شاهد عصر تموزي

عدد القراءات : 505
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
شاهد عصر تموزي

حسن عودة الماجدي

 

عاش كاتب السطور، معظم حياته من بواكير الخمسينيات بالفقر المدقع والفاقة في قرى وأرياف لواء العمارة انذاك، وفي ريف قضاء الكحلاء حصراً بين مجمع النظم والظلم لشيوخ الاقطاع والمشهورة بالحوشية والوكلاء والسراكيل والشحنية والموامير , حقيقةً ان واقع الجنوب العراقي مؤلم للغاية وذاكرته تجدد للمحزون حزن الحيف الابدي , إذ يعيش فلاحو القرى والارياف تحت اعواد الخيزران الموجعة التي تضرب على الرقاب والاكتاف ويساق الناس كما تساق البهائم الى ساحة البيع دون الرحمة، كما أن مساكنهم تقع بين جنبات الحيوانات ووسطها هم وكلابهم الموبوءة بالامراض الناقلة، حيث تكتظ قراهم باكواخ مبنية من القصب والبردي تحيط بها القمامة وروث البهائم من جنباتها الاربع، وتتصاعد في الليل من كل جانب أعمدة الدخان دفعاً للبعوض والحرمس امّا فيما يخص وسط وشمال البلاد فإنّ الناس تسكن في أكواخ مبنية من الطين ليس افضل من مساكن جنوبها , ناهيك عن الانتشار المريب لمختلف الامراض الفتاكة كالطاعون والجدري والحصبة والسعال الديكي نتيجة العمل المجهد والذي يبذل في الزراعة المتخلفة وغياب المراكز الصحية او انعدامها اصلاً في مناطق الاهوار والمساحات الديمية , أمّا سوء التغذية فحدث ولاحرج . بحيث لايمكن للقروي التمييز بين فاكهة الموز وخضرة البامية من هي التي تؤكل طازجة او التي تطبخ او تشوى! , وأمّا بقدرة قادر أوبالصدف لابن القرية قد حصل على مبلغ من الدراهم أوالتفاليس أوعن طريق المقايضة بالشعير والحنطة كي يمني النفس الجائعة مما يراه في سوق المدينة كالحلاوة الدبسية اوكعك البقصم اوما يسمى بزنود الست انذاك فإن البائع هو الاخر يطرده ويزجره كون القروي غثيث السؤال وكسيف الملبس مذعور الحركات، يهم دائماً بالركض يلوك الاكل بشراهة الابل، يلتفت يميناً ويساراً، والى الخلف يخشى أن يراه شرطي أومأمور إقطاعي , بل أن الموما اليه يحسب كل من ارتدى القميص والبنطلون هم من فصيلة الشرطة  فضلاً عما يعيشه في ظلام القرية ولياليها السوداء الموحشة . هذا ولربما يستغرب الاَمر المتلقي الكريم ويعزي الكلام لفحوى الرواية ونسج الخيال ولكن للشاهد حضور في هذا المجال من خلال القصائد الفطرية لكاتب السطور بعدالنجاح للثورة التموزيةالمجيدة عام 1958م ومن تلك : حلفونا ابكلام الله عنجل الموز, أوجانا الرحم يوم اربعطش تيموز – بسمك يابطل تموز أكلنا الموزوالبقصم والزايد الست زنود ( أسمك سمعوه ابلندا أوحاروابيه ) وفي موضوع أخر بذات المساس الفلاحي أنه وطبقاً لتقديرات دخله الزراعي قبل الثورة ماكان ليحصل على اكثر من (25.300) خمسة وعشرين دينارا وثلثمائة فلس في العام الكامل , وبهذا الشكل المريع لايرجع فقط الى انخفاض إنتاجه الزراعي وحده بل يرجع بالاساس الى استحواذ الفئات المستغلة من الملاكين والاقطاعيين, عموماً إن الظلم الموصوف لايقتصر على منطقة معينة ولكن بدرجات متفاوتة،  فمثلاً بالجنوب العراقي أقسى حدة وغطرسة , وفي الشمال والوسط أقل خصوصاً مناطق الفرات الاوسط أمّا الشمال بوصف المستشرق السوفيتي كوتولوف بأن فلاحيهم عبارة عن رقيق أو أقنان بين اكناف شيوخهم نتيجة ديون التدوير المترتبة عليهم . الجدير بالاشارة كي لايفوت المتلقي الى أن العراق قبل الثورة التموزية كان خاضعاً للوصاية البريطانية وأن مصالحها تستوجب استرضاء شيوخ العشائر العراقية لضمان الوجود للدولة المحتلة , لذلك أصبحت سلطة الشيخ على أتباعه مشرعنة بموجب قوانين سلطوية لشيخ العشيرة كقانون تسوية حقوق الاراضي رقم (50) لسنة 1932 وقانون اللّزمة رقم (51) لسنة 1932 وقانون العقد رقم (55) لسنة 1932 وقانون حقوق وواجبات الزراع رقم (28) لسنة 1933 , فمثلاً قانون تسوية حقوق الاراضي الذي سمح بشكل واسع بتسجيل مساحات واسعة من الاراضي ملكاً فعلياً للشيوخ وللرأسماليين , لذا نفهم مما تقدم أن ثورة الرابع عشر من تموزالمجيدة عام 1958م لم تكن حدثاً عابراً أوهزة طائفية أومن اجل النياشين والرتب العسكرية أوالمغانم المادية بل كانت نتيجة تراكم هائل من الظلم والتبعية المذلة من خلال قاعدتي الشعيبة والحبانية العسكريتين , لكن ثائر العراق الفذ قد اقحم الدول الكبرى في الصبيحة الغراء للرابع عشر من تموز عام 1958 والذي اصاب خبرها وسبق شرها والغى نظامها الملكي البائد الى النظام الجمهوري الرائد , اذ تمخض عن ذلك الحدث التاريخي بتجسيد قانون الاصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958 والذي يعد ضربة الثوار العنيفة لسلطة الاقطاع الجائرة والذي باركته القوى المؤتلفة في جبهة الاتحاد الوطني وعلى رأسها الحزب الشيوعي العراقي عميد الاحزاب والقوى السياسية بكل اتجاهاتها على الساحة العراقية , (الرحمة والغفران للزعيم الخالد عبدالكريم قاسم ولصحبه الافذاذ).

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف ابو مسلم ... تفاصيل أكثر
د.سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
د.سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
شكيب كاظم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
د. غسان السعد ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
داعش، هذه العصابة المسلحة المجنونة بالقتل والعاشقة لكل ما له علاقة بالجرائم الكبرى ، صارت قبل أكثر من سنتين وبفضل بعض الخونة من العسكر ومعهم ... تفاصيل أكثر