جيل الشعر الثر ... وأفيون الشعر السبعيني الشاعر محمد الغريب ...والرحيل المر

عدد القراءات : 1539
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جيل الشعر الثر ... وأفيون الشعر السبعيني الشاعر محمد الغريب ...والرحيل المر

أي خارطة أرادها الشاعر محمد الغريب، وهو يعاتب وطنه قبل أن يحين أوان الرحيل الطويل؟,وأي عتاب ذاك الذي بكاه الغريب ،وهو ينظر لوطنه الذي يستباح ويجرح في كل لحظة خارج حدود المقدرة المقررة ؟,وأي قلب مكابر كان يحمله الغريب ،وهو يقف شامخا ليدين ويستنكر في حضرة الوطن بكل رقة وعفوية ظلم الوطن للوطن؟ . هذا الشاعر الذي امتطى صهوة الشعر بجدارة,وصال وجال شعرا..,يحمل من الهم الإنساني والرقي في الهم والألم والحزن والمفردة الشيء الكثير,قلم يعي جيدا دوره وهدفه في المجتمع,""كل بيت شعري كان بالنسبة لي ولادة قيصرية"" هذا تحديدا ما قاله لي اخر مرة التقينا معا في مهرجان المصالحة الوطنية في مدينة الحلة الفيحاء,الولادة القيصرية تلك ليست تعسره شعرا,بل لدقته في كتابة إبداعه,وصدقه فيما يكتب .

ومن يريد أن يستعرض مساحة الشعر الشعبي العراقي عموما,فعليه الوقوف عند محطة شعرية هامة جدا,ألا وهي التجربة الشعرية الكبيرة لشاعرنا الغريب,الذي امتازت تجربته الشعرية بمميزات كبيرة في معناها ودلالاتها ,فهو الشاعر الذي يكتب بإنسانية عالية,وبرقة مذهلة,وبحزن شفيف رائع,وبلغة سلسلة موسيقية أخاذة,وبمفردات وقرة وغير مبتذلة,وبخطاب شعري في غاية الدقة والعدل والانصاف لقضايانا اليومية الإنسانية والوطنية ,ولعل ما يميزه أكثر من بين هذه المميزات هو إحساسة العالي وصدقه بما يجود الهامه وقلمه من إبداع,فشعره ليس شعرا (حدثيا أو مناسباتيا ) ينتهي ويتلاشى بمرور الوقت والزمن,وليس شعارات وخطابات لا يشعر بها ويكتبها للتنظير فقط,ولم يكن شعره رغبات ونزوات,بل كان شعرا إنسانيا خالدا يتجدد كل يوم وكل لحظة,وكل كلمة كانت بالنسبة له عبارة عن نزف داخلي تورم فانفجر للعيان بكل صدق وايمان مطلق,وكل بيت كان ضرورة ملحة تثور في الهامه الشعري فتنتفض على الورق كقصيدة ارادة وعقل ومنطق .

ومن يجري تقييما أو تفكيكا نقديا لقصائده المتناثرة هنا وهناك,سيكتشف جمالية وريادة هذا الشاعر الشاب الذي يفتخر دوما وأبدا بأنه من جيل المحنة والنكبات والانكسارات والانهزام الذي طبعه نظام  الدكتاتور صدام حسين على جباههم كتختم جيل,وفي الوقت ذاته يفتخر بأنه من جيل ينتمي لريادة الشعر لا ريادة العمر وتراكم اللغط الشعري .

الشاعر محمد الغريب أبدع في كل ما كتب من شعر سواء كانت قصيدة  أو ابوذية أو موالا أو دارميا أو نصا غنائيا,لم تحمل قصائده أطنانا من الإسفاف والابتذال والاستهلاكية بالمفردة والصورة الشعرية,ولم يلامس بشعره أحاسيس الشارع المبتذل خطابا ولغة,بل داعب أحاسيس الشارع المتحضر الساعي نحو التطور والرقي,ولم يكن شعره (أفيون الشعوب) بل كان واقعيا ومنطقيا وعقلانيا وواعيا لكل ما يكتب,شابت شعره المكابرة والكبرياء وقوة الإرادة,رغم غرقه في الهم والحزن والألم ,كتب حزنه على جدار العنفوان,لم يكن سوداويا بطرحه الشعري، كان يعاتب فقط,تاركا وسط ذلك العتاب الشفيف ثمة بارقة أمل لا تجدها في شعره بل تشعر بها من خلال روحية القصيدة وإحساس الشاعر التي تجتاح القصيدة عموما,لم يكن فارسا في حضرة (التنكيت) الشعري المبتذل,ولم يكن حاضرا في ميدان الصراخ (المنصاتي), بل كان وقورا متحضرا في كل شيء /خلاقا /وأخلاقا /وحبا /وإحساسا /وإنسانا/ وهو القادم من مدن الحزن الطويل التي تسمى حضريا (المعدان ) .

محمد الغريب، واحد من بين شعراء كثر ظلموا ومازالوا يظلمون نقديا وشعريا وإعلاميا,وذلك لان شعراء الحداثة ومن تأثر بهم  وجاء من بعدهم لم يروا شعراء غيرهم,والحداثة المقصود بها  هنا (النوابيون أي جيل الشاعر الكبير مظفر النواب في السبعينيات )وإن من جاء ما بعد هذه الثورة الحداثوية,سحق وأهمل وأقصي /نقدا /وشعرا/واعلاما/ وانتشارا /,حتى حرمت وأهملت أجيال طويلة من الشعراء الذين أبدعوا في كتابة القصيدة والشعر بشتى صنوفه,وهذه هي بالذات محنة الشعر الشعبي العراقي تحديدا الذي لا يرى غير النواب وفرسان القصيدة السبعينية  شعراء,وكل ما عداهم يعني (إسقاط فرض),الأمر الذي خلق برجوازية طبقية في الشعر الشعبي العراقي,وقتل أجيالا مبدعة في شعرها,ولو هيء لها ما هيء لجيل (النوابيين) لكانوا الآن أقطابا شعرية كبيرة في العراق والمنطقة برمتها,ونحن لا نريد اطلاقا حذف تلك الأجيال المبدعة شعرا وإحساسا وقضية (اقصد النوابية ),الا أننا في الوقت ذاته نؤشر لثمة خلل ابداعي في ساحة الشعر الشعبي العراقي,وان الشعر لم يقف عند الجواهري او عند بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر او السرد عند فؤاد التكرلي,بل  تطور الأدب العراقي وتعداهم جميعا لأنه في حالة نمو دائم يحتم عليه الاعتراف بالأجيال التي تولد كل يوم ,وهذا ما لم يحصل بالتأكيد في الشعر الشعبي العراقي الذي بقي منغلقا ومنكفئا ومنطويا على أسماء معدودة ولم يعترف بالاجيال اللاحقة التي كان لها الأثر في إبقاء الشعر الشعبي كثقافة شعبية متداولة إلى وقتنا هذا .

الشاعر الراحل محمد الغريب واحد من تلك الأجيال التي أقصيت وظلمت تجربتهم الشعرية بسلطة الانعزال السبعيني وعدم خروج النقاد والمهتمين بالشعر الشعبي من خانة التأثر السلبي بجيل ما,نحو تغطية إبداع كافة الأجيال ليأخذوا حقهم كمبدعين في الساحة الشعرية,لاسيما وان الأجيال التي تلت الجيل (النوابي) حفلت بأسماء شعرية كبيرة جدا في شعرها وإبداعها  وعطائها .

ومن بين تلك الأجيال الجيل الذي ينتمي له الشاعر  الراحل محمد الغريب,فإن كان الانتعاش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي كان دافعا لإبداع (النوابيين ),فان البؤس والحروب والدمار والخراب والقتل المجاني والمقاصل وساحات الإعدامات العسكرية وسجون النظام السابق الدموية والحصار هو من كان وراء إبداع جيل الحزن والخسارات الذي تلا الجيل (النوابي) كما يقول(الفريد دي موسييه)((لا شيء يجعلنا عظماء غير الم عظيم )) .

وهانحن اليوم نقف لنودع بقلوب ملؤها الحزن واللوعة والنكبة,فارسا من فرسان الإبداع الشعري,وصوتا إبداعيا متفردا بشعره في كل شيء,وقلما ما هدأ ولا استكان,بل بقي يصول ويجول في ميادين الشعر ومحراب الكلمة الصادقة,التي رحل وتركها نبراسا يضيء دروب فرسان الشعر,الذين ينتمون للشعر بالخطاب والقضية .

نقف لنودع فارسا ظلمناه جميعا,سواء كنا مهتمين أو شعراء أو نقادا,مثلما ظلمنا من قبله راحلين كثر,ظلمناهم من خلال عدم تسليط الضوء على تجربتهم الشعرية في حياتهم,ليقطفوا ثمار إبداعهم وهم يتنفسون إبداعا,ظلمناهم حينما غرقنا وغلب علينا السبات في ساحة المجد (النوابي)ولم نغادر تلك الساحة لاكتشاف الأصوات الشعرية التي تلتهم وتقديمهم كأنموذج جديد راق ومتطور في ساحة الشعر الشعبي العراقي وهم كثر في محافظاتنا العراقية,بدلا من تعاطي أفيون سلطة الشعر السبعيني وإلغاء كل ما عدا ه   ظلما   وبهتانا .

أقف اليوم لأودع أخا .وصديقا , وإنسانا حمل العراق ,كل العراق بين خافقيه ولم يفرط بهما,لا سياسيا,ولا دينيا,ولا شعريا .

 نقف اليوم لنبكيك دما وليس دمعا,أيها الطائر الذي اختار بمحض إرادته التغرب قبل الأوان,منذ أن اختار (الغريب ) لقبا يلازمه في حله وترحاله,ونقف لنحييك إنسانا عظيما ,وشاعرا كبيرا,قدمت للإنسانية شعرا شكسبيريا خالدا,وللشعر رقيا عراقيا   خالصا .

ستظل ذكراك في القلوب,كشاعر قضية,لم يرمِ بقلمه إلى الدرك الأسفل من الهاوية والابتذال والطائفية والبيع الرخيص للمشاعر والهواجس والإبداع بدوافع مالية او سياسية أو دينية,بل بقيت ذلك الشاعر الذي يكتب ما يؤمن به ولا يؤمن بما يملى عليه .

أقف اليوم لأبكيك وأحييك,مطالبا كل المحبين والجهات المعنية بالشعر الشعبي العراقي,بأن يسعوا  بجمع شتات قصائدك المتناثرة على طول خارطة العراق الكبير,بديوان شعري,لتنهل منه الأجيال شعرا,ينتمي للموقف ولا يدين للرغبات والنزوات بالولاء .

أقف اليوم لأصرخ بأعلى صوتي,علني أوقض الذين ناموا في كهف السلطة السبعينية,لادعوهم لقراءة أنفسهم بأنفسهم,علهم يعيدون للأجيال التي تلت جيل الحداثة هيبتها,ويمنحونهم حقهم المغتصب في الإبداع الشعري.

كي نحافظ على ما تبقى من شعراء الموقف والقضية,ودفع الأصوات الشعرية الشابة,واستكشاف الأصوات الشعرية الجيدة في المحافظات,لان الأجيال الشابة اليوم لها الحق على الجميع,وعلى الجميع تقع مسؤولية منحهم حقهم الشعري من اجل تطور الشعر الشعبي العراقي,والمضي به إلى الأمام,بدلا من اقتفاء اثر (أصحاب الكهف) كما منح ذلك الحق من قبلهم (للنوابيين) فأخذوا حقهم وحق غيرهم من الأجيال التي تلتهم لاحقا إعلاميا ونقديا وانتشارا .

وأنت أيها الطائر الغريب يا من تغربت ورحلت جسدا يئن من المرض والإهمال فكان رحيلك قبل الأوان , نم قرير العين,فأنت في القلوب تتربع على عرش الحب,وفي العقول على عرش القضية والمنطق والموقف,وفي الشعر على عرش الريادة الشعرية بكل شيء,فان كان رحيلك مرا,فان عطاءك الشعري ثر .

وفي قلبي ستظل تتربع على عرش الخلود الأبدي,كأخ,وإنسان,وصديق,صادق في كل شيء,ومثال رائع للحب والوطنية للعراق والعراقيين اجمع,رحمك الله أيها الغريب,وأدخلك فسيح جناته,وألهمنا بفقدك الصبر والسلوان,وأعان الله الشعر الشعبي العراقي وهو يودع يوما بعد يوم فرسانه وبناة مجده,ففي نفس هذا الشهر أيار/مايو/تحديدا من العام الماضي فقدنا فرسان القلم والكلمة والإبداع,ولعل من رحل شعريا في ذات يوم رحيلك المر أيها الغريب في الأول من أيار من العام الماضي الشاعرة الكبيرة (نازك الملائكة)ليليها الشاعر(غني محسن)والشاعر (رحيم المالكي)وها أنت تودعنا اليوم في الشهر ذاته وكأن القدر يريد أن يخط للمبدعين موعدا خاصا للرحيل في كل عام وهو شهر الحزن والخسارات.. أيار /مايو/.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
مكرم محمد أحمد ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو. ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
الشاعر محمد بشار ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عبدالرضا الساعدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
غسان الوكيل ... تفاصيل أكثر
علي علي     دأب برلماننا منذ ولادته -كما هو معلوم- متلكئا في سن القوانين وإقرارها تحت سقف زمني معقول او نصف معقول، إذ يدخل مشروع ... تفاصيل أكثر
 مازلت اذكر اللحظات الاولى لوصول الراحل الدكتور احمد الجلبي الى مدينة الناصرية بعد سقوط النظام السابق مباشرة، ولقاءنا به للحظات تحدث خلالها عن ان عهداً ... تفاصيل أكثر
علي علي     في بلد يعوم على بحور من الخيرات، تدور الدوائر عليه، فيأتي أناس خرجوا من رحمه، ليتسابقوا على سلبه جهارا نهارا، فكأنهم يقطّعون ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبدالرضا الساعدي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
                                                                                  كاظم غيلان    الحياتي، متن رافق تجربة الحلفي الشعرية، ضاج بالمرارات والرثاء وتمزقات تدمي القلب حتى يتخيل لمن قرأها بأنه أمام شاعر- طفل- يقف على ضفة التأمل ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر