سيكولوجية الصراع الطبقي في رواية "خمير شفا"

عدد القراءات : 173
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

بقلم /السيد الزر قاني 

 

- سيظل السلم الاجتماعي هو المحرك الأساسي لتطور الاحداث في المجتمعات  الشرقية "، هكذا جاءت رواية "خمير شفا" للكاتب "احمد الحسنين " الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية عن سلسلة تجليات ادبية والتي جاءت في 135 صفحة – حيث دارت إحداثها في حي السيدة زينب وهو من الأحياء الشهير بالقاهرة العاصمة وتجلت عبقرية الكاتب في رسم صور تعبيرية ولوحات فنية تاخذ القارئ الي تلك الاماكن  التي تدور فيها احداث الرواية ابتداء من الفيلا التي تسكنها "فريدة " وهي تمثل تلك الطبقة العليا في مجتمع يعاني من تعدد الطبقات رغم محاولة ثورة يوليو الحد من تلك الفوارق الطبقية، الا انها تغلغلت مرة اخرى في ظل الانفتاح الذي عصف بالقيم والعادات والتقاليد التي كانت قد ترسخت بعد ثورة يوليو ، لم يكن عماد، ذلك الصبي الذي تسلل  الى عالم الأغنياء ممسكا بجلباب امه التي تعمل خادمة في فيلا "فريدة " حيث ترسبت في خيالاته الذهنية تلك الصورة النمطية لحياة الأغنياء ونظرتهم الدونية الى باقي الشعب  وقد تجلت تلك الحبكة الدرامية من خلال المشاهد العديدة التي حاول الكاتب ترسيخها في صور ابداعية  من خلال ملابسها الراقية وعطرها الفياح وتلك الأناقة في ترتيب الأشياء والحديقة التي تمثل مسر اللقاء والتأمل فهي تعني عالما لا نهائيا  في ذهن فريدة بينما ينظر اليها "عماد من خلف تلك الأسوار الحديدية العالية وتلك الابواب المغلقة على عالم اخر ،كان عماد لها عالم مجهول اتى من حي فقير يعاني من طفح مياه المجاري وتلك الأسطح التي يسكنها الفقراء في غرف لا تصلح لمعيشة البشر  ، من هنا كانت البداية في الصراع الداخلي بين عنصرين متنافرين من حيث التاريخ والجغرافيا بل والبشر ايضا هنا نجد "فريدة " وأمها الإنجليزية والتي لاتريد لها الاختلاط باي نوعية اخرى من البشر خارج حدود تلك الحديقة، وكانت ترفض وبشدة تلك اللقاءات العابرة بينها وبين عماد  الذي ياتي اليها بالحشرات من هذا الحي فهو فقط ابن الخادمة ، ولا يجب ان تلعب معه .وفي تطور احداث الرواية كان الكاتب يأخذنا دائما الى هذا التحلل الخلقي الذي كان متواجدا في تلك الحارات الضيقة في حي السيدة زينب من خلال صور متفرقة حاول عفويا الإيحاء بها الى القارئ ولم تكن سوى إضافة تعمق الصور الشعبية والحياتية في الحارة المصرية " حيث يستحم الأبناء الذكور مع أمهاتهم بل يمكن لأحد أبناء  الجيران ايضا ان يستحم مع بعض الجارات  ويطلع على مفاتنها وهي عارية. ومن هنا يدرك الفرق مابين الرجل والمراة  وكل ذلك يترك ترسيبا فكريا ومعنويا في تطور الشخصية في تلك المجتمعات  وكان بطل الرواية محورا لتك الشواهد الساقطة  في الأذهان، فتطورت على مر السنين ، وكانت تلك العلاقات غير السوية عاملا مؤثرا في نمو الكيان النفسي  من خلال السلوك غير السوي "لام سماح مع العسكري أو الضابط  أو أم نسرين مع بدر البقال الذي كان يطارحها الغرام في الحرام " وعلى الجانب  الاخر كانت هناك "فاطمة " أم البطل التي كانت تمثل له الصورة السوية لامراة غاب زوجها سنوات طويلة، وكانت تعاني الحرمان الجسدي والمعنوي ، حيث يقول الكاتب في ص35( كان هناك هاتف داخلي منذر لديها كأي امرأة سليمة الطبع مخلصة لزوجها الغائب ، فاسمعها تتقلب في الفراش، تقتلها الوحدة وتتساءل عندما ترى جمال جسدها ؟)، كل ذلك خلق تكوينا سيكولوجيا داخليا في نمو الوعي  الفكري في العقل الباطن لدى البطل حتى عندما اصبحت الخطابات الورقية لا تشبع رغبتها وإصابتها بحالة من الكبت المعنوي، لجأت الى التحرر الشرعي من قيد الزواج الشكلي لتكون حرة في الاختيار والإشباع مرة اخرى بشكل سوي، لم يكن أمامها الا إمام المسجد ليصدر لها فتوى في حق الطلاق،  تلك الصورة ماهي الا إضافة الى اهمية شيخ المسجد في حياة المصريين خاصة في الأحياء الشعبية،  وهذا أضاف اليها اطمئنانا نفسيا ،فيما تقدم عليه من الناحية الشرعية، و كان ذلك ليس محل اعتراض من "عماد " لانه رصد السلوك الاخر غير السوي وهذا ما لم يلحظه على "فاطمة " التي كانت تمثل له الأمن والسكن والكفاح والتربية ،بل وكانت تمنحه حق الطموح والنجاح وهذا ما ظهر خلال تطور احداث الرواية،  وتحقيق المراكز الأولى في الشهادات على المستوى الاعلى ، وكان الكاتب بارعا في اختلاق مقومات النجاح للبطل من خلال شخصية الأستاذة حنان التي كانت على  علاقة حميدة بأبنائها الطلاب في مرحلة يبحث فيها الأولاد عن مثل اعلى للنجاح وكذلك شخصية الأستاذ عادل الذي فتح امام البطل أبواب التزود بالعلم من خلال القراءة، فكان يشجعه على الإقدام والنهل من هذا المنبع وهذا ما ساعده كثيرا في تحقيق النجاح والتفوق  حيث اصبحت تلك المواد الدراسية بالنسبة له هي الأسهل بفضل ما ترسب في ذاكرته من علوم وثقافات من خلال القراءة المستمرة،ولم ينس الكاتب في سرده الرقي ان يمنحنا فرصة الإطلاع على عالم الحارة المصرية بما فيها من خلال الشخصيات المختلفة وتطلع كل منها الى التحرر من قيود تلك الحارة ، ومقومات هذا التحرر حيث نجده يرسم صورا للبقال الفاسد والحلاق والجزار والجز مجي ومسعد الذي يحاول تغيير مسار حياته بالزواج من "فاطمة" لتبدأ مرحلة جديدة من حياة البطل أصابها الألم في البداية بهذا الوافد الجديد وابنته وعدم التالف بين "عماد – مسعد " ودور الام في إزاحة هذا الجفاء النفسي الذي ترسب في ذهن ابنها  حيث تحسن العلاقة مرة اخرى وكأن ذلك دافع معنوي للتفوق والنجاح من خلال علاقات سوية بعيدة عن ترسبات الماضي العالقة في ذهن "عماد"،وتتصاعد أحدث الرواية حيث أصبح المسرح جاهزا مرة اخرى للتقارب بين "عماد وفريدة " بعد تلك العلاقات المراهقة بين الأولاد والبنات ولم لم يكن "عماد بعيدا عنها في علاقة مع "حنان "وهذا الاسم يعني له الكثير الا انها تخلت عنه عندما علمت انه يسكن فوق السطوح مع امه وأخته فترك ذلك أثرا سلبيا عليه لوقت قصير، حيث منحته الام قدرا من الانتصار على هذا الانكسار المعنوي نحو التفوق والنجاح ،من خلال تمهيد المكان له ليكون من المتفوقين دراسيا ،ومن خلال التشجيع المستمر من جانب أستاذه "عادل الذي يعتبر من الشخصيات البارزة في الرواية وكان التفوق هو السبب الرئيسي في التقارب الاجتماعي بين "عماد – فريدة " بمباركة من أبيها الذي منح عماد فرصة للعمل والرقي في السلم الاجتماعي،  وكان هذا التقارب فرصة لتجديد الحب والعشق الذي ولد منذ صباه  رغم ظهور من يصارعه على امتلاك قلب حبيبته  ،وعندما نصل الى   مشهد النهاية والتكريم من السادة المسؤولين، حيث كان إصرار "عماد ان يكون هذا التكريم لأستاذه الذي يفخر به وفي النهاية يمكن ان نؤكد على الاتي :-

ان الرواية هي نوع من انواع السير الذاتية حيث تناولت حياة البطل منذ كان صبيا حتى مراحل متقدمة من حياته ومثلها مثل " الأيام" لعميد الأدب العربي طه حسين  و"الوسية "للدكتور حسن خليل .

-الكاتب اعتمد على أسلوب السرد البسيط واستخدام تلك المفردات البسيطة المنتشرة بين تلك الطبقات الاجتماعية في الأحياء الشعبية  حيث كان حريصا على كل الاهتمام بكل التفاصيل في حياة الأطفال والكبار الرجال والنساء على السواء  ومفردات البيئات المختلفة لكل الطبقات، الحارة، الشوارع الجانبية   - الحديقة – الفيلا،  الانتقال عبر الشوارع المختلفة في هذا الحي فكان حريصا على ذكر كل المعالم. 

- الاعتماد على البناء السيكولوجي في بناء الشخصيات في المراحل المختلفة من عمر البطل  حيث تم توظيف كل شخصية حسب تكوينها النفسي لتضيف عنصرا جديدا لأحداث الرواية  حتى حادث" القاء الكتكوت "كان له توظيف درامي داخل مشاهد الرواية في البداية والنهاية. 

- وضع إطار للنجاح من خلال الإسقاطات المختلفة في بناء الشخصية وهذا ما نراه في حياة البطل وعلاقاته المتطورة في كل مكان يحط إليه بمافيه من شخصيات ذات ثقافات مختلفة وإصراره على إبرازه دور المثل الاعلى في حياه البطل وتأثيره الايجابي عليه .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر