رؤى الشاعرة وجدان عياش بين هموم الحب وهموم الوطن !!!

عدد القراءات : 474
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

اطلعت مؤخرا على نصين للشاعرة وجدان عياش الاول عنوانه (أي الجهات اقرب لعناقك؟)، والثاني (يا حب ادركني!)، اجواء النصين تشترك بالحب والغياب والحضور، وتقترب من لهفات الجسد وحاجاته، الا ان اجواء الوطن وما يتعرض له من هجمات ارهابية، كانت هواجس شغلت الشاعرة عن غياب الاخر التي تفترض حضوره في ذهنها بسبب طوارئ الظروف المحيطة بها، وتمنع ذلك اللقاء المرتقب، وهذا الصراع بين الحضور والغياب، وبين هموم الوطن، نلاحظ اختلاجه بتفاعلات شعرية مختلفة والتي تتمظهر برؤى كونية كما هي التفاعلات التي تحدث في عمليات التخصيب وإنتاج بويضة تحمل من الحوامض والكلورات التي تدخل في تركيب الخلايا ومن ثم تبدأ على بساطة سرعان ما تتعقد وتستعيد ما علق بها من ترسبات الماضي ، لتنتجه في أوعية جديدة،

وجدان عبدالعزيز

 

 وهذا المسار لا يختلف كثيرا عن مسار رؤى الشعر التي تتفاعل لإنتاج ماهو جديد يدهش ويفاجئ الذائقة، وتظل الإرادة لهذا الجانب في الشعر منقادة لصدمة السياق أي سطوة الجماعة التي لابد أي ينبثق منها ذلك الفرد الذي يبرهن لهم رؤيته من خلال حضوره ، بسبب أن هذا الفرد يؤمن باله كقوة خفية، والجماعة تؤمن بهذا الإله، .. إذن تحصيل حاصل هو أن هذا الفرد يؤمن بالجماعة وبهذه المعادلة يثبت لنا أن الشعر يستند على السياق وهو أحد أركان رسالة الكتابة، كما يقول الغذّامي.. فهل خرجت الشاعرة وجدان عياش عن هذا السياق، لاشك انها بقيت في بودقته، غير انها راحت تواصل البحث عن زمان ومكان ملائمين، وركزت على نقطة معينة، قد نكتشفها في بحثنا ومظان القصيدتين .. تقول الشاعرة في المقطع الاول من قصيدتها (أي الجهات اقرب لعناقك؟) : 

 

(نلتقي ..

كشجرِ لوزٍ بين موعدين للمنفى

كحديقةٍ تُطِلُ على البياض

كعِناقٍ لا يُبصِرُ إلا مجدَ الحربِ على فراشاتِ الحقول

كوطنٍ تُظلِله رائحةُ الراحلين

أيُّ الجِهاتِ أقربُ لِعِناقِك ؟

والبحرُ .. لا يلتَفِتُ لِشجنِ التأوه 

لِجسدٍ تتناوبُ طعناتُ العشقِ

على ظِلالِ غسقهِ)

فبدأت بالفعل "نلتقي" وكأن الامر مسلم به، الا انها ذكرت كلمات مثل "المنفى، والحرب" وبدالة الرحيل، يتأكد لنا المعنى بانها تفترض اللقاء من خلال البحث عن الجهات الاقرب لذلك اللقاء المرتقب، وهنا امتزج الهم الذاتي متمثلا بـ "جسد تتناوب عليه طعنات العشق"، والهم الموضوعي متمثلا بـ "وطن تظلله رائحة الراحلين" ومن ثم خلق صراع اخر وهوالصراع الذاتي وهم العشق، والصراع الموضوعي، الذي توتر بين الوطن كواحة استقرار، وبين الرحيل الذي يمثل انتقال وقلقلة .. اذن الشاعرة تؤسس على تثبيت موقف من الحب للحبيب والحب للوطن، وفي اعتقادي ان هناك ترسيخا لكلا النوعين باعتبارهما يؤديان معنى واحد، وتستمر في المقاطع الاخرى من القصيدة متوترة بين الحياة وجمال الحضور وبين الموت وقبح الغياب، أي بين صوت فيروز والياسمين، وبين الموت يضيء لغة النازحين، فتكون رحلتها محفوفة بعدة صراعات يبدو ان هذه الصراعات تعمق موقفها من الحب والوطن والتعلق بالاخر .. وفي قصيدة (ياحب ادركني) كانت قد رسمت معالم طريقها في متاهات الصراع، وفي هذه القصيدة بالذات ومن خلال صورها الشعرية تؤكد صراعات الجسد وحاجاته، وكما نوهنا لاتختلف كثيرا عن قصيدتها التي حللنا بعضا من ارهاصاتها الانسانية، فحضور الحب والجسد، يحضر الى جانبه الوطن وصراع القوى الظلامية مع القوى الوطنية، لذا كانت صرخة الشاعرة وجدان عياش متمثلة بالعنونة (ياحب ادركني)، وكأن الحب في رؤيتها المفتاح لمغاليق العدوات التي ينصبها ظلاميو العصر الحديث لكل شعوب الارض .. فاجواء قصيدة (ياحب ادركني) فيها حب وجمال ولقاء افتراضي وسياحة في امكنة تعكس جمالا رائقا .. تقول الشاعرة :

(ما الذي سيبهِجُ الليلَ لو التقينا ؟

أنتَ بِنظرةِ الأسى 

وأنا بِرائحةِ حقولٍ يُغريها النداء 

وحدي اُسامِرُ نبيذَ النهايات 

وحدي أرتجفُ .. اتلاشى ، والحيرةُ دليلي.

ما الذي سيبهِجُ البحرَ لو التقينا ؟

معاً إلى جنةِ الأزرق 

بِموجهِ الهادر ، بِرمله المُتناثر

هذا ما يفعله ايقاع التانغو بِثمالة خصري المُراوغ

يدٌ مُرتجةٌ تجسُ مساربَ اللهفة

تستلهِمُ أشكالَ الغيم

حينما يميلُ الخيال لِظلِ عِناقٍ مُحتمل

قلبي ثمِلٌ كماءٍ لامسَ شغفَ الوجدِ

الوطنُ جميلٌ ، والعيد انت ، والأحلام ممكنة ..)

رغم انها انشغلت باللقاء ورقص ايقاعي وعناق محتمل، لكن هناك هاجسا يعادل هذه الهواجس ويجعلها اكثر ملاءمة واكثر قربا من التحقيق، لو كان الوطن جميلا، فستكون الاحلام ممكنة التحقيق، وهنا فالشعر قد يكون  تعبيرا عن فكر الأمة وحياتها... وقد يعد تعبيراً تاريخياً، أي تعبير متطور، يتجلى بأشكال متجددة، ويكتنز بمضامين متغيرة، بعضها من بعض، في تطور تاريخي متماسك، غير انه يعتبر من إنشاء العقل والخيال معاً، فهو ليس وصفاً أو محاكاة فقط، وليس انعكاساً ساذجاً للواقع، إنه خلق وإبداع في حقيقته وجوهره، يستغرق الواقع والممكن معاً .. اذن الشاعرة وجدان عياش عاشت الصراع الذاتي وعبرت عنه بالحب والجمال، وعاشت الصراع الموضوعي وعبرت عنه بهموم الوطن وما يتعرض لوطنها ليبيا ولكل اوطان الامة العربية من هجمة ظلامية بربرية اشد وطأة من الهجمة المغولية ..فالادب يشكل تعبيراً عن إحساس الإنسان بما حوله من الأشياء وعن شعوره وعاطفته وأحزانه وأفراحه..الخ..والشكل الأدبي ليس بالضرورة يتجه نحو تفسير إشكالية أو تحليل ظاهرة، بل هو في أغلب مضامينه صورة للواقع،أو نسج خيال أو تعبير عن رؤية .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين فوزي ... تفاصيل أكثر
د . قيس العزاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر