الضياع بين إفراط وتفريط

عدد القراءات : 442
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الضياع  بين إفراط وتفريط

  علي علي

    أفي كل يوم تحت ضبني شويعر

                     ضعيف يقاويني قصير يطاول

  في بيت المتنبي أعلاه شبه، أراه كبيرا لما يحدث باستمرار على الأرض التي عرفت بأنها مهد الحضارات، ومهبط الرسل والأنبياء، ومقام الأولياء والأوصياء. إذ لم تمر حقبة من حقب الدهر إلا وهناك غمامة تعلو سماء وادي الرافدين، تنغص عيش قاطنيه وتقض مضاجع ساكنيه. من تلك الغمامات ماتجيء به تقلبات جيوفورمولوجية لاعلاقة للإنسان في صيرورتها، فالطوفان.. أخذ من الزرع والضرع مأخذه من هذه الرقعة الجغرافية حتى كاد ينفي كل شيء حي. والجفاف.. أسهم في تفاقم وجع العراقيين إيما إسهام، حتى أحرق اليابس والندي مما يقتاتون عليه. والجدب هو الآخر.. ظل شبحه يلوح بين الفينة والأخرى على ما تطأه أقدام العراقيين، ويتحين الأسباب والدواعي ليثبت أقدامه على فيافي العراق وسهوله الخصبة، فكان به إتمام مافات الطوفان والجفاف الإجهاز عليه. أما الحريق فكما يقول مثلنا: (لو من أول.. لو من تالي) فـ (من أول) نجا وادي الرافدين من اندلاع الحرائق -المفتعلة وغير المفتعلة- في تاريخه القديم، إذ لم نسمع من قبل عن حرائق كبيرة شبت في بقاعه، في حين يروي لنا التاريخ بضع عشرات من الحرائق في نواحٍ كثيرة من المعمورة منها؛ حريق طوكيو في اليابان عام 1923. وحريق هاليفاكس ونوفا سكوتيا في كندا عام 1917. وحريق مدينة تكساس في أمريكا عام 1947. وحريق روما عام 64م. وحريق لندن عام 1666. وكذلك حريق بوسطن عام 1872.

  أما (من تالي) فالحرائق في وادي الرافدين أخذت طابعا آخر، وعلى وجه التحديد بعد "عام السعد" 2003..! إذ أن يد الإنسان سجلت حضورها الكامل في اندلاع الحرائق، وكانت -ومازالت- هي الطولى في أحداث إضرام النيران، لاسيما في دوائر الدولة وعلى وجه الخصوص الحساسة منها، والتي تضم في طوابقها ودهاليزها أرشيفا، يتمثل بملفات وأوراق ومستندات ووثائق، يكمن بين طياتها سر مسببات نشوب الحرائق، وتنم خصوصيتها عن اليد الفاعلة، وتشير بإصبع الاتهام بما يفند تقييد الجرم ضد جهات مجهولة. وعلى مايبدو أن اليد الفاعلة تلك، أرادت محو أدلة او إخفاء معلومات او إضمار حقائق، لاينفع في تضييعها الحك، ولا يمحوها الشطب، ولا يموهها الحبر الأبيض.

  وبذا تكون الزلازل والبراكين وتسونامي بعيدة كل البعد عن وادي الرافدين، كما أن التقلبات الجيولوجية والجيوفورمولوجية بأصنافها ودرجاتها، بريئة من إحداث مصائب وكوارث في بلدنا، ولكن، كما قال الشاعر:

                    ليس البلاء عندي صنفا واحدا

                           عندي بحمد الله منه صنوف

    وأعود الى متنبينا فيما ذكرته في بادئ سطوري هذه، فقد استخدم مفردة "ضبن" والضبن هو منطقة مابين الكشح والإبط، ولوذعي مثل المتنبي لم ينتقِ هذه المفردة اعتباطا، فبإمكانه ذكر مفردة "خصر" ولايضير هذا بعروض البيت، إلا أنه خص فيها المتقولين الأسوياء طولا، مع ذلك فهم لايطالون قامته في الشعر، فوصفهم بلفظة التصغير "شويعر". وارى أن ماقاله أبو الطيب يقترب الى ما قصدته من مقالي في مقامي هذا، إذ أن المتقولين الذي يتشدقون بين الفينة والأخرى بتصريحات سمجة، يتقيأون فيها مايدور بعقولهم، ويجترون سنن السيئين الذين سبقوهم في سدة الحكم، باتت لهم الغلبة، وأضحت يدهم هي العليا، وكذلك كلمتهم، إذ أمسى لها الدور الفاعل رغم ابتعادها عن الفعل والتطبيق، وكأن إدارة أمور البلد تبلغ من السهولة حدا لايستوجب الحكمة والكياسة، وقدرا كبيرا من السياسة، فضلا عن النزاهة والأمانة وشرف المهنة.

  يروى أن الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور، سأل أحد حكماء بني أمية عن سبب سقوط دولتهم فأجاب الأخير:

"أمور صغيرة سلّمناها لكبار، وأمور كبيرة سلّمناها لصغار، فضعنا بين إفراط وتفريط"   

aliali6212g@gmail.com

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر