معيار العلم وتحدي الحقيقة

عدد القراءات : 383
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
معيار العلم وتحدي الحقيقة

ادريس هاني

المنطق منطقان: منطق انتظم في رسوم اليونان ومشى فوق رؤوس الفلاسفة كأنّه ديّانة جديدة للمعرفة ، ومنطق هو في نفس الأمر قواعد العقل الكامل التي هي آمال وانتظارات الفكر البشري. وهل يا ترى أمكن البشرية أن تقبض على كمال العقل ومنطقه؟ لقد كافح الفلاسفة وناضلوا من اجل استقراء ما أمكن من أصول التفكير الصحيح ومعياره الذي سمي منطقا، لكن البشرية عاشت دائما تحت سطوة مناطق كثيرة وليس منطقا واحدا، وهذا يؤكّد على أنّ المنطق هنا هو بعدد الأهواء والمصالح، وأنّ ثمة معايير شتّى للحقيقة.

ومهما حاول بعض المناطقة أن يدعوا بأنّ ما بين أيديهم هو بالفعل معيار العلم، فإنّ ذلك مبالغة يفضحها تمرّد العقل الذي يجد فسحته التعبيرية في جنون اللغة أو ما بدا هامشا للعقل. لقد اكتسبت بعض أشكال الأهواء سلطة منطقية وانتظمت في المنطق وباتت ناظمة للمعرفة وتحولت إلى قواعد تساس بها الحقيقة ويقوّم بها الصواب، في عملية اختراق تاريخية للمنطق من قبل أهواء متحايلة، بينما في غير المنطق تتمرد الأهواء والغرائز وتعبر عن نفسها بصراحة ولا تحتاج إلى مخاتلات أهواء المنطق ونقائضه. فالصراع في جانب منه يقوم بين أهواء اكتسبت صفة المنطق وأخرى ظلت من دون قناع على توحشها القديم، وتلك هي مأساة العقل البشري.

ولا يصار هنا إلى القول باستحالة القبض على معيار العلم الذي ما زال يعاني من الاختراق، فالأهواء تنتشر في أجواء الحقيقة التي تقدم نفسها اليوم بنقاء أقلّ، بينما اتسع الهامش لينقض في حركة تمرد عالمية على تمركز معيار اقتحمه الزيف فعاد معايير تقدحها المصلحة. وهذا يحدث في الدين والدنيا معا. فاليوم تتسابق المقاصد التي هي معيار التشريع ومنطقه إلى أهواء تتسابق على منح المصالح صفة الشرع. فالكذب على التاريخ وعلى الحقيقة هو أولا وقبل كل شيء كذب على العقل. لقد أضاعت البشرية أو على الأقل تناست معيارها القديم والنابض بالتمرد على الحصر المعرفي وزيفه، أعني المعنى الأبعد للقلب الذي عجزت كل منظومات الزيف أن تحتويه في أنظومة واحدة أو بلوغ حقيقته. فالقلب هو الذي حرس المعنى والحقيقة وقاوم الزيف المتمظهر في معايير مختلفة..القلب أكبر من العقل: هذا الأخير هو نوبة من نوبات القلب. ونقصد بالعقل هنا العقل المنظوم الذي عاد لينظم العالم وفق نظامه المخترق..عقل أداتي يزداد يوما بعد يوم عقما ولا يحسن إلا الاعتراف بهزائمه..إنّ معيار العلم مازال في طفولته وغبائه..وهو في الحقيقة خدعة تاريخية كبرى..وهكذا مازلت أمنح الفلسفة والشعر الكثير من الأهمية على المنطق لأنهما ميدان لميلاد الأفكار والمفاهيم الجديدة التي تربك نظام المنطق ومعاييره بل تفرض عليه الاعتراف بمفارقاته اللاّنهائية..ليست الأفكار هي سبب الحيرة بقدر ما هي تلك الأهواء التي اكتسبت صفة أصول المنطق. إنها أراجيز السّلطة المعرفية التي تسند كل أنواع التسلط الذي يرهبه التدفّق الحيوي لمعرفة يصنعها تفاعل القلب مع الحياة ومع الواقع ويقيدها العقل لأسباب تتعلق بالمصلحة لا بالعلم. من لا يدرك هذه النكتة سيذهله ما يجد من مفارقات العصر الذي هو مجال لتمركز الحقيقة إلى جانب هامش زاده التهميش تراكما وتضخّما حتى بات يصنع بدائله خارج سلطة المركز..إنّ القلب الذي رمى به المركز إلى الهامش يستعيد إمكانياته للإطاحة بمركز بات يعاني من خواء المعنى..من مزبلة الهامش يستعيد القلب جرأة الانبعاث من جديد لتنظيف معبد الحقيقة والعقل في بعده المنسي أو المهرّب في مفاهيم الفلاسفة وقصائد الشعر، حيث المعايير عميقة والحقيقة تحضر من دون اكتساب..إنّ طغيان الكسبي على الحضوري تعدّى حدوده، وبات من الضروري أن نعترف بأنّ المنطق يشوّش على الشهود، والكسبي يشوش على الحضوري..هي لحظة انشطار قصوى بين العقل والقلب سببت حالة فصام نكد في حياة البشر..

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي   لسنوات متتالية، ونحن نحلم بعام جديد يحمل إلينا المحبة والفرح والسلام، وكثيرة هي الأحلام التي نضعها فوق وسادتنا قبل النوم لنستيقظ بعيدا عن الحزن، ... تفاصيل أكثر
علي علي    الانتماء والولاء.. مفردتان لا يُتعِب اللسانَ لفظُهما حتى وإن تكرر آلاف المرات، وقد جبل الانسان بفطرته عليهما، إذ يقول علماء الاجتماع ان لكل ... تفاصيل أكثر
علي علي    ها قد احتفل العالم بأعياد رأس السنة، كل بما أوتي من قوة وتعبير وطريقة، وها هي الأمم تستذكر من عامها المنصرم أجمل الأحداث، ... تفاصيل أكثر
علي علي     ارتأيت أن يكون عنوان مقالي اليوم بلغة غير لغتي الأم، ولغتي الأب، ولغتي الأخ، ولغتي الصديق.. لغتي العربية. وما حذوي هذا الحذو ... تفاصيل أكثر
علي علي     أذينان وبطينان، أربعة تجاويف لاتتجاوز بالحجم قبضة كف، غير أن لها سطوة على سائر أعضائنا، لذا فقد امتلكت الصدارة والعليّة على الجسد ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عــلــي شــايــع ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر