جسور من الأمل

عدد القراءات : 677
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جسور من الأمل

"هذا دجلة، والآن، وبعد أن امتلأت برائحته وسارت مياهه في شرايينك، بوسعك كتابة كتابك الاتي." هذا ما قاله لي مازن لطيف، الباحث والناشر العراقي عن كتابي "صور على الحائط" المترجم للعربية. أسايره كل سبت في بغداد، من مقعدي في منزلي، ويأخذني في كل خطوةٍ سنوات إلى الماضي، إلى مناطق طفولة والديّ وشبابهما. حيث ترعرعا مع أرواح آبائي وأجدادي اليهود – تلك الروح التي تكونت بموجبها. هنا، في مجرى مياه النهر، تعلم أبي العوم، وكم كان سعيدا حين أفلح باجتيازه من الضفة الواحدة إلى ضفته الأخرى، ومنذ تذوق السمك المسكوف (السمك المشوي) المتبل بالكاري ما من سمك آخر يضاهيه في نكهته. أصوات الباعة في اسواق حنون والشورجة تنعش فؤادي وتتمازج بأصوات الصلوات المتصاعدة حتى قبل 66 سنة من معهد زلخة ومن الكنيس الكبير. أشعر بانفعال بجوار حي البتاوين لسماع زعيق الأولاد الذين يلعبون في الساحات الداخلية ويتأرجحون على الجلالة (الارجوحة) المصنوعة من الخشب. وأمام مدرسة "شماش" أخالني أرى أعمامي يلتفون حول العم داود ويبتاعون منه الصمون بالعمبة لسد رمقهم.

 

بقلم: تسيونيت فتال

 

 

تنتشر في كل خطوة أمامي اليوم بغداد، التي مسحت كل ذكر لليهود الذين عاشوا فيها طيلة ألفين وخمسمائة سنة: مدرسة "شماش" التي تعلّم بين جدرانها آلاف الطلاب أصبحت ورشة تصليح للسيارات، ضريح الشيخ اسحاق غاؤون الذي سمع تضرعات الآلاف ممن توافدوا إليه، اختفى تحت أكداس النفايات والقمامة، وبيت وزير المالية اليهودي ساسون حسقيل الذي حرص كل الحرص على أموال وموارد العراق الجديد تهدّم من أجل إقامة مركز تجاري بدلا منه. 

لم أدرك أن الصدمات التي انتابت حياة أبطال كتابي "صور على الحائط" ستهز كياني، وانا سوف أحظى بالظهور والاعتراف في العراق.

المقال الذي نشرته الصحافية اليهودية، المولودة في العراق ليندا منوحين عن كتابي، دفع مؤلفين، شعراء، باحثين وصحافيين من العراق، للتعرف على "التي كتبت رواية عن بغداد، رغم أنها لم تولد فيها". لقد رووا لي حكايات سمعوها من ذويهم عن جيرانهم اليهود، وأعربوا عن أسفهم على الغبن التاريخي الذي لحق بيهود العراق في "الفرهود" (الاضرابات ضد يهود بغداد في عيد الشبوعوت – الاسابيع عام 1941) وطردهم بعد قيام دولة إسرائيل. 

"ينبغي أن نعيد إليكم حقوقكم وممتلكاتكم. أنتم السكان الأصليون لبابل". كتبوا علنًا في صفحتي في الفيسبوك. "لماذا تهتّمون بنا؟" تعجبت، فأجابوا إن العراق فقد كرامته حين لاحق وطرد يهوده: "أطفئ النور علينا، وأصبح العراق أرض دماء يذبح فيها أبناءه." "من انا بالنسبة لكم؟" حاولت الفهم. "أنت كاتبة عراقية وبابلية، ابنة شعبنا." أجابوني. "لكني لم أولد في العراق." أثقلت عليهم. "أنت أختنا. آباؤك وأجدادك ولدوا في العراق، والإثبات أنك لم تنس، وكتبت عنه في كتابك، رغم أنك لم تعرفيه." أوضحوا.

تيقنت حينها فقط أن كتابي، الذي وضعته بدافع الحنين لوالديّ اللذين توفيا قبل عقد من الزمن، ينال تفسيرا مغايرا في العراق. حين رجعت بكتابي إلى بغداد للتواصل مع والديّ والتعرّف على جذوري اليهودية، كان رفاقي من العراق يطمحون لاستعادة بلادهم الجريحة، المنقسمة والمجزّأة، إلى العصر الذهبي الذي عاش فيه السنة والشيعة والمسيحيون والأكراد واليهود وكل الطوائف الاخرى جنبا إلى جنب، وشكّلوا العراق بأكمله. إن حنين أبناء جيلي إلى بيت والديهم، إلى التراث الثقافي، إلى اللغة، إلى النكهات والأطعمة، التي يتم التعبير عنها في إبداعاتنا، ورغبتنا بأن نمسك بأيدي والدينا وعدم التخلي وان نستمر بالمحافظة عليها في حياتنا، يدركها العراقيون كتعبير عن اشتياقنا للعراق. "وإن لو لم تعودوا، المهم أن تتمكنوا من الزيارة. هذا حقكم. وإن مجرد اهتمامكم بنا لهو ضوء في الظلماء التي نعيش فيها ونتلمسها." يكتبون لي.  

أحييت بكتابي بغداد المزدهرة في النصف الأول من القرن العشرين، بأزقتها، منازلها، مؤسساتها، رجالها، زعمائها، لغتها، أزيائها وأطعمتها. تعرّضت أثناء تأليف كتابي للثراء الثقافي والروحي اليهودي الذي نشأ هناك ولم يكن له حضور في حياتي. واليوم بغداد ذاتها تعيش في ذاكرة البالغين الذين يناهزون 80 – 90 من العمر، أو بمؤلفات الأدباء اليهود الذين ولدوا في العراق. كلما تعمّقت في البحث التاريخي والتراث الثقافي ليهود العراق، شعرت بجذور هويتي اليهودية تتسع فتنتصب قامتي. حنقت على الجهل، على التغاضي وعلى التنكر للماضي.       

أدركت أنه من المحظور إبقاء حالة، يعرف فيها كثير من أبناء جيلي القليل عن ماضيهم وتراثهم. لذا، وضعت الكتاب لأجل القارئ الإسرائيلي كي يستمر برواية قصة يهود العراق، إن لم يكن بكتب التاريخ إذن فبالأدب العبري، كما فعل الأدباء اليهود الذين ولدوا في العراق، أمثال سامي ميخائيل، شمعون بلاص وإيلي عمير.

وبالمقابل – يتشبث رفاقي العراقيون بموطنهم أرض العراق، رغم الصعوبات والمخاطر، ويحاولون مكافحة المفاهيم الدينية والطائفية التي أدت إلى تقسيم بلادهم وإدخال قيم المساواة، العدالة والحرية، والتي جاءت كي تتغلب على ما يفرّق ويتيح نشوء هوية واحدة، وهي الهوية الوطنية العراقية. وإزاء ذلك، يحاولون بأبحاثهم استعادة الحضور اليهودي وأبناء الطوائف الأخرى في كتب التاريخ والثقافة العراقية. يدأبون أن يتعلم النشء الجديد في العراق تاريخه الحقيقي، حين كان لليهود مساهمة بارزة، حين تبوؤوا وظائف مركزية واغنوا العراق بحياتهم الثقافية، الحكومية والاقتصادية.

كما أدركت فقط بعد انكشافي لنشاط اصدقائي العراقيين، مدى أهمية ترجمة الكتاب للغة العربية، لكي يتعرف القارئ العراقي على حكاية المجتمع اليهودي، الذي كان جزءا لا يتجزأ من بابل ولاحقا من العراق الجديد. لم أرغب بأن لا يذكر تاريخ هذا المجتمع في العراق أيضا، أو أن يُمحى ذكر المجتمع الذي يعود إلى 2500 سنة بالقول "روحة بلا رجعة" كما كتبت السلطات العراقية على بطاقات السفر التي أعطوها لليهود عشية رحيلهم "لا يسمح له بالعودة الى العراق".

أصرّ الناشر مازن لطيف أن يكون العراق أول من ينشر فيه الكتاب بالعربية. "الكتاب لنا، للعراقيين" قال لي حين خطر ببالي نشر الكتاب في مصر أولا. إن نشر الكتاب في موقع الأحداث وفي المكان الذي ولد ودفن فيه عدد من أبطاله، هو نوع من إغلاق الدائرة، لكنه فتح بابا لي. الكاتب إيلي عمير، الذي ولد في العراق، كتب لي: "هذا واقع كالحلم، إنك تحظين بالاعتراف وتدخلين بالطريق الرئيسي إلى بغداد. طردوا آباءك وأنت تعودين أميرة من بوابة الشرف."    

ها أنا أمد يدي إليكم طالبة: "هيا نبني مجددا الجسر على دعائم التآخي، المشاركة والتفاهم – المعتمدة بأساسها على علاقات الجيرة الحسنة التي كانت سائدة بين أجدادنا وجداتنا في العراق حينذاك." 

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــازم مــبــيــضــيــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبدالامير المجر ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر