جبرا إبراهيم جبرا.. شكسبيري شغف ببغداد كأحد أبنائها النضرين

عدد القراءات : 81
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جبرا إبراهيم جبرا..  شكسبيري شغف ببغداد كأحد أبنائها النضرين

في كتابه “البئر الأولى” كتب شيئا عن طفولته المبكرة في بيت لحم بفلسطين. في كتابه “شارع الأميرات” كتب شيئا عن سنوات شبابه الأولى التي أمضاها في بغداد حين قدم إليها عام 1948 معلّما للأدب في جامعتها.

ولأنني كنت أشعر أن هناك الكثير من الثغرات في سيرته الشخصية المتمردة والتي أضفى عليها الكثير من أناقته فقد سألته ذات مرة وكنا جالسين في غرفة مكتبه ببيته وكنا نشرب الشاي البارد الذي كان مولعا به “متى تكتب سيرتك كاملة؟” وكان كما أتذكر في السبعين من عمره يومها. قال مبتسما “ليس لديّ وقت للقيام بذلك. رأسي مليئة بمشاريع أدبية لم أنجزها بعد هي أهم بكثير من سيرتي التي قد لا تهم أحدا”.

سيد خمسة عقود من التمرد

كان لدى جبرا إبراهيم جبرا “1920ــ 1994″ ما يشغله عن حياته الشخصية وقد صارت جزءا من المشروع الأدبي والفني العملاق الذي عاش عمره كله رهينا لتجلياته الحداثوية التي لم تكن في جزء كبير من إنتاجه غير أنها ما كان لها أن تظهر لو لم تقع يده عليها. كان مكتشف طرق ومخترع أساليب وفاتحا بكل ما تعنيه تلك الصفات من معان. وهو ما أملى عليه أن يقوم بالتبشير بحداثة فنية في الشعر والرسم، كانت قبل مقدمه مغطاة بطبقة مضللة. فلجبرا يعود الفضل في الترويج لتمرد بدر شاكر السياب في الشعر وله يدين جواد سليم وهو أب الحداثة التشكيلية في العراق بالفضل لأنه وضع تجارب الرسام والنحات العراقي في مكانها الصحيح من التاريخ.

كنت أفكر في سيرته التي لم تُكتب وفاتني أن جزءا عظيما من تلك السيرة كان قد تسلل إلى رواياته “صراخ في ليل طويل” و”صيادون في شارع ضيق” و”السفينة” و”البحث عن وليد مسعود” و”يوميات سراب عفان”. بل إن بعض كتبه النقدية مثل “الحرية والطوفان” كان قد احتوى على شيء من تلك السيرة، وهي سيرة المتمرد الذي مر بثقافتنا مثل عصف ليكون مزاجه الشخصي ميزانا لما ستكون عليه الوقائع الفنية والأدبية عبر خمسة عقود من الزمن، كان جبرا سيدها.

صديق المتمردين الذي صار صديقي

كان حدثا مفصليا في حياتي يوم اتصل بي سهيل سامي نادر وهو ناقد فن عراقي مرموق ليبلغني أن الاستاذ جبرا إبراهيم جبرا يرغب في لقائي. عام 1982 كنت صغيرا في السن فهل سيكون في إمكاني أن أقف إلى جانب مقالتي الطويلة التي أرسلتها بالبريد من أجل أن تنشر في مجلة فنون عربية التي كان جبرا يرأس هيئة تحريرها؟ ذهبت إلى لقائه متوترا، مهزوما ، متعثرا ومقيما في خيال اللقاء بالمقدس الذي لا يُمس. كان جبرا في انتظاري، وهو في حد ذاته حدث لا يُنسى. ولكن بأيّ طريقة يمكنني الآن أن أصف الدقائق الخمس الأولى من لقائنا الذي خرجنا منه أصدقاء كما لو أننا كنا دائما كذلك؟ كان جبرا شبيها بلغته، ليست هناك مسحة رومانسية في رقته، بل كانت تلك الرقة مرآة لما كان يعتبره صحيحا.

لم يحدثني يومها عن الماضي، ولم يكن مشغولا بنفسه، فجبرا لم يكن نرجسيا عل الإطلاق، بل كان مشبعا بحب الآخرين. لقد مرّت ساعتان من الحوار كنت أنا محورهما. كان يرغب في التعرف عليّ في الوقت الذي كان فيه يطري على ما كتبته. كنت أصدّق ما يقوله لإيماني بصدقه، غير أنني كنت في الوقت نفسه أرى فيه المعلم الذي يرعى فكرة انزلقت إليه. كنت أنا تلك لفكرة. يومها صرت مؤمنا بحظي السعيد لأنني صرت صديقا لجبرا. في ما بعد كان يستقبلني كما لو أنني واحد من جماعة بغداد للفن الحديث التي كتب لها بيانها الأول عام 1952 وكانت لميعة العسكري، رفيقة عمره التي من أجلها صار مسلما غالبا ما تكون حاضرة بيننا. في حقيقة الأمر لم نكن اثنين ولا ثلاثة. كنت أرى في جبرا جمهرة من الفاتحين الشغوفين بمديح الجمال. هم أشباهه، الذاهبون بيده إلى الإبداع، أفراد القبيلة المتمردة المنتشرون عبر الأرض في إيقاع سيلغي الخرائط كلها في أيّ لحظة. حدثني جبرا عن توفيق صايغ ويوسف الخال وشوقي أبو شقرا وأنسي الحاج كما لو أنه كان يستذكر رحلته إلى الحج.

العرّاب هي الصفة الوحيدة التي تليق به وتضعه في مكانه التاريخي. كان جبرا عرّابا للحركات الفنية والأدبية التي وجدها حية في بغداد وكانت في انتظار إشارة منه لتنطلق. كانت مغامرته في الحياة وهو الذي تنقل من أجل الدراسة بين لندن وهارفرد قد التقت بمغامرته في الفن في بغداد، المدينة الساحرة التي كان أدباؤها وفنانوها يستعدون للانقلاب على الماضي بطريقة جذرية، وهو تقليد عراقي بامتياز. وكما أرى فإن حضور جبرا بينهم كان مدعاة للمضي في المغامرة إلى آخرها. كان جبرا هو سيد المغامرة الحداثوية وداعية الانقلاب على الأدب والفن القديمين وكان رجل حرية. شخصيا حررني وجوده المباشر باعتباره صديقا من النظرة الأحادية الضيقة ومن الغرور المفاجئ كما فعلت كتاباته من قبل حين دفعتني إلى التلذذ بحريتي.

كان جبرا قد أدار في ستينيات القرن الماضي مجلة “العاملون في النفط” فحوّلها إلى مجلة أدبية ــ فنية رفيعة المستوى. في تلك المجلة نشر رواد قصيدة النثر العراقية “الأب يوسف سعيد، سركون بولص، صلاح فائق، فاضل العزاوي وآخرون” أولى تجاربهم. ولم يكن ذلك ليحدث لولا أن جبرا نفسه كان من رواد قصيدة النثر العربية، حيث صدرت له في بيروت كتب شعرية عديدة، نذكر منها “تموز في المدينة”و”المدار المغلق” و”لوعة الشمس″، غير أن جبرا الشاعر مثله مثل جبرا الرسام، كلاهما لم يجاريا جبرا الروائي والمترجم “كانت ترجمته لشكسبير هي الأهم في العربية” وناقد الأدب. فالرجل الذي كان حشدا من المبدعين وكان قد أصدر في حياته أكثر من سبعين كتابا توزعت بين الرواية والنقدين الأدبي والفني والشعر والترجمة لم تكن موهبته بالمستوى نفسه في كل المجالات الأدبية والفنية التي عمل فيها. وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى متعددي الانشغالات من المبدعين.

في شارع الأميرات

كان جبرا ومنذ أيامه الأولى قد وجد في بغداد المكان الخيالي الذي يليق به فنانا ومفكرا، فوهب روحه لحيوية خلاّقة كان العراقيون كرماء في فتح أبوابها أمامه، غير أن لقاءه بلميعة العسكري، زوجته وأمّ ولديه كان بمثابة الحدث الحاسم في هذا المجال وكانت بيته في شارع الأميرات بالمنصور، وهو أحد أحياء بغداد التي كانت راقية، هو أشبه بجنته الشخصية التي تضم مكتبته ومقتنياته من اللوحات التي تؤرخ لمسيرة الفن الحديث في العراق. تلك الجنة التي غادرها جبرا عام 1994 لم تعد موجودة بعد أن ضربها تفجير إجرامي بعد احتلال العراق. بقامة شكسبيري نضر غالبا ما كنت أراه وهو يمارس هوايته في المشي في شارع الأميرات.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي في بيت شعر قديم كان الشاعر فيه يدعو الى التجدد والتطور لاسيما في طباعنا، يقول فيه: البس جديدك إني لابس خَلِقي  لاجديد لمن لم يلبس الخَلِقا   ... تفاصيل أكثر
نهاد الحديثي يبدو أن محاصرة ومواجهة منابع دعم الإرهاب والإرهابيين بدأت تؤتي ثمارها في تهالك قوى تنظيم داعش في كثير من مواقعها وخاصة في مواقع الصراع ... تفاصيل أكثر
فرح الاعرجي   حين ابدأ رحلتي في الصباح للذهاب الى عملي، اتجه صوب الشارع واهم بالعبور الى الجهة الاخرى، حيث تتراصف التكسيات وبصوت واحد يردد اصحابها :تكسي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي   في البلد الذي شرّع الدستور الأول وسنّ القوانين منذ آلاف السنين (مسلة حمورابي)، وفي البلد الذي علّم الإنسان الحرف الأول (الكتابة السومرية)، واخترعت فيه ... تفاصيل أكثر
علي علي       تخبرنا كتب التاريخ ان الصينيين هم أول من توصل الى صناعة الورق من النباتات، فبعد ان كانت الكتابة على جلود الحيوانات وألواح الطين ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي بعد أن أعلن العراق رسميا تحقيق النصر على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل ،وهو نصر ليس عسكرياً فقط دلً على شجاعة فائقة من أبناء ... تفاصيل أكثر
جمعة عليوي     سمعنا وقرأنا ان للهزيمة ابا واحدا وللنصر الكثير .وهنا نريد ان نتلاعب بالكلمات ونقلب المعادلة .ونؤكد ان عنوان مقالنا له معنى ومغزى كبيران ... تأريخ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
سعد الحميداوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو ... تفاصيل أكثر
ادريس الحمداني ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر