سيميائية الثقافة وأزمة الدلالات

عدد القراءات : 523
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
سيميائية الثقافة وأزمة الدلالات

غرام الربيعي

كنت قد أعددت في وقت سابق بحثاً حول سيميائية الفن ودلالات اللون وتعرفت إلى معنى السيميائية المشتقة من الكلمة الأغريقية) semeion
 وتعني إشارة .ودراسة الإشارات تحتاج إلى بحث عن معان مرتبطة بدلالات تلك الاشارات وصولاً الى عمق المعنى الذي يؤشر سمات تلك المفاهيم أو الغايات ،وكل ذلك يرتبط بشكل وثيق بالفعل ومؤثراته الفاعلة في بيئة ما ،أو مجتمع ما وكسبه صفات تميزه ولو مرحلياً ،لأن السمات ترتبط بعوامل كثيرة منها ما هو ثابت ومنها ما هو متغير ،والزمن كفيل بحفظ هذا التغيرات أو إلغائها بسمات جديدة معبّرة عن هذه الحقبة أو تلك ، هذه البيئة أو تلك حسب الأساليب السائدة والمعروفة حيث تكفل التواصل المجتمعي .
وبما أن الثقافة من وسائله وهي مَن تصيغ دلالاته كأسلوب أو لغة وصناعة فضاء يؤمن هذا التواصل ،هنا استوقفني سؤال مهم : ما هي سيميائية ثقافتنا اليوم وهي تعاني من أمراض عدّة أوّلها وأخطرها الحنين الى الماضي والاتكاء على مرجعياته وضغوطات الواقع الفوضوي بين الماضي وسماته وبين الحاضر الثائر نحو مغايرة محددة أو غير محدّدة؟، هذه الضغوطات تتلاعب بالرموز الثابتة والدلالات الحديثة المتغيرة بسرعة مذهلة بتأثيرات  الحضارة الخارجية على الأنظمة الثقافية الخاصة والثقافة الواردة ،لا مناص من الانفتاح والقبول بها بالاختلاف والتعدد .ومع كل الاختلافات الواردة لا يمكن الابتعاد عن الطبيعة المحددة لكثير من الثقافات السائدة في مكان ما أو مجتمع ما فيما يقابلها من خصائص ثقافية تتفق عليه المجتمعات فيما بينهم كسياقات واردة ومعقولة والمتأثرة بالتأكيد بالمعارف والعلوم والمهارات الفكرية حيث ارتباطها بالسلوك النمطي أو المفتعل كمنتج حياتي يمثل سيميائية ثقافة هذا المجتمع متأثراً بكل التحولات التاريخية أو الاجتماعية .
وليس بعيداً عن مستوى التصورات النظرية علينا معرفة الأنماط التي تشكل ثقافتنا اليوم ، وهل هي معافاة، وتمارس تأثيرها في تشكلات مجتمعنا؟؟ وهل ستحمي مدلولات حضارتنا ، على أن لا تتعارض كثيراً مع المدنية التي نحلم بها جميعاً ؟.
واذا كانت السيميائية تتحدد بالرموز الدالة على المعنى ،فالرمز سيكون من مشتركات التواصل والمشاركة الفعالة بين الجمع إن لم يكن مختلفاً حول الدال والمدلول .هنا تحديداً ،تكمن أزمة الثقافة اليوم في ممارسات مثقفينا وغياب الفعل في التطبيق بين ما ينظّرونه وبين ما يسلكونه، وغياب اللغة المشتركة في الوعي الظاهر والوعي الباطن ، وكثيراً مانجد النص خارج الذات أو ذات المثقف خارج منتجه الفكري .هذا التضارب ولّد تناقضات وسعت المسافة بين الأفراد عموماً وبين المثقف والمتلقي العادي .مما يبدو أن الثقافة مصابة بكثير من الاختلافات المنتجة للخلافات التي تُفقد الثقافة سيميائيتها ،وربما هويتها التاريخية في هذه المرحلة .
التحزب والطائفة والمعتقد والمناطقية وفرض الأبوة الفكرية ،وأسباب أخرى جعلت الرمز ليس دالاً ثابتاً أو معنى مشتركا بين  المثقفين !!.
كذلك الرغبات الفردية ووراثة مخلفات جمهورية الخوف والتسلط الفكري ،والسياسات القائمة ،كلّها تشوّه الدلالات ونقاءها مما يشكل أزمة قائمة تُضعف من تأثير الثقافة على السياسات الحاكمة ومقررات حياة المجتمع .
الرأي هنا ،المثقفون جميعاً يتحملون هذه الأزمة بغياب لغة مشتركة وأهداف مشتركة وعمل مشترك يترك بصمته في وسائل الاتصال المجتمعي الذي فقد اتزانه باستبدال اللغة الفاخرة بلغة السباب والشكوك والتآمر والتردي والتعسف الفكري ،كرمز للتمرد والاختلاف والثورة .
وأزمة الثقافة هنا لا تتمثل بغزارة النتاج الورقي كماً ، بل خلوها من تأثيرات النوع في صياغة أنظمة ثقافية حياتية جديدة متحضرة ومتقدمة .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي   لسنوات متتالية، ونحن نحلم بعام جديد يحمل إلينا المحبة والفرح والسلام، وكثيرة هي الأحلام التي نضعها فوق وسادتنا قبل النوم لنستيقظ بعيدا عن الحزن، ... تفاصيل أكثر
علي علي    الانتماء والولاء.. مفردتان لا يُتعِب اللسانَ لفظُهما حتى وإن تكرر آلاف المرات، وقد جبل الانسان بفطرته عليهما، إذ يقول علماء الاجتماع ان لكل ... تفاصيل أكثر
علي علي    ها قد احتفل العالم بأعياد رأس السنة، كل بما أوتي من قوة وتعبير وطريقة، وها هي الأمم تستذكر من عامها المنصرم أجمل الأحداث، ... تفاصيل أكثر
علي علي     ارتأيت أن يكون عنوان مقالي اليوم بلغة غير لغتي الأم، ولغتي الأب، ولغتي الأخ، ولغتي الصديق.. لغتي العربية. وما حذوي هذا الحذو ... تفاصيل أكثر
علي علي     أذينان وبطينان، أربعة تجاويف لاتتجاوز بالحجم قبضة كف، غير أن لها سطوة على سائر أعضائنا، لذا فقد امتلكت الصدارة والعليّة على الجسد ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عــلــي شــايــع ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر