الباحث العراقي عبدالأمير الأعسم: الفكر العربي المعاصر أخفق في توليد مدارس فكرية مستقلة

عدد القراءات : 2397
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الباحث العراقي عبدالأمير الأعسم:  الفكر العربي المعاصر أخفق في توليد مدارس فكرية مستقلة

انتقد أستاذ تاريخ الفلسفة والمنطق العربي عبدالأمير الأعسم المناهج الجامعية الحالية في العراق ووصفها بأنها تقوم على أساس فوضى الأنظمة التي لا تتفاعل مع منطق التطور المستقبلي، معتبرا أن الاحتلال اختلس القدرات العقلية لواضعي المناهج القديمة، وسلخ المناهج الحالية من صلب التعليم الجامعي. وقال في حوار معه " إنه لا توجد كلمات يمكن أن تختزل الفوضى التي أحدثها الاحتلال الأميركي في العراق".

سلام الشماع 

 

ولفت الأعسم، وهو مؤرخ وفيلسوف عراقي أكمل دراسته الجامعية الأولية في جامعة بغداد وحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة كامبريدج في بريطانيا عام 1972 تحت إشراف المستشرق آرثر جون آربري، إلى أن الفكر العربي المعاصر مرّ بأنواع من المخاض العسير لتوليد مدارس فكرية مستقلة، لكنها لم تنجح لأسباب عديدة على رأسها تجزئة البلاد العربية وخضوعها للاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والأسباني. وشدّد على أن التجزئة السياسية أدت إلى انحطاط الفكر العربي إلى مستويات مختلفة تتشابك فيها علاقات البنية التكوينية حتى أصبحت لكل قطر عربي تربية وثقافة في تواصله مع الذات القومية، مشيرا إلى أن الآخر الغربي المستعمر خلق في مناخات المساحة القومية أجواء من الاختلاف والائتلاف حتى صار من العسير معرفة مستقبل الفكر العربي، والفكر القومي منه بوجه خاص، بعد سقوط فكرة الدولة القومية من برامج المفكرين والمثقفين بلا تردد عندما دخل المشرق العربي ووسطه ومغربه في صراعات لا حدود لها. واعتبر أن الفكر العربي الراهن لا يدل على أنه يسير إلى الاتفاق.

مصطلحات زائفة

رفض الأعسم، الذي كان قبل احتلال العراق في العام 2003 أحد مؤسسي بيت الحكمة ورئيس الدراسات الفلسفية، ما شاع من نظريات حول “نهاية التاريخ”، ووصف ذلك بأنه محض افتراء على البشرية التي تعرف أن التاريخ مستمر في الحركة لا ينقطع ولا يتوقف، لافتا إلى أن السكون التاريخي مرفوض عند الفلاسفة كلهم، وإلى أننا لا نلاحظ في التاريخ ظهور قوة امبراطورية عظمى أوقفت حركة التاريخ. ورفض أيضا مقولة “صراع الحضارات” واعتبرها مجرد كلام زائف لا معنى له غير تسويق الإعلام والدعاية لقوة عظمى تصاعد عندها الغرور إلى الدرجة التي توهم بوجود الصراع بين الحضارات.

وتطرق الأعسم إلى نزعات الاختلاف ليؤكد عدم إطلاق صفة العرضية على هذه الاختلافات، فهي تناقضات وانحرافات وخروج عن المألوف الطبيعي للأحداث، مشيرا إلى أننا وجدنا نزعات الاختلاف في الفكر العربي تقع في الأصول والفروع والجغرافيا والتقاليد والسلوك الاجتماعي والتكوين الذاتي والبنية الموضوعية.

وتوقف عند الاختلاف في الأصول مؤكدا أن هذا الاختلاف لم ينشأ من أصول واحدة قبل الإسلام، موضحا أن الأصل دائما يقال إنه كل ما هو منبع للفكر، أما الاختلاف في الفروع فترتب عن صياغة الفكر العربي في التطور والنمو منذ هجرات العرب من الجزيرة العربية إلى أصقاع الأرض التي كانت مسرحا للفكر والسياسة والديانة والحياة. ولفت إلى أنه ومن الناحية العقلية فإن الاختلاف يدفع إلى إيجاد الفرص للائتلاف والعكس صحيح أيضا، لذلك فإن ما نحتاجه الآن هو أن نعيد النظر في الخطاب العربي من بدايات عصر النهضة العربية الحديثة في القرن التاسع عشر إلى النهضة العربية المعاصرة في القرن  العشرين.

وأكد أن الاستقلال الفلسفي هو الذي يفتح باب الائتلاف ويسد عنا باب الاختلاف، مذكّرا بأن، ومنذ عشرين عاما، ناصيف نصار تحدث عن هذا ولم يستفد منه المفكرون العرب كما يجب حيث بقي هذا الفيلسوف مستشرفا للمستقبل أكثر من زملائه الذين وقعوا في شرك التمسك بالموروث أو الوافد على نحو مفضوح في قلب حقائق الأشياء إلى أضدادها، كما فعل حسن حنفي ومحمد عابد الجابري.

الفلسفة ليست متأخرة

رفض الأعسم، الذي شغل قبل احتلال العراق منصب عميد كلية الآداب في جامعة الكوفة، الرأي الذي يقول إن الفلسفة تأتي متأخرة ولهذا فإنها غير مفيدة، ورأى في هذا القول تعسفا، وقال “ليس من الصحيح أن توصف الفلسفة بأنها متأخرة، كما أنها لم تكن متقدمة على ظواهر الأشياء، بل إن ما يجب قوله هنا أن الفلسفة قادرة على النفاذ إلى بواطن الأمور منذ عرف الإنسان كيف يفكر، لأن الفكر هو زاد الفلسفة وهو الذي يجعلها فعالة في حياة الناس”.

والمحطات التي مر بها الأعسم كثيرة، حدد أبرزها باكتشافه أن الفلسفة ضرورة يحتاجها في كل زمان ومكان وعليها يقيم موازنة القيم الحقيقية والزائفة، ومن ضمن محطاته العملية دراسته في جامعة كامبردج، فهناك تعلم كيف يكون أكاديميا والمحطة الأخرى هي الجامعة، التي أرسى فيها العديد من الأفكار على نحو مبتكر، لكنه رأى أن من أهم محطاته بيت الحكمة الذي شارك في تأسيسه من الساعات الأولى، وأبدع فيه إلى حد الإتقان في صياغة المعرفة ونشر الكتب.

وقال “إن تجربتي في المؤسسات الجامعية أتاحت لي أن أراجع ما هو كائن الآن من أنشطة التعليم العالي بالمراحل السابقة، إذ أن راهنية التعليم العالي الحالي لا تتصف بالرصانة وليست فيها قوة إبداعية وخالية من معايير التقدم”.

وعلى الرغم من أن الدكتور عبدالأمير الأعسم ألف أكثر من 40 كتابا في الفلسفة العربية، إلا أن الكتاب المرجعي الأكثر رصانة بين كتبه هو كتاب “المصطلح الفلسفي عند العرب”، الذي لا يكاد واحد من المشتغلين بالفلسفة لا يعرفه أو لا يرجع إليه.

وأخيرا ليس لدى الأعسم من أمل يرعاه مثل برعم ويتعهده ويحرص عليه، فقد قال “إن الأمل، في الحقيقة، اختفى من حياتنا، لأن ما هو راهن لا معنى له، وكيف أرعى هذا الأمل، وهو في حقيقته صورة خفية في باطن النفس لا نعلم أين تنتهي”

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي العبودي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نجم الشيخ داغر ... تفاصيل أكثر
بلال حنويت الركابي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
مكرم محمد أحمد ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو. ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
الشاعر محمد بشار ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عبدالرضا الساعدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
غسان الوكيل ... تفاصيل أكثر
علي علي     دأب برلماننا منذ ولادته -كما هو معلوم- متلكئا في سن القوانين وإقرارها تحت سقف زمني معقول او نصف معقول، إذ يدخل مشروع ... تفاصيل أكثر
 مازلت اذكر اللحظات الاولى لوصول الراحل الدكتور احمد الجلبي الى مدينة الناصرية بعد سقوط النظام السابق مباشرة، ولقاءنا به للحظات تحدث خلالها عن ان عهداً ... تفاصيل أكثر
علي علي     في بلد يعوم على بحور من الخيرات، تدور الدوائر عليه، فيأتي أناس خرجوا من رحمه، ليتسابقوا على سلبه جهارا نهارا، فكأنهم يقطّعون ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر