

امرأة رغبت بها أكثر من أي شيء رغبت في معرفته

شقيقة السراب والصدى

إذن فهي " سراب وصدى"، الأمر الذي يعيدنا الى موضوعة البحث عن حب مثالي فالشاعر يبحث عنها " عند فوهة البركان/ بين ركام الثلوج/ وراء كهف النيام السبع حيث أختفى الأثر" وهنا يأخذ الشاعر الأحساس بمعنى الحب المثالي من كهف جون دون في قصيدته " الصباح الجميل" فالمرأة هنا هي " النسغ الأخضر" الذي يجدد الشباب والحياة. وقد ظل الحب الشغل الشاغل في تجربة جريفز وهو الموضوع الذي يقوده الى فردوس. تعتمد قصيدة " الحديقة الخفية" على فكرة مفادها أن العشاق استعادوا فردوسهم المفقود بنعمة الحب التي تميزهم عن العشاق المتوقعين الواقفين خارج أسوار الحديقة. وليس باستطاعة العشاق الموجودين في الحديقة أن يهبوا الحب للآخرين رغم أنهم يريدون ذلك فعلاً ، إذ إنه ليس ملكاً لهم كي يهبوه:

ولا يستطيع الطموح أن يجعل من هذه الحديقة ملكاً لهم

مثلما لا تستطيع الطيور الطيران من خلال أطار شبّاك

وعندما يؤشرون لنا بأن نعطيهم كلمات المرور والمفاتيح والسلالم السرية

غالبا ما تنتابنا الرغبة لفتح البوابة الأمامية

التي ليس عليها قفل، ونجرّهم الى الداخل 

وقد انتبابنا الخجل من تركهم ينتظرون.

هذه النعمة ذاتها جعلت منهم عشاقا نموذجيين يستوي عندهم كل مكان ويعيشون خارج الزمن وكأنهم في فردوس، أنه عالم الأسطورة اللازمني مقابل عالم العشاق " المزيف" خارج أسوار الحديقة. لذلك، فإن حديقة جريفز هي فردوس ذهني اخر حيث يمكن للعاشق أن يزدهر دون أن يتهدده مرور الزمن أو التحلل البدني أو حتى فناء الجسد.إنها فردوسه الداخلي الذي ينقذه من عيون العشاق الحاسدين المتلصصة أو من حب " العشاق الدنيويين" الذين أتى جون دون على ذكرهم في قصيدته " وداع: ممنوع البكاء" الذين لا يتحمل عشقهم فراقاً أو غياباً.

في هذه القصيدة كما في قصائد أخرى، يبدو أن هدف جريفز كان " مزيجاً من امرأة شابة يعشقها رجل عجوز، الالهة الكامنة أو ربة الشعر التي أعلن لها الولاء لزمن طويل" ( ثوايت، 1985، 4) وهكذا تزدحم حديقة جريفز بنساء أسطوريات أو إلهات يبقين نساءه هو وحده. 

 أما تيد هيوز (1930-1998) فقد حاول أن يخلق من انهيار كل الأشكال والقيم التقليدية رؤية جديدة ويحاول أن " يستحضر الواقع الداخلي للطاقات البدائية والغرائزية التي يشعر أنها شوهت وأخفيت في ذواتنا العقلانية والاجتماعية " ( والدر، 1987، 78) ويرى هيوز أننا نعيش في حالة اغتراب عن ذواتنا الحقيقية ولذلك تأخذ العودة الى جنة عدن شكلاً مختلفاً في عصر الطاقة النووية والحاسبات الألية. 

في قصيدة  " لعبة صبيانية"  ( 1970)، يعالج هيوز جانباً أساسياً من المأزق الأنساني الذي يتعلق بالخليقة والسقوط. فالقصيدة تعيد تفسير قصة الخليقة كما وردت في الكتاب المقدس، 2-3، ولكن، بدلاً من الأفعى ، يستخدم الشاعر، الغراب، رمز الحيوية  والغرائزية السيء الصيت لدى معظم البشر. ويرمز الغراب، من بين أشياء اخرى، الى الجنون والتحرر الشيطاني والخديعة والوضاعة أحياناً. ويسعى الشاعر من وراء ذلك الى السخرية من إدعاءات الأنسان بالروحانية في الأصل والمغزى وينطلق الشاعر من فكرة مفادها أن القوة الحركية الكامنة وراء الحب هي رغبة كيانين منفصلين في استعادة وحدة بدائية مفقودة ، جنة عدن التوحد الروحي أو عالم أفلاطوني يهمل الجانب الحسي. لكن يبدو أن هذه الادعاءات تصبح مثار سخرية نتيجة لخضوع الأنسان لمطالب جسده:

استيقظ الرجل ليجد نفسه يسحل فوق العشب

استيقظت المرأة لترى الرجل قادماً.

تقدم القصيدة صورة عن الخالق وخلقه، ادم وحواء اللذين يبدوان خاملين نسبياً عندما نقارنهما بالحيوية المفرطة التي يبديها الغراب اللعوب. يرقد الرجل والمرأة خدرين وسط زهور " عدن"، دون روح يحدقان في الفراغ. لقد كانت المشكلة من التعقيد بحيث 

ضحك الغراب 

قطع الدودة، مخلوقة الله الوحيدة، 

الى نصفين متلويين

 ويترك الأمر للغراب ليملأ الرجل والمرأة بالروح  وليجلب " الحياة والحيوية" ناهيك عن المرح الى الحديقة وليتوج نفسه "غراباً"  على منجزاته.( جاريت، 1986،228) . يختطف الغراب الدودة ويقطعها الى نصفين. هنا يتدخل الشاعر ويعيد تفسير القصة : اسطورة الأفعى التي أغوت حواء والتي ترتبط حسب التقليد الشائع بالشيطان لكن هيوز يطلق على ذلك المخلوق الزاحف " مخلوق الله الوحيد"، وبذلك ندخل في عمليةإعادة  تقييم جذرية للقصة الأنجيلية. فمنظور الغراب أو حتى منظور هيوز لخلق الأنسان يعيدنا الى نقطة الانطلاق الواردة في كل من الكتاب المقدس والفكرة المتوارثة عن طبيعة الأنسان المزدوجة أو الأنقسامية كجسد وروح ونلاحظ أن التأكيد هنا يكون على الجانب الجسدي وأن "الدودة" " أكثر إنتماءً الى الأرض من الأفعى طالما أنها لا تزحف على الأرض حسب بل في داخلها كذلك" ( المصدر السابق) الأمر الذي يوحي أن لا شيء نقي أو روحي في طبيعة الانسان رغم أنه يحاول أن يخدع نفسه خلاف ذلك.

فالغراب الذي يمثل الشيطان أو إبليس في الأعراف العبرانية أو الأسلامية لا يكشف عن النظرة المسيحية للانسان باعتباره خليطاً من الملاك والحيوان حسب بل يكشف عن الأفكار الأفلاطونية ما قبل المسيحية التي ترى أن كل رجل أو امرأة كان نصفاً منفصلاً عن كيان متكامل وإن البحث ( الذي يفشل عادة) عن الشريك المثالي كان بحثاً عن النصف الأصلي الاخر لكيانه/لكيانها، مما أدى الى بروز فكرة الحب الأفلاطوني الذي يحتفي بالجوانب اللاحسية في علاقة الرجل بالمرأة. ويظهر هيوز في هذه القصيدة أن بحث الأنسان عن نصفه الأخر على أنه حافز أو دافع للدودة المقسمة كي تتوحد مع نصفها الثاني و"لاستعادة وحدة بدائية مفقودة" كما يقول الناقد جرينوود (ص 189) وهذا هو جوهر الأسطورة:

حشر في الرجل النصف الذي يحتوي على الذيل

وقد تدلت نهايته المجروحة

وحشر في المراة النصف الذي يحتوي على الرأس أولاً

وراح هذا النصف يزحف عميقاً حتى صعد

ليطل  من عينيها

منادياً على نصفه  الذيلي- أن عجّل عجّل بالالتحاق

لأن الحال كان ، أه، مولماً .  

إن تكرار الفعل " حشر" هنا يسترعي الانتباه الى الفعل الجنسي الذي تدان به البشرية على الدوام بفعل مكر الغراب. وعلى خلفية هذه القراءة يعزى سلوك الانسان الى السعي الى إشباع الغريزة الجنسية. فالغراب أو هيوز نفسه فرويدي في تفسيره لاسطورة الحديقة  والسقوط. فالأنسان مهووس ومدفوع برغبة يجهل جذورها ويسيء تفسيرها على أنها حافز أو باعث على وحدة روحية مع مخلوق الله ( لم يعرف أي منهما ماذا جرى)  وفي النهاية 

واصل الغراب الضحك   

خاتمة

تتعامل القصائد الثلاث إذن مع ذات الموضوع تقريبا من منظورات مختلفة. فجنة عدن ييتس هي "بيزنطة"، فردوس العقل حيث يستمتع الشاعر بالتوحد الأبدي مع جمهوره الأرستقراطي، مكان يتوقف فيه الصراع بين الجسد والروح ليحل محله عمل فني خالد يرمى " الى الأبدية".

أما حديقة جريفز فهي جنته التي يستمع هو وحبيبته فيها بالصفاء الذهني التام وهذه الحديقة هي رؤيا حديثة للفردوس المفقود حيث لا يكون الحب ثمرة محرّمة.

من ناحية أخرى، نجد أن فردوس هيوز هو فردوس البشرية. فهو يقدم إعادة تفسير وتقييم شامل لقصة السقوط المتوارثة مشدداً على محاولات الانسان استبدال رغبته الغريزية برؤيا إفلاطونية للحب من أجل استعادة القوة الروحية. لكن غراب هيوز موجود دائماً لاحباط هذه المحاولة. ويسعى هيوز الى " المساعدة على إصلاح توازن القوى في العالم التي أخّل بها ذلك الخطأ البشري أو الشيطاني" كما يقول رادلر ( ص79) ولذلك نحتاج الى العودة الى الطبيعة إذا ما أردنا حقاً العثور على ذواتنا.

* أستاذ مساعد سابق/ كلية اللغات/ جامعة بغداد  .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

قاسم حسون الدراجي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
ساطع راجي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
عبدالامير المجر ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي أنا على يقين بأن انتهاء مرحلة داعش لا تعني ان الساسة سيلتفتون الى تصحيح الأخطاء ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، على العكس من ذلك ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ساطع راجي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر