مسرحية مانيكانات .. غياب البديل بين الضحية والجلاد

عدد القراءات : 406
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مسرحية مانيكانات ..  غياب البديل بين الضحية والجلاد

عبد السادة جبار 

 

لجأ الانتاج المسرحي العراقي بعد ٢٠٠٣ الى نوع من الأعمال المسرحية اتسمت ببعض السمات التي أضعفت الابداع ووسعت الهوة بينها وبين الجمهور وكادت ان تتحول الى عروض محدودة بحجة التجريب أو الحداثة أو ما شابه من تلك الذرائع التي كشفت عن سطحية الرؤيا ومحاولة إثبات الوجود وسط حصار قاس سببته الإخفاقات السياسية والفشل الذريع في اللحاق بركب التطور الاقتصادي والاجتماعي ..ولهذا لجأ المشتغلون في هذا الفن الكبير الى أساليب متواضعة بسبب الأزمة الاقتصادية لإثبات حضورهم وعلى الخصوص بعد عام ٢٠١٤ ومن تلك السمات هو تقليص عدد الشخصيات في النص المسرحي وفي الغالب لا يتجاوز  الثلاث شخصيات أو الاربع لتحقيق أقل كلفة إنتاجية واختزال لزمن العرض..وليتمكن العرض المسرحي من المشاركة في ايفادات عربية أو محلية .. السمة الثانية هو غياب عمق الشخصية المسرحية ..اذ تبدو الشخصية مجرد رمز مسطح أو نموذج عام اما للشر او الخير دون ملامح أو جذر او تفاصيل مميزة... تقدم مجموعة افكار مكررة معروفة ..مما يدل اما على ضعف الرصد او تنجنبا  لكشف الاسباب الحقيقية للمشكلة خوفا من الاتهامات  أو الحصار المحتمل .. السمة  الثالثة ...الاعتماد  على فن السينوغرافيا  بتواضع واضح والوقوع في شرك الاشتغال عليها لتساعد في دعم التفسير من خلال سيميائية ايحاءاتها وجمالياتها المفتعلة احيانا للتعويض  عن ضعف التوصيل عبر الصراع المسرحي  بسبب سطحية الشخصيات ..الامر الاخر  هو اعتماد البانتومايم في أعمال كثيرة بحجة التوصيل عن طريق الجسد، وهو خلط بين فن مستقل وفن المسرح اضافة إلى جوانب أخرى...مثل اضافة العروض. الفديوية..او صور الداتا شو ..والبعض استخدم مقاطع افلام سينمائية وليس وثائق تسجيلية ..تناولت  طروحات  تلك العروض   إدانة ..الطائفية ..التطرف..الإرهاب ..الفساد ..اضطهاد المرأة..الفقر .وكلها تدور في فلك ثنائي .. الجلاد والضحية  ..دون طرح بديل أو البحث عن الجذور ..او الاشتغال على أفكار اشكالوية تترك جدلا مميزا ..حيث يخرج الجمهور من العرض وهم أغلبية من طلاب المسرح او المثقفين او اصدقاء واقارب المشتركين في العرض المسرحي .البعض يمتدح العرض والآخر يشير إلى  سلبياته ..دون جدال فكري .. كما كنا ننتظر من العرض المسرحي..وعند مقارنة تلك العروض ببعض تجارب طلاب  أكاديمية أو معهد الفنون  تجدها افضل من  الانتاج الرسمي.

" مانيكانات ام ضحايا " 

العرض المسرحي الذي قدم على مسرح الرافدين بعنوان ( مانيكانات) وهو من تأليف صباح الانباري وإخراج فاروق صبري وتمثيل ميلاد سري و طه المشهداني ..وقع بذات الشرك ..دائرة السينما والمسرح لا تستطيع أن تمول عملا بانتاجية عالية فكان هذا العرض مناسبا ..شخصيتان فقط ..والغريب في الأمر أن الشخصيتين لا تتحاوران ولا تتصارعان وليس هناك عقدة محددة بينهما بالرغم من كونهما رجلا وامرأة اذ كان العرض كمونودراما متعاقبة للشخصيتين  ...نصف العرض عبارة عن مونودراما يؤديها الممثل ( طه المشهداني ) والنصف الاخر مونودراما ايضا تؤديها الممثلة ( ميلاد السري ) والشيء المشترك بينهما هو المكان والمانيكانات التي تملأ فضاء خشبة المسرح ..وبالرغم من هذا الاسلوب الجديد المونودراما  الا اننا لم ندرك مبرراته الفكرية  الا اذا  كان  القصد منه التجديد فقط  وكسر القواعد  ...نفهم   من خلال النصف الأول من العرض وعلى لسان البطل أنه جلاد ومغتصب لكنه يوحي لنا بأنه أصبح هكذا بسبب رغبة الآخرين لهذا والمتجسدة بالمرأة المانيكان ..ويجسد هذا من خلال منالوجات طويلة يتحرك من خلالها في فضاء  المسرح دون تبرير واضح حاملا معه آلة الكونترباص.. الموسيقية ..ثم يختفي لتنهض من خلال تراكم المانيكانات المرأة الضحية لتمارس دورها ايضا عبر منالوجات متنوعة للتعبير عن كونها ضحية وأنها انجبت طفلا سفاحا من الجلاد لتنتهي بنتيجة ان الجلاد وجد الجميع عبارة عن مانيكانات لم تتحرك  لتوقف  الجريمة  وأن المرأة هي التي كشفت الحقيقة ..وينتهي العرض بعودة المرأة المانيكان الى الصمت في المشهد الاخير بتوقف الحركة .

 يقول المخرج فاروق صبري "  إن قصة المسرحية تدور حول الخير المتمثل بالضحية «سري» والشر المتجسد بالجلاد «المشهداني» وهو صراع سرمدي، فكلاهما له مبرراته، ويظل تقييم الحق من الباطل، عالقاً في أسئلة يجيب عليها المتلقي وليست المسرحية، في محاولة لخلق بنية جمالية وفكرية، يتماهى فيها الجمهور مع ملاك العرض». لم نشهد في العرض جدلا يحمل اقناعا للرأيين كما قلت فقط منالوجات الطرفين دون جدل ولم يطرح العرض أفكارا اشكالوية يمكن أن يتبناها الجمهور ..بل كان واضحا انحياز العرض لرأي المرأة وتقرر وحسم  من تلك التسمية الواضحة ( الجلاد والضحية) فهل بالامكان ان يترك جدلا لدى المتفرج بين تناقضين صارخين؟ .

في الواقع كان الاهتمام في العرض منصبا على الشكل الجمالي من خلال الإضاءة السينوغرافيا، وكان للأداء  المتميز للفنانة ميلاد سري والتلوين في الصوت واداء الرقصة دور مهم في اضفاء متعة على العرض.

لكن العرض وقع في تفسير خاطئ بين ان يكون الناس في عهد الطغاة ضحايا ...او مستسلمين بارادتهم ..متجاهلا الاحتجاجات والرفض الإيجابي .

كان للسينوغرافيا دور مميز في منح العرض جمالية مميزة مكنت الممثلين من كسر المانيكانات المصنوعة بشكل جيد لتعوض من خلال تحريكها ومنحها صفات شخصية لتقترب اكثر من الواقع  ...كانت أمام العرض فرص كثيرة لاستثمارها ليكون العرض افضل مما ظهر فيه خصوصا وأن خشبة العرض كانت ملائمة جدا لتركيز الرؤى وتكثيفها أمام جمهور حضر بعدد جيد ليشاهد العرض.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين وسام ... تفاصيل أكثر
حسن العاني     إن مرحلة ما بعد الاحتلال، شهدت بدورها ظواهر انفردت بها، تقف على رأسها ظاهرة (الكثرة) غير المسبوقة في تاريخ العراق، فقد بات لدينا من ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي من المخجل جداً ان يلجأ من يزعم بأنه مثقف الى عملية التسقيط ضد أشخاص آخرين بأسماء مستعارة، ومن العار على من يدعي الرجولة والشرف ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
اسعد كاظم شبيب ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
    لم تخل مرحلة تاريخية من القصص الغريبة والعجيبة التي تثار هنا وهناك بين الحين والحين، ومنها والأكثر دهشة هي محاولات النصب والاحتيال في الحياة ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د . أحمد الزبيدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر