باحث وشاعر عراقي ينحت مكانته الأدبية رغم التحديات الشاعر حسن البياتي جمع بين صنوف أدبية وبحثية عديدة ولم تخلُ منه مؤتمرات وندوات الثقافة إلى جانب الحلقات الدراسية المتخصصة

عدد القراءات : 89
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
باحث وشاعر عراقي ينحت مكانته الأدبية رغم التحديات الشاعر حسن البياتي جمع بين صنوف أدبية وبحثية عديدة ولم تخلُ منه مؤتمرات وندوات الثقافة إلى جانب الحلقات الدراسية المتخصصة

 زيد بن رفاعة 

 

يُعدّ حسن نجم مال الله البياتي مِن جيل خمسينيات القرن العشرين، الذي قدح في الأدب والثقافة والفن والفكر في العراق. درس في دار المعلمين العالية الأدب واللغة العربية، وحظي بأساتذة كبار مِن حجم محمد مهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر وسواهما، والذي لحق بهما وزاملها، ومع ذلك ظل وفياً لهما. وكان آخر ما كتب، ممّا لم يُنشر بعد “علي جواد الطاهر مترجماً”، وبالفعل لم يُسلّط الضوء على هذا الجانب المعرفي من المعارف الثقافية التي تميز بها الناقد والأديب المعروف الطَّاهر.

ولد البياتي في العام 1930 بالسعدية إحدى قُرى محافظة ديالى. وكانت ذات سمة تُركمانية آنذاك، قبل ما حصل من نزوح وإزاحات لأسباب متشابكة، منها الحروب والثورات. لكنه لعيش طويل في محافظة البصرة عرفه الكثيرون على أنه من أهلها، فالغالب من أصدقائه كانوا منها، وبهذا كتب “وجوه بصرية”، لم يترك نادل مقهى أو أستاذاً جامعياً أو حلاقاً إلا وذكره شعراً في ما كتب.

وفي الكتاب ذاته، نرى أنه قد شكّل بعض فناني البصرة ظواهر فنية، كما يقول عدنان حسين أحمد، سواء في أدائهم البارع أو في الموضوعات النقدية الحساسة التي تناولوها في أعمالهم المسرحية والتلفزيونية، ولعل أبرزهم في هذا المضمار الفنان المتألق سليم البصري الذي توهج بشكل دائم في المسلسل المعروف “تحت موس الحلاق” كما سطع فيه نجم الفن الكوميدي حمودي الحارثي الذي عرفناه بدور “عبّوسي” كمساعد لـ”حجي راضي”.

فكتب البياتي “حجي راضي! أنت بصريّ، وإن شكّكَ بعض المغرضينْ. موسكَ الحلاق، كم أمتعنا فنًا وعرّى التافهين. سألوا تلميذك المحروس ‘عبّوسي’ أجبنا منْ ترى أبدعَ فنانٍ أصيلْ؟ ردّ يبكي: هو أستاذي سليم، حجي راضي، الراحل الشيخ الجليلْ”.

عراقي في اليمن

عمل خلال طفولته بائعاً للخبز، وامتهن مهنا أخرى لكسب لقمة العيش، وذلك لوضعه العائلي الصعب. لكنه عزم على الجمع بين العمل والدراسة، فأكمل دراسته حتى دخل دار المعلمين العالية ومارس التعليم والتدريس. ثم حصل على منحة دراسية إلى الاتحاد السوفييتي، ومن هناك أجاد الروسية وترجم لكبار الكُتاب الروس. لم يستكن في حياته العملية والعلمية، فحصل على ليسانس شرف في اللغة العربية وآدابها من دار المعلمين العالية ببغداد، ثم دكتوراه فلسفة في اللغة والأدب الروسي من جامعة موسكو أواسط ستينات القرن العشرين.

عمل البياتي مدرّساً على الملاك الثانوي في محافظات عراقية مختلفة، ثم محاضراً في مادة اللغة العربية وآدابها بكلية اللغات الشرقية بجامعة موسكو، فمدرّساً وأستاذاً مساعداً وأستاذاً في جامعة البصرة وجامعة الكوفة والجامعة المستنصرية، حتى فصل من التدريس بعد حملة تبعيث التعليم، في سبعينات القرن الماضي هو ومجموعة من زملائه وأساتذته كالمخزومي والطاهر.

وفي عقد التسعينيات من القرن العشرين شد الرحال إلى اليمن الجنوبي حيث حضرموت، ليعمل فيها أستاذاً في كلية التربية بجامعة عدن فرع حضرموت، ومنها صعد إلى صنعاء، وكان يسمح له بالتنقل بين اليمنين، خلال الوحدة اليمنية، بينما كان ذلك عسيراً جداً، بل ممتنعاً، فمَن يعمل بعدن أو حضرموت يعدّ محسوباً على أهل اليسار، والبياتي من هذا الصنف الفكري والثقافي، وأما مَن يعمل بصنعاء فمحسوب من أهل اليمين، هكذا كانت تُصنّف الناس، لكن لا يخلو اليمنان من وجود الاختلاط بين اليسار واليمين سواء كان ذلك في صنعاء أو في عدن.

عمل في صنعاء أستاذاً زائراً في قسم الدراسات العليا بكلية الآداب، ويبدو أن الفضل في ذلك كان لوجود شخصية تحترم الأكاديميين العراقيين آنذاك، كرئيس الجامعة هناك الشَّاعر عبدالعزيز المقالح، وذلك للسمعة ذائعة الصيت عن التعليم والوضع الثقافي العراقي المتقدم، وإن كان في الماضي بحدود عقود الخمسينيات والسيتنيات والسبعينيات من القرن الماضي، ومن دون أن نغفل الموقف السلبي من اللغوي العراقي المعروف إبراهيم السامرائي.

خيال الموسوعي

جمع البياتي بين صنوف أدبية وبحثية عديدة ؛ الشعر والبحث الأكاديمي والترجمة الأدبية، ولم تخل منه مؤتمرات وندوات الثقافة، إلى جانب الحلقات الدراسية المتخصصة مع سلسة غنية من المقابلات عبر الإذاعة والقنوات الفضائية والنشر عبر المواقع الإلكترونية المختلفة. وكان عضواً في اتحاد الأدباء العراقيين منذ تأسيسه في سنة 1959، ويومها كان الأديب والشاعر الشاب والمبشر بشاعريته من قبل مَن ذاع صيته قبله وصار أستاذاً له، وقد ردت على إحدى مقالاته الشاعرة العراقية المعروفة نازك الملائكة وحصل جدل بينهما في أكثر من ردٍّ منها ومنه، بخصوص قصيدة الشعر الحر، على صفحات مجلة “الآداب” البيروتية سنة 1957، وكُتب عنه وهو في شرخ الشباب وعن مؤلفاته في أكثر من دورية عربية، في مصر والأردن والمغرب العربي ولبنان.

وعن هذا كتب الباحث حسن الشيخ عسكر في مقال له إنه “في منتصف الستينيات من القرن الماضي اشتهرت شخصيتان في البصرة هما حسن البياتي ونازك الملائكة بصفتهما مؤسسين لقسم اللغة العربية وكونهما ساهما في تأسيس الجامعة أيضاً”.

كان البياتي عضواً في جمعية المترجمين العراقيين وفي نادي الفنون في البصرة، شارك في تأسيس الاتحاد الأدباء العراقيين 1959مشاركاً في مؤتمره الأول، وكان برئاسة الشاعر الشهير محمد مهدي الجواهري، وبمشاركة كبار أدباء العراق آنذاك، وكان الاتحاد الأول للكتاب والأدباء العراقيين.

وخلال دراسته في الاتحاد السوفييتي ساهم في مؤتمر الأدباء والكتاب العرب المشكل من الدارسين والمقيمن من الأدباء والكُتاب العرب هناك في موسكو. كذلك حضر المؤتمر العالمي للمستشرقين في موسكو، وكان قد ترجم لكبار المستشرقين الروس، ولأنه ابن البصرة غير المولود فيها فكانت مساهمته في مهرجان المربد ولعدة سنوات، وحضور المؤتمر العاشر للأدباء العرب بغداد-البصرة، ومؤتمر التعليم الجامعي في بغداد، وشارك في الندوة العلمية العالمية الثانية لمركز دراسات الخليج العربي في البصرة، وشارك في المؤتمر العلمي لجامعة الكوفة بالنجف 1994، والمؤتمر العلمي للجامعة المستنصرية ببغداد.

ما بين الحروب

صدر للبياتي عدة بحوث وأعمال أدبية ونقدية وترجمات، ومنها “الشعر العراقي الحديث في ما بين الحربين العالميتين”، (باللغة الروسية)، ديوان “الشاب الظريف” عن مجلة المربد، “مواقف مناوئة للحرب في الشعر الجاهلي”، “قصة مجهولة من التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى” وهي دراسة مترجمة من اللغة الروسية، “أثر الحرب العالمية الثانية في نثر الأدباء الشباب” وهي دراسة نقدية مترجمة من اللغة الروسية، “جيخوف وتورغينيف”، “الريادات الفلسفية والجمالية في شعر الأقطار الاشتراكية”. كذلك صدرت له دواوين شعرية عديدة، منها “من شفاه الحياة”، “جنود الاحتلال”، “من سفر الحياة”، “في ملكوت الظلام”، “وجوه بصرية”، “جراح الغضا”، “سفر الحالات”.

قضى البياتي حياته مدرساً ومشرفاً علميا على جملة من رسائل الماجستير والدكتوراه، وكذلك القيام بمناقشة مجموعة من رسائل الماجستير والدكتوراه رئيساً أو عضواً في لجنة المناقشة في مختلف الجامعات العراقية. ولنتاجه الأدبي والأكاديمي كتب عنه كُتّاب وأكاديميون معروفون في مجالاتهم، ومنهم صفاء خلوصي أستاذ الأدب المقارن في كلية التربية بغداد، وصالح جواد الطعمة أستاذ الأدب العربي في كلية التربية بغداد، وعلي جواد الطاهر أستاذ الأدب والنقد في عدة جامعات عراقية، وماجد أحمد السامرائي أستاذ الأدب العربي في جامعة بغداد، وعناد غزوان أستاذ الأدب والنقد في جامعة بغداد، وكذلك داود سلوم أستاذ الأدب في جامعة بغداد، وجلال الخياط أستاذ الأدب العربي في جامعة بغداد، وسعاد محمد خضر أستاذة الأدب الفرنسي في كل من كلية التربية للبنات في جامعة بغداد وكلية اللغات في جامعة صنعاء.

بعد حياة حافة بالشعر والنثر والترجمة والتدريس هاجر حسن البياتي واستقر بلندن، وفي أواسط التسعينيات من القرن الماضي فقد بصره وصار ينتظر مَن يتلو عليه النصوص، محاولاً إعادة إنتاج الخزين المعرفي الذي جمعه في ذاكرته لعشرات السنين، ومع ذلك أنتج عدة مؤلفات معتمداً على البصيرة بعد فقد البصر. وهو الذي قال عن العمى:

“سبعة مرّتْ ومازلتَ تمنّي النفس أن النور آت

عالقا في قبوك الليلي ما بين حياة ومماتْ”. 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نوزاد حسن ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
عقيل حبيب ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف ابو مسلم ... تفاصيل أكثر
د.سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
د.سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر