الخصومة بين الماركسية والوجودية

عدد القراءات : 395
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الخصومة بين الماركسية والوجودية

لم تحظ فلسفة في التاريخ الحديث بالنقاشات المستفيضة والتحديات والمعارضة والموافقة مثلما حظيت به الفلسفة الماركسية التي اطلق عليها(فلسفة القرن العشرين) مثلما اطلق عليها فلسفة الحاضر والمستقبل. لقد تحملت الفلسفةالماركسية لواء الاعتراض عليها من الكثير من الفلسفات وما زالت ومنها الوجودية الفرنسية التي أنشأها سارتر .فقد وقفت هذه الفلسفة مواقفا متباينا ولكنها اسلمت للفلسفة الماركسية العنان في اخر المطاف عندما تبين لسارتر وجماعته خطر افكارهم وارائهم—ولعل دراسة جورج لوكاش الماركسي المجري في السنوات الاخيرة تعتبر من افضل الدراسات التي ناقشت هذا العداء والتأزم بين الوجودية والماركسية ومن خلال كتابه المهم(ماركسية ام وجودية)(1)

ماجد كاظم علي

 

لقد جاءت هذه الدراسة لنقد اقطاب الفلسفةالوجودية(هيدجر/سارتر/ميرلو يونتي/وسيمون دوبوفوار).

ان الخصومة بين الماركسية والوجودية هي خصومة بين البروليتارية والبرجوازية ومدى تقارب وابتعاد احداهما عن الاخرى.

يقول لوكاش(ان الخصومة بين الماركسية والوجودية هي خصومة عقائدية خاصة بمرحلة الامبريالية—انها مسألة صدام بين فكرين احدهما مادي والثاني مثالي—انه صدام بين خطين/هيغل وماركس اللذين يمثلان الماركسية وشيلنغ وكيركغارد اللذين يمثلان الخط المثالي الذي لم يستطع ان يقف امام الفكر الحديدي لهيغل وماركس ولم يستطع مد تأثيره—وان موته مؤكد في مهده بينما الماركسية تنمو وتنتشر وتملأ عقول الشباب وتتدخل في اعماقهم).

ان سارتر حينما يتكلم عن الايمان والدين فإنه يقول بكل صراحة( حين نتكلم عن الهجران فإننا نقصد بذلك فقط ان الله غير موجود وانه ينبغي ان نستخلص من ذلك النتائج الى مداها الاقصى)(2).

اما رترو افونتين الكاثوليكي فيرد على سارتر كما ردت الماركسية من قبل على مثاليته الملحدة بقوله(الف سارتر معظم كتبه في المقهى والحجال ماذا يمكن ان يكون انسان لم يبلغ من العمر اربعين عاما ومع ذلك يتردد على المقهى بدون بيت –بدون اسرة—لااصدقاء والحب يفعله مع من يصادف من النساء)(3) ويعني ان سارتر لم يكن سويا او مستقرا والمقهى في باريس غير المقهى عندنا فهو يقدم النساء على طبق من ذهب كما يقدم مختلف المشروبات الكحولية والطعام.

(ان الكثيرين  يتهمون سارتر بان فيه مس من الجنون لانه مخدر دائما—ولهذا اختار المقهى مركزا دائما له)(4) لقد فند لوكاش الكثير من الادعاءات الوجودية بشأن الماركسية(ان البرجوازية ذكية ولهذا عندماشعرت بتهديد الزحف المتقدم للمادية التاريخية ومن ورائها البروليتارية العالمية ،حاولت ان تصد هذا الزحف باختراع/اشتراكية خيالية/ مهمتها الوحيدة الوقوف امام مستقبل الماركسية)(5) ان الموقف التاريخي للوجودية هو بأن الوجودية الاصلية التي تفرعت عنها الوجودية الفرنسية اعني وجودية هيدجر انما كانت فلسفة ممهدة للفاشية التي امن بها هتلر  ودمر بها العالم واحدث خللا فيه بمقتل اكثر من خمسة وعشرين مليونا من البشر وتعويق خمسين مليونا اخرين.

ان لوكاش يستغرب كيف ان الوجودية لم تصف بعد تصفية الفاشية(حكم هتلر).

لقد حاول الكثيرون ان يبقوا الوجودية كاحتياطي لمحاربة الماركسية.ان  الوجودية تلعب دورا احتياطيا رجعيا لمصلحة البرجوازية—رغم انها تنادي بحرية الفرد،ولكن اية حرية هذه التي تسحق الفرد في النظام الرأسمالي—بحيث لايجد الدواء الذي يمكنه من العيش او الغذاء او الملبس او المسكن الذي يقيه غائلات الايام كما تفعل الفلسفة الماركسية من توفير مايحتاج لكل افراد الشعب بدون استثناء؟!.ان الفجوة كبيرة بين العمل والانجاز من جهة وبين القول والوعود من جهة اخرى.

ان الماركسية تقدم عالما خاليا من القتل والعنف—عالما لاتمتهن فيه كرامة الانسان وهي مسؤولة عنه من البذرة الاولى في رحم امه وحتى مماته فهي تكفل له الحياةالحرة السعيدة—تعتني به في مرضه وعوقه—فماذا فعلت الفلسفة الوجودية وماذا قدمت غير اللغو الفارغ المثالي البعيد عن الواقع—كهواء في شبك؟!

ان الماركسيين يعلمون جيدا ان وظيفة الفلسفة ليست هي نظرية خالصة بل ان مهمتها ان تنير العمل لتستنير به وتسير عليه وتحقق غاياتها في المجتمع الاشتراكي الماركسي الموحد.

 هنالك نوعان من المادية هما:

1 -المادية الجدلية.

2 -المادية الميكانيكية.

لذلك فإن المادية الجدلية لايمكن ان توضع بأي حال من الاحوال جنبا الى جنب قرب المادية الميكانيكية—ورغم ان سارتر قال: ان الفلسفة الوجودية جاءت على حطام الفلسفة الماركسية ،وانها تستطيع ان تعوض عنها وتكون بديلا لها،لكننا نجد العكس تماما من ادعائه هذا،لان الفلسفة الوجودية مازالت في مرحلة الحضانة ولم تستطع ان تجاري الفلسفة الماركسية او تقف ندا لها، رغم كل الادعاءات،ولم يؤمن بها شعب من شعوب العالم او تستطيع ان تقدم بديلا للواقع المر الذي تعيشه الشعوب، كما لم تستطع ان تقيم حكما في اية بقعة من بقاع العالم يسترشد بها ،كما لم يؤمن بها الا بعض الشباب هنا وهناك في بداية مراهقتهم وما ان يتزوجوا حتى يكفروا بها لانهم يجدون ان متطلبات الحياة التي يعيشونها هي عكس ماامنوا به فتركوها بدون رجعة— كما انها سرعان ماماتت بعد موت رائدها جان بول سارتر ورفيقته سيمون دوبوفوار- ان التاريخية تظل التفسير الوحيد الصالح للتاريخ،ولم تستطع الوجودية في وقت ما رغم كل الهالة المصطنعة التي احيطت بها من لدن البرجوازية ورغم الغذاء الكثير الذي غذته بها الاخيرة وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية للتخلص من

الماركسية، فانها ظلت مثالية لم تستطع ان تقترب من الواقع المعاش وتفرض شروطها عليه كما فعلت الماركسية.

لقد كان ظهور ماركس في المانيا قد قطع الطريق على كل مااشار اليه كيركيغارد ضد هيغل واخيرا جاء فشله الكبير، فهل استطاع سارتر ان يفعل مافعله كير كيغارد بهيجل ضد ماركس ؟.لقد بقي ماركس راية خفاقة تستنير بها العقول في كل ارجاء العالم ويجد بها المستضعفون الحلم الواقعي الذي يحتاجون اليه من اجل حياة افضل لواقعهم الذي وجدوا فيه انفسهم،رغم الهجوم الكبير الذي شنه سارتر على ماركس والماركسية لكنه لم يستطع النيل منهما لانه لم يستطع ان يقف على الارضية العلمية والتاريخية الصلبة والتي وقف عليها ماركس.ورغم كل وسائل الاعلام التي وفرت للوجودية والحرية الكبيرة التي تمتعت بها وعلى العكس من ماركس الذي حورب حتى في بلده المانيا وصودرت حريته وطرد من عدة دول اخرى قصدها ان سارتر لم يستطع المضي في محاربته للماركسية، ويؤكد فلسفته التي كانت مثيرة للجدل والحادة وتزمته المبالغ فيه فقد انهزم بعد احد عشر عاما من نشر(المذهب المادي والثورة) فأخذ يطالب بدمج الوجودية بالماركسية بعد ان فشل في انتقاداته اللاذعة للفسفة الماركسية.لقد اخذ يتخبط ويغير قناعاته ومواقفه ويغير اسس المذهب الوجودي الذي اوجده في فرنسا.فمرة يلوم الماركسيين المعاصرين عن استغنائهم عن دراسة الوجود الانساني بتأكيدهم على قانون ديالكتيك الطبيعة ومرةيعود ليؤكد صلابة الافكار الماركسية الاصلية وتعارضها مع الافكار المعاصرة (امن المادية الديالكتيكية،اي الماركسية،تصر على ان الطبيعة تخضع لقانون الجدل خضوع التاريخ له، ذلك ان ماركس قد قال انه عندما يتوقف جدل التاريخ بانتهاء الصراع الطبقي وقيام المجتمع الاشتراكي اللا طبقي فإن ديالكتيك الطبيعة سيستمر)(6).

ولم يقف ماركس هذا الموقف وحده انما ايده انجلز ولينين الذي كان اشد حماسة بصدد فانون ديالكتيك

الطبيعة. لقد قرر سارتر اخيرا ان يكون رفيق درب  الشيوعيين رغم انه قال ان اتفاقه مع الشيوعيين انصار السلام والديمقراطية لم يؤثر بشيء على حريته في الحكم والنقد.

ان سارتر الذي اصدر دراسة بمئة وعشرين صفحة تحت عنوان(شبح ستالين) يفصح فيها حسب رأيه التصلب الذي منيت به الماركسية على يد الستالينيين.فقد بدا سارتر في دراسته هذه انه اكثر ماركسية من الماركسيين.

ان الفسفة كما هو معروف تولد من التطبيق لتنيره ولكن سارتر الذي ظل يتخبط بين العداء المطلق للماركسية والاتفاق معها افقد الفلسفة الوجودية لمعانها وبريقها فتهافت الشباب عليها لما امتازت به في بدايتها، وبذلك دق الاسفين في نعشها،فماتت مبكرا وما ان مات  سيمون دوبوفوار ماتت الوجودية، شأنها شأن الكثير من الفلسفات والاحزاب التي تموت بموت مؤسسها، ولكن الماركسية ظلت راية خفاقة تنير الطريق للاجيال.

*************************

 

المصادر

1/جورج لوكاش/ماركسية ام وجودية/ترجمة جورج طرابلسي/دار اليقظة العربية/دمشق/سوريا/صفحات مختلفة

2/جان بول سارتر/الوجودية مذهب انساني//دار المعرفة/ص33/34

3/ر/تراوا فونتين/اختار جان بول سارتر/ص50

4/ر/تراوا فونتين/هل سارتر ممسوس/ص29

5/المصدر السابق/ماركسية ام وجودية/ص61

6/جورج طرابلسي/سارتر والماركسية/دار الطليعة/بيروت/ص127

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

هشام السلمان ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبدالامير المجر ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين وسام ... تفاصيل أكثر
خال حسين سلطان ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
مصطفى عامر الشويلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نوزاد حسن ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
عقيل حبيب ... تفاصيل أكثر