ضغوطات دولية على العراق لإلغائه أو تقييده كيف يستقبل المجتمع العراقي الذي يعاني من الإرهاب قرار إلغاء الإعدام؟

عدد القراءات : 5561
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ضغوطات دولية على العراق لإلغائه أو تقييده كيف يستقبل المجتمع العراقي الذي يعاني من الإرهاب قرار إلغاء الإعدام؟

أقامت الشبكة الدولية للقانون الدولي وحقوق الإنسان مؤتمراً بشأن مناهضة عقوبة الإعدام بحضور عدد من منظمات المجتمع المدني في العراق لمناقشة هذا المشروع المثير للجدل والتوصل إلى مقررات مقبولة من جميع الأطراف. ولتوضيح جوانب هذا المشروع المطروح على الساحة توقفنا مع الدكتور كاظم البيضاني رئيس منظمة المنقذ لحقوق الإنسان ممثل الشبكة الدبلوماسية في العراق الذي قال «إن الحملة الدولية التي أطلقتها المنظمات ذات العضوية في المجمع الدولي والتي هي راعية ومشرفة على الحملة التي تنفذ بالعراق وفي دولٍ عربية عدة وفي دول الشرق الأوسط ما هي إلا استجابة لتحديات نشعر بها كحقوقيين كونها تتناول حياة الإنسان لذا جاءت الحملة لإلغاء أو تقييد هذه العقوبة خصوصاً أن هناك دولا أوربية حدت من هذه العقوبات وحتى على مستوى الدول العربية مثل الجزائر وتونس التي قيدت مثل هذه العقوبات رغم وجودها كنص في منظوماتها القانونية». وتنطلق هذه الحملة في العراق وفي ست دول أخرى في سعي حثيث لتشكيل لجنة من الناشطين والمنظمات الدولية تكون لها حصانة من الأمم المتحدة تقوم بطرح مشروعها ومقترحاتها وتمارس الضغط على الساسة وأصحاب القرار لأجل وضع تشريعات جديدة وتغيير المنظومات القانونية بالشكل الذي يتماشى مع الذوق الدولي في المنظومة الجنائية الدولية الميال إلى قضية الإصلاح في الجوانب الجزائية أكثر من تنفيذ الحكم الجزائي بمفرده وهذا التوجه نلمسه حتى على مستوى العالم، حيث ابتدأ نقاش الجوانب الجزائية من حيث مساهمتها في إنضاج الفرد أو إعادة تأهيله في المجتمع فيما بعد العقوبة. وهذا هو واحد من منطلقاتنا على مستوى العراق والعالم العربي.

الحقيقة - نهضة طه الكرطاني

 

* كيف جاءت فكرة إقامة هذا المؤتمر؟  

- تم التنسيق بين الشبكة الدولية للقانون الدولي وحقوق الإنسان مع الأمم المتحدة ومؤازرة منظمات وهيئات المجتمع المدني خاصة محكمة العدل الدولية ومنظمات المجتمع المدني وأصحاب القرار في الدول الأفريقية والدول العربية والهيئات المختصة في جامعة الدول العربية، وهذه الجهود تتضافر كلها سواء أ كان مع الحكومات أم مع الجهد المدني الحقوقي في البلدان لإلغاء هذه العقوبة أم على الأقل تقيدها في مواضع محددة جداً.  

* هل سبق توجهكم هذا توزيع بيانات أو استمارات على منظمات المجتمع المدني الموجودة في البلد بوصفه موضوعاً مثيراً للجدل؟ 

- المؤتمر هو بداية انطلاق الحملة فقط لكن في المرحلة المقبلة سيكون لدينا مجموعة من الفعاليات والأنشطة ومجموعة من الحملات التوعوية التي تخاطب الجمهور بكل أطيافه ومستوياته خصوصاً أنه موضوع جدلي يتقبل أكثر من رأي وتفسير وهناك اختلافات في وجهات النظر بالنظر له.. فإذن نحن بحاجة إلى ثقافة مجتمعية كي نتقبل هذه المسألة. إذ إننا نفتقر إلى التنشئة عكس بقية الدول التي اعتمدت هذه الفلسفة في نظمها التربوية بينما نظامنا التربوي يبتعد كلياً عن كل ما يشير إلى هذه المفاهيم. 

* وفيما يتعلق بالجانب الحكومي؟   

- نحن كمنظمات ومؤسسات مجتمع مدني لا نمتلك القدرة على إصدار القرارات والقوانين بل نمتلك السلطة الاقتراحية فقط ،وعلينا أن نقدم مقترحات بهذا الاتجاه ونذكر أن التجربة العراقية يجب أن تتماشى مع التجربة الدولية فيما يتعلق بهذا الموضوع.

وبالتأكيد ليست كل المنظمات الموجودة اليوم في العراق هي بمستوى اقتراح وتعديل القوانين، بينما بعضها يمتلك مهارات تفوق مهارات مؤسسات دولة معنية بتطبيق القانون وتشريع القوانين أفضل مما تقوم به مجالس المحافظات. وقد قدمنا مقترحات لكن للأسف العقلية الحكومية لم تستوعب الجهد المدني على أنه جهد ممكن أن يبني الدولة الحديثة على أساس الشراكة، بل بالعكس تنظر له على أنه جهد معارض وبموجب هذه الفلسفة حاولت الجهات الممسكة بالسلطة تضييق الخناق على المنظمات وإيجاد المعوقات بوجه العمل المدني المخلص الذي يهدف إلى بناء دولة ديمقراطية.

وبرغم التحديات فقد قدمنا قوانين ومقترحات واستراتيجيات لخطط طويلة الأمد لبناء الوطن ومعالجة الكثير من الأمور القطاعية بشكل مهني وقانوني. وقدمنا تقارير ظل للأمم المتحدة تم اعتمادها وألزمت بها الحكومة العراقية مما يدل على أن هذه المنظمات تعمل بمهنية وتستطيع أن تشخص إذا ما توفرت لها الأجواء بعيداً عن السلطة فتكون قوة اقتراحية تقدم القوانين بشكل مجاني. 

وفي أثناء وقائع المؤتمر احتدم الجدل وتضاربت الآراء والمقترحات بشكل تميز بتناول الموضوع من جميع جوانبه.. فتحدث الدكتور موسى عزيز البدري عضو رئاسة تيار نداء الرافدين  بوصفه أستاذاً في العلوم السياسية وقال أن الدول الأوربية هي التي تبنت هذا الاتجاه في سبيل المثال النمسا التي ألغت عقوبة  الإعدام عام 1950 والسويد عام 1921 وهولندا عام 1870 والدنمرك عام 1925 والنرويج عام 1901 والهند عام 1930 بينما نجد في القانون العراقي أن 120 مادة تنص على عقوبة الإعدام وهذا بحد ذاته كارثة قلصها الحاكم المدني بريمر إلى 45 مادة وحالياً فقط 3 مواد قانونية معمول بها.

بينما الدكتورة شيماء التميمي من منظمة المنقذ قالت أن الكثير من الأرواح أزهقت وتعرض الكثيرون للاختطاف والسلب والنهب وهنا يطرح سؤال هل نحن حالياً مهيئون لإلغاء عقوبة الإعدام علماً أن جميع الأديان تؤكد على عقوبة أي إنسان يعمل بأي جرم حتى لو كان بسيطاً؟.   

وأضافت السيدة وداد الزبيدي من منظمة فينوس فرع صلاح الدين قولها أنا لست مختصة بالقانون ولكن بحكم التجربة التي عشناها في بلدنا ووضع العراق الحالي منذ 2003 أو ليس لنا الحق كمنظمات مجتمع مدني بهذا العدد الهائل أن نكون أصحاب هكذا موقف لوقف حالة الإعدام في العراق، قانوناً وكأبناء بلد بكل ما تعرضنا له من قتل وتهجير واستبداد وغياب القانون وفقداننا لأبنائنا وأموالنا وبلدنا بشكل عام مما يحتم أن نؤثر من أجل إقرار هذا القانون وهو ما يتطلب منا التآزر كمنظمات مجتمع مدني. 

الحقوقي فاضل حميد ركز على ضرورة نشر الثقافة القانونية عن طريق المدارس والكليات ونشر ثقافة مفهوم سيادة القانون لغرض الحد من الجريمة وعقوبة الإعدام خصوصاً ونحن محكومون بأعراف عشائرية ويجب العمل على ردع هذه الأعراف.

بينما كان رأي السيدة شعوب مغايراً حينما قالت نحن في مجتمع غير مستقر من جميع النواحي ومن ناحية أخرى فإن أكثر القوانين معطلة وغير مفعلة وفي هذا الوضع لا نستطيع أن نوقف حكم الإعدام لأنه قرار يجب أن يعمل بالتدريج وليس بالقطع الحاسم مما يولد فعلا ورد فعل فلا يتقبله المجتمع. 

وعقب الدكتور عباس فرناس الأكاديمي والإعلامي بقوله «كلنا نطمح إلى تحقيق الحلم في بناء مجمع يسوده الإخاء والسلام والتعايش الإنساني واحترام قيمة الإنسان العليا بوصفه خليفة الله على الأرض وحياته هي هبة الله ولكن تحقيق هذا الحلم يحتاج إلى جهد لأننا نعيش في مجتمعات مليئة بالموروث السلبي ونحتاج إلى وعي ونضج بالقيم والمفاهيم ونضج في السلوكيات لتصحيح الماضي وإشكالياته وتراكماته التاريخية والمنظومة السياسية فيها اختلالات كبيرة فيما يختص بحقوق الإنسان تتطلب إعادة تنشيط الوعي وإعادة تنشيط الذات ومنظومة القيم وتغيير أنماطنا وسلوكياتنا حتى يفهم الجميع لماذا نريد أن نلغي عقوبة الإعدام مع كل ما يروج لها من الناحية الشرعية والقانونية والأخلاقية والمجتمعية والإنسانية». 

الحقوقي كامل أمين أجاب عن بعض التساؤلات التي وردت خلال المؤتمر موضحاً أنه فيما يخص خارطة الطريق والجهد المدني فإنه يحتاج إلى سنوات بسبب وضع العراق الصعب وعلينا أن نبدأ به من الآن وأول هذه الخطوات هو تضافر جهود منظمات المجتمع المدني لضمان عدم تضمين القوانين الجديدة التي تشرع لعقوبة الإعدام لكي لا تكون عقوبة ثأرية. أما فيما يخص الهجمة الدولية على العراق فيما يتعلق بعقوبة الإعدام فهي ليست قضية عدم انضمام العراق إلى البروتوكول الثاني وإنما هو الطعن في عدالة المحاكمات ووجود تصور بأن مثل هذه المحاكمات تجري خارج إطار المحاكم ومن محاكم عرفية وهي واحدة من مشاكل استغلها السياسيون في خلط الأوراق والقول بأن العراق لا يقدم الضمانات القانونية لحالات الحكم بالإعدام وهنا تبرز مسؤولية منظمات المجتمع المدني في ضرورة توضيح هذا اللبس. أما فيما يخص الإطار القانوني المحلي والدولي، فإن العراق ليس عضواً بالبروتوكول لذا فهو غير ملزم بعدم تضمين قوانينه لإلغاء عقوبة الإعدام خصوصاً أن الإعلان العالمي لم يحدد ذلك بشكل واضح وصريح. 

وأما فيما يخص الأحداث عند إثبات وقوع جريمة فالعراق ملتزم بإيقاف عقوبة الإعدام. وفي السنن العشائرية ليست جميعها تصدر فيها أحكام بالإعدام ولا يمكن أن نستبدل حالات الثأر بالإعدام، بل إن العشيرة والأحكام العشائرية نظمت عملية الثأر. وقد ازداد دور العشائر بسبب  غياب الأمن وضعف تطبيق القانون مما أدى إلى أن ينهض دور العشيرة والفصل العشائري والقصاص.

الحقوقي فلاح الياسري قال إننا كمجتمع  مشكلتنا الكبيرة تتمثل بالإرهاب ونعتقد أن واحدة من سبل إنصاف عوائل الضحايا وجبر خواطرهم هو عقوبة الإعدام لمرتكبي الجرائم، وأولى خطواتنا هو أن نوقفها عملياً بعد انتهاء العمليات الإرهابية والقضاء على الفكر التكفيري المؤدلج، أما في المرحلة الحالية فإن وضع العراق يجعله ساحة صراعات فكرية وأطر قانونية متضاربة ومداخلات سياسية وصراعات اجتماعية تجعل من الصعوبة حسم هذا الموضوع. 

وكما هو معروف فإن هناك عوامل عديدة تتحكم بفرض عقوبة الإعدام في كل بلد وهناك محددات كثيرة منها نوع الجريمة ووقتها والفئة التي تم تنفيذ الجريمة بحقها وما رافقها من فعل وغيرها من أمور تدخل في فلسفة الجريمة والعقاب وعلم الإجرام. ولهذا فعملية إلغاء قانون الإعدام يحتاج الى الكثير من الخطوات التي تسبقه مع وجود الكثير من الجرائم التي تحتاج إلى إعادة نظر وهناك بعض الأمور فيها إجحاف أيضاً تحتاج إلى إعادة النظر في قوانينها..

وهنا يبقى موضوع نشر الوعي بالقانون والتهيئة لإلغاء قانون الإعدام ضروريا خصوصاً مع كل الطبيعة العرفية والعشائرية للمجتمع العراقي الذي تأثرت بنيته الاجتماعية بالحروب المتوالية منذ نشوء الدولة العراقية. وعلينا كمنظمات مجتمع مدني وهيئات قانونية عاملة في مجال حقوق الإنسان أن نعمل مستقبلاً وأن نهيء الأرضية الصالحة لتحقيق هذا الحلم. 

نحن ما زلنا نراوح في مكاننا ولا نعرف هل نحن مجتمع مدني أم إسلامي أم ديمقراطي وما زلنا لم نحدد توجهنا وهويتنا ولم نحدد وجهتنا إلى أي نظام كي يكون سهلاً تغيير المفاهيم والرؤى لقانون مثل الإعدام في المجتمع العراقي بما شهده من تغيرات عنيفة وشائكة؟!. 

أما ما هو البديل، إذا توجهنا لتغيير المنظومة القانونية فإن الحلول البديلة متاحة أكيد مثل السجن مدى الحياة أو السجن المؤبد أو السجن مع الأشغال، وتكون مسألة القناعة بهذا البديل،  هي في مدى إمكانيته للردع والقناعة في توقيت استبدال الأحكام في الوقت الحالي أو بعد خمسين عاماً. فالدول التي أوقفت عقوبة الإعدام هي أنظمة ديمقراطية مستقرة، وشعوبها مثقفة ومنتجة وهي على دراية بكيفية إعطاء صوتها للناخب الذي يستحق بينما مجتمعنا يحتاج إلى 30 أو 40 سنة لكي يتعلم ما له وما عليه!. فتغييب القوانين والتشريعات نتج عنه بروز وتمدد سلطات خارج القانون مثل سلطة العشائر المتحكمة التي لها اليد الطولى ويسمو ما ترتأيه فوق القانون، وهذا واحد من أسباب تراجع السلطات القضائية والتنفيذية. وهنا قسم الشعب إلى قسمين شريحة ينطبق عليها القانون وشريحة فوق القانون، وهذا شيء مؤسف لم يحدث حتى في الدول البدائية وليس في دولة بعمر وإرث وتاريخ وحضارة العراق، الذي يمتلك إرثا قانونيا ما زال مفخرة لكل العالم، بينما على مستوى الواقع نشهد تراجعات خطيرة، الأمر الذي أثر بشكلٍ أو بآخر على حياة المواطنين ومسألة رسم حقوقهم والحفاظ عليها. 

وفي نهاية فعاليات المؤتمر وزعت على المشاركين والحضور وثيقة مناهضة الإعدام ليجري التصويت عليها وإبداء الرأي كما تم توزيع الاعتمادات الدولية على الجهات التي حصلت على موافقة الانضمام للعضوية الدولية في الشبكة الدبلوماسية بعد استيفائها لشروط الانتماء.  

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين فوزي ... تفاصيل أكثر
د . قيس العزاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر