جماليات الإبداع .. بين الحاج زاير وريسان الخزعلي

عدد القراءات : 387
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جماليات الإبداع .. بين الحاج زاير وريسان الخزعلي

لفته عبد النبي الخزرجي 

 

الحاج زاير..كان وما يزال يشكل مادة بحثية خصبة،فلم يحصل ان استقطب شاعر شعبي، هذا الإهتمام وهذه الإفاضة في التنقيب عن مجريات حياته وشعره وإبداعه ومسيرته ومساجلاته. "إن حاج زاير سيظل محل اخذ وجذب وسيتواصل ويستمر البحث طويلا، لان الشاعر بات يشكل مادة بحثية مستمرة " وحيث "ان معظم الكتابات السابقة عن الحاج زاير لم تكن لتلقي الضوء على جماليات إبداعه في هذا اللون الشعري " كذلك كانت " تلك الدراسات " منقوصة وغير موضوعية لانها "لم تضع اليد على العناصر الجمالية في شعره ". ورغم ان تلك الدراسات التي تناولت الشاعر و مسيرته الشعرية وعطاءه الثر في مجال الشعر بانواعه والوانه، لكنها لم تتمكن من " تحديد ما هو الجمال في شعر الحاج زاير " 

ورغم ان " الحاج زاير شاعر، وشاعر متواصل الحضور" إلا ان " مصادر دراسة الحاج زاير قليلة جدا " ومع هذه القلة وهذه الندرة.. في الكشف عن مكنونات ومخزونات هذا الشاعر العملاق وما قدمه من عطاء شعري متنوع وفي ابواب الشعر المتعددة والوانه الباذخة، ورغم تباين الآراء وتنوعها.. لكنها لم تضع اليد على العناصر الجمالية في شعره كما يقول الباحث ريسان الخزعلي في كتابه (رنين الوتر الفراتي) الصادر عن دار ميزوبوتوميا للطباعة والنشر والتوزيع.وهو محاولة متميزة من الباحث لولوج عالم الشاعر الحاج زاير والغوص في تبيان الروافد التي كانت النبع الذي استظل به الحاج زاير كثيرا، مع ما يشكله هذا البحث من اضافات في إعادة قراءة الشاعر.. وإيجاد السبل التي تأخذ بالاعتبار.. تسليط " بعض الاضواء على الحاج زاير من خلال حياته في الشعر " وليس الالمام بجوانب حياته وشعره ومسيرته ونتاجه "في محاولة لكشف العناصر الجمالية واطرها الفنية " لان تلك العناصر الجمالية التي استقطبها الشاعر الحاج زاير خلال مسيرته الشعرية " تشكل السر الذي يكمن في تواصل حضور الحاج زاير بيننا كشاعر مستمر"  وهناك من ينظر لشعر الحاج زاير.. نظرة قاصرة او منقوصة ومبتورة...فقد وصف السيد عامر رشيد السامرائي... الباحث المعروف..شعر الحاج زاير " بالركة والضعف وخاصة جانب الهجاء" الذي شكل حاضنة موفورة استخدمها الشاعر حاج زاير لهجاء البعض، وقد اعتمد في "هجائه اعتمادا واضحا على الألفاظ النابية والبذيئة ".

 فلو صدقنا ان ذلك الشعر الذي كان يترنم به الحاج زاير في المناسبات.. شعر هزيل او بذيء.. وذو الفاظ نابية كما يقول الباحث.. لما حظي بهذا الاهتمام والإنشداد لشعره وخاصة لدى اصحاب الدواوين والمجالس والمنتديات الشعرية والادبية وجمهرة غفيرة من الباحثين والمهتمين بالأدب الشعبي. ثم ان الباحث يضيف "الإرتجال الشعري ظاهرة لا تتوفر الا عند اشخاص معدودين وعلى نحو محدود النطاق.. ولذا يشار اليهم بالبنان والاعجاب، وواضح ان الحاج زاير كان من الذين اوتوا بعض الحظ في هذا المجال". وهذا بحد ذاته إقرار صريح بما يمتلكه الحاج زاير من مواهب لا حصر لها وإرتجال الشعر بعض من تلك المواهب.. كما ان سرعة البديهية الشعرية، هي الاخرى تدلل على انه يتوفر على خزين شعري وافر وابداع فني غاية في المتانة والجزل.. وهذا ما يقوله الكاتب "جواد شبر" وهو يكتب مقدمة لديوان الحاج زاير (في الحاج زاير اللطافة والإحساس الدقي، والمتانة العربية والكلام الجزل) ويشير كذلك الى ان "شعره كان شبكة يصطاد فيها كل خلجة نفسية فصار شعره يجاري كل وقت وعصر ".

 ومع هذا الجدل الذي يدور حول شعر الحاج زاير.. وكما قال المتنبي:

انام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم

فإن الشاعر يظل موضوع جدل بين من ينظر للشعر الشعبي من زوايا ضيقة، وبين من يدرك صنعة الشعر ومعاناة الشاعر وهو يصوغ قصائده ليشبعها افكارا واحساسا وابداعا وفنا وجمالا. وبينما يؤكد السيد عامر رشيد السامرائي.. على ان الحاج زاير قد اشتغل ونظم "في الموال والابوذية والميمر والقصيدة والدارمي وهذه هي الفنون الشعرية الشعبية الذائعة في الفرات الاوسط. ونظن ان ما احتواه ديوانه لا يمثل كل شعره". فإذا كان هذا الكم الوافر من النظم في ابواب الشعر المتنوعة والمتعددة.. وذلك العطاء الثر في منافذ الشعر الشعبي وفنونه لم تمنح الشاعر المكانة التي يستحقها عن جدارة وتفوق..." وهذا الشاعر الشعبي على اميته وسفاهته وبذائته وتسكعه كأكثر شعراء العامية... يعتبر في العشرينيات اميرا للحسچة بلا منازع ". وهذا بطبيعة الحال وعندما نقرأ الحاج زاير نشعر، ان الأصالة والإبداع والتفرد.. سمات أساسية وجوهرية في شعره وفي نظمه وفي الألوان الشعرية التي ابدع فيها... ونلاحظ ونميز جماليات إبداعه... وسمو معانيه وسلاسة مفرداته الشعرية التي يقتنصها من محيطه الزاخر بألوان الحكم والامثال الشعبية والجناسات المتفردة.

فبينما يحظى الشاعر الحاج زاير بقدر وافر من الاهتمام والتميز والتفرد في عطائه والوانه الشعرية المتنوعة وابداعه وثرائه وقدراته الشعرية الواضحة.. نرى السيد عامر رشيد السامرائي... يخالف الجميع حيث يقول "وحين نرجع الى شعر الحاج زاير لا نجد فيه ما يميزه عن شعر الذين عاصروه،لافي الفكرة ولا في الاسلوب، كما لانجد فيه صورا بارعة وافكارا مبتكرة او عبقرية متفردة". 

 في حين يقول جامع ديوانه السيد محمد باقر الايرواني "واني في جمعي لديوانه لم اسجل خلودا للشاعر، بل هو خالد بنفسه لانه عبقري والعبقرية جوهر". كما ان الكثير من الباحثين والكتاب الذين تناولوا حياة الشاعر.. قد اعربوا عن إعتزازهم بهذا الشاعر المعطاء والمتميز في مفرداته وإنتاجه وإبداعه. فقد ذكره المؤرخ المشهور عبد الرزاق الحسني.. في كتابه (الاغاني الشعبية) في العام 1929م. وفي مجلة التراث الشعبي حظي الشاعر بالعديد من البحوث والمقالات التي تناولت جوانب من عطائه وابداع فنه وجماليات شعره وقدراته العالية وموهبته وفطرته وقريحته. فقد كتب عنه داود سلمان الشويلي ثم صادق حمودي، الذي افرد له كتابا بعنوان " الشاعر الحاج زاير الدويج..حياته، شعره، نوادره " في العام 1989م وكذلك الدكتور عبد الآله الصائغ كتب مقالا تحت عنوان " الإغتراب في شعر الحاج زاير". كذلك كتب عبد الحميد الكنين بحثا عن الحاج زاير في مجلة التراث الشعبي. والبعض يعيب على الشاعر انغماسه في الفكاهة والظرف والنكتة اللاذعة والحسچة، رغم الفاقة والعوز والحرمان التي كان يعيشها آنذاك. وهذا كان سببا في ان يسجله الباحث عامر رشيد السامرائي.. على " ان شخصية زاير الميالة الى الفكاهة بالإضافة الى الإرتجال الشعري، هي من الاسباب الرئيسية في ذيوع صيته وانتشار اسمه وتداول شعره، لا قدرته الشعرية ". ان ما يؤخذ على الحاج زاير ميله الى الضحك والفكاهة والبديهية والنكتة اللطيفة المرحة..رغم معاناة الشاعر وهمومه واوجاعه ومتاعبه الكثيرة.. إنما يدعو الشاعر الحاج زاير.. للتخلي عن الإنسان المجسد في شعره.. والإبتعاد عن الهاجس الشعري الذي تلبسه وملأ حياته وافاض عليها هذه الفسحة من الجمال والإبداع والعطاء.

 الباحث ريسان الخزعلي.. ينظر الى الشاعر الحاج زاير، نظرة جديدة، ويقرؤه بأسلوب متفرد.. ولذلك فإنه يرى ان الحاج زاير قد (تفوق في تجانسه الشعري على العديد من اقرانه من الشعراء الشعبيين المهمين مثل عبود غفلة،حسين قسام النجفي، عبد الامير الفتلاوي- وغيرهم كحصيلة لنضج إجتماعي متراكم ولمسات مبكرة في الذكاء).

 حتى ان اللغة التي كانت تلازمه في شعره " نتيجة لوعي خاص كان يدركه ربما يفوق العفوية الفطرية والطيبة الريفية، وإلا كيف نفسر نزاكة لغته ونظافتها من كل ترهلات وبساطة وغرابة وحجرية اللهجة التي كان يتداولها المجتمع الذي عاش فيه سواء كان في القرية او مع تماسات المدن ام في المدينة ذاتها ".

 ولمعرفة جماليات ابداعه " ووعيه الحاد وبراعته في الجناس، واستيحاء دلالة المثل الشعبي.. واستخدامه الصورة الشعرية التي تستوجب مدركات حسية وانشغالات ذهنية لا تساور الرجل العادي مطلقا "،لا بد ان نتعرف على ذلك الذكاء العفوي والموهبة الفطرية التي كانت النبع الصافي الذي اغترف منه الشاعر حتى اخريات حياته وعطائه الشعري.

 ولنقرأ هذا الزهيري " الموال " لنتعرف على الادوات الجمالية التي استعارها الشاعر حاج زاير، وندرك قدرته الفذة وجناساته الموشومة بعطر المحيط والبيئة والإبداع:

 يا كـعبة الــنور.. ياعــون الذي حاجبك

ويطوف بأركان خـــدك والـبدر حاجبك

جامع للاوصاف من باسل ظفر حاجبك

چتال للنــــاس لحظك... من اصل بابلي

والودك اليوم گدرته... وصفه بابـــــلي

 من نور الوصال.. ظنيتك تفك باب الي

مدريت بالبـــــاب عني حاجبك حاجبك

إن هذا التلاعب الرائع بالمفردات ورصفها بهذه الدقة المتناهية والمعاني المتماهية مع جمالية الإبداع والتواصل مع هذا الإحساس المرهف في التعبير عن الهم والمعاناة والوجع وبرهافة حسه وإبداعه وفنه. ومن علو كعبه في النظم وصياغة الأمثال في اطار لمسات شعرية غاية في السبك والإتقان والتعبير الباذخ عن الإبداع وصناعة الفن الشعري المتألق:

 دار الملوك اظلمت عگب الضيا بسروج

 وهناك دمعي يكت اعلى الوجن بس روج

والخــــــيل لمن تردت واظلمت بسروج

 والكـــــدش اصبح لها عزم شديد وباس

والذي دنگ على چـــــف الزنيم وباس

والشهم لو عاشر الانـــــــذال ماهو باس

من جلة الخيل شدوا عالچلاب اسروج

 وفي الختام نؤكد ان الشاعر الحاج زاير.. رغم اميته وعدم قدرته على حل طلاسم الخط العربي.. لكنه تمكن من صناعة الشعر وصياغة المفردات الرصينة برهافته وطلاقته وابداعه. ولابد ان نشير الى الجهد الكبير الذي بذله الباحث "ريسان الخزعلي " في اضافة هذه اللمسة المعطرة بالريادة في قراءة الشاعر الحاج زاير.. قراءة جديدة موشومة بالموضوعية والفهم العالي لظروف الشاعر وجماليات ابداعه وفنه وطرافته.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد حسن الساعدي ... تفاصيل أكثر
رواء الدفاعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غسان الوكيل ... تفاصيل أكثر
نهاد الحديثي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم ألخالدي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
جواد العطار ... تفاصيل أكثر
السيد الزرقاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عمار عبد الواحد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر