بغداد حبيبتي.. يهود العراق ذكريات وشجون

عدد القراءات : 296
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بغداد حبيبتي..  يهود العراق  ذكريات وشجون

مازن لطيف

 

مازال الناس مختلفين في فهم وإفهام معنى العمر، فهل هو العيش، أم ما مضى وانقضى من الزمن، أم بكم وكيف العمل، أم مقدار ما مر به الإنسان من محن، أم هو محض عملية حسابية لأيام الهناء ـ مطروحا منها أيام الشقاء، تقدس العمر ، فأقسم الناس، فهو عزيز طال أم قصر، ثاب أم خاب، أو ثابت أم افتراضي .

رحلتنا سوف تكون مع مذكرات شخصية كبيرة ومبدعة، عرفها العراقيون من خلال قراءة مذكراته التي نشرت بشكل حلقات، في جريدة إيلاف، إلى أن قرصنها ناشر بغدادي عام 2010، ثم أصدرها مؤلفها اخيراً في كتاب ، بطبعة منقحة ومزيدة، إنه البروفيسور سامي موريه، صاحب الباع الطويل في الأبحاث العربية والإسلامية والتجربة الثرية في الحضارة العربية، في كتابه الذي يحمل عنوان (بغداد حبيبتي - يهود العراق ... ذكريات وشجون) عن مكتبة كل شىء- حيفا 2012 . تحمل هذه المذكرات خواطر الأزمنة وتراكمات الأحدث. أهدى المؤلف قصيدة "الرحيل" في مستهل ذكرياته "الى أخواته وإخوانه العراقيين في كل مكان"، ولعل هذه القصيدة ستكون خاتمة لمساهمة الشعراء اليهود في الشعر العربي منذ أن نظم السموأل (شموئيل) بن عادياء اليهودي لاميته الشهيرة، لذلك يمكننا ان نقول، "بدأت مساهمة اليهود في الشعر العربي بشموئيل بن عادياء اليهودي، وانتهت بشموئيل بن ابراهيم العراقي اليهودي. وقد عارض قصيدة "الرحيل" العديد من الشعراء، ووضعها الاستاذ نوري علي في جريدة "الأخبار" في باب ثابت من روائع الشعر العربي، ومطلعها:

قالت لي أمي، والأسى في عينيها:

"ظلمونا في العراق،

وضاقَ المُقامُ بنا يا ولدي،

فما لنا و"للصبر الجميل؟"

فهيا بنا للرحيل!"

وعندما بلغنا الوصيدا،

قالت لي: "يا ولدي لا تَحزنْ،

إِلـْـلِِّي ما يريدكْ لا تريدَهْ "،

هَمستْ: " يا حافرَ البير "

"بربكَ قلْ لي لهذا سببْ؟ "

ورَحلنا ...".

قدم الكتاب الكاتب العراقي سعد سامي نادر حيث ذكر أنه "كعراقي، وكواحد ممن ترك وطنه مرغما وعلى مضض، متعة، ان تعيد قراءة "بغداد حبيبتي- يهود العراق ... ذكريات وشجون" للبروفيسور سامي موريه، ستشدك زفرة ومرارة كلمات بسيطة نابعة من قلب ووجدان ونقاء مواطن عراقي يفيض حباً ووطنية صادقة يغلفها حنين للوطن بلا حدود. ستجبرك لوعات شجونه على المضي معه عبر طريق أحزان وآلام روح سُبيت وأجبرت يوماًعلى ترك وطنها الام، على مضض ...".

يذكر موريه في مذكراته إنه قضى طفولته الباكرة في محلة حنون صغير في بغداد القديمة ، وأنتقلت عائلته عام 1936 الى منطقة البتاوين مقابل بستان مامو، ويذكر هذه المنطقة في مذكراته مرات عديدة ويحلم ان تتكحل عيناه برؤيتها ورؤية مدرسته " السعدون النموذجية " ومدرسته المفضلة التي قبلته، الست "فاطمة"، وهي مدرسة التاريخ والطبيعة في مدرسة السعدون النموذجية في بغداد ... هاجر موريه قسراً من العراق بعد حملة التهجير القسرية ليهود العراق في منتصف القرن العشرين حيث يذكر "وضرب القدر ضربته ورحلنا ، وانهمكنا في الدراسة والعمل لنداوي بها جراحات الماضي وأهوال الحاضر بانتقالنا من عزّ العراق، مهما كان ثمنه، إلى ذلّ الحاضر، في خيام معسكرات اللاجئين الجدد، من جميع أرجاء العالم، والوقوف في طوابير الماء وبيت الخلاء والخبز وشراء اللحم والبيض والزبد بالكابونات والعمل كعمال بسطاء، رغم ثقافتنا، في البناء لنقل أكياس الإسمنت والحصى والرمل على ظهورنا كما كان يفعل "العمّالة" الذين كانوا يعملون عند والدي في البيوت التي كان يبنيها! بكيْتُ عندما جاء أخي ريمون يبشرني: "والله عندك حظ ! أول يوم وشِفتْ (وعثرت على) شِغِل بالعمالة (البناء)!" قلت له: "ما هذا الفرح بعمل حقير حصلت عليه بعد عزّ العراق!"، و"ما تعرف خيري لما تجرب غيري"، صرنا نشتغل بالبناء مثل الفقراء؟ ويل العراق، ماذا فعل بأبنائه المخلصين!"

هاجر موريه وعيونه ترنو متلفتة نحو العراق قدره وليلاه، يحن ويئن على بغداد وفراقها،

" لـَيْـتـَنِي أعُودُ إلى العِـرَاقِ يَوْمًا، فَأُحَدّثـُهُ بـِمَا فـَعـَلَ الفِرَاق ".

تناول موريه سيرة والده ابراهيم معلم الذي عشق العراق وتعلق ببغداد فلم يفرط في تسقيط جنسيته عام 1951 ، بالرغم من احداث الفرهود الفظيعة وفضل البقاء في بغداد حيث كان يقول لعائلته دائما: "أنا عشتُ 2500 سنة في العراق واتركها في 5 دقائق، ماذا سأفعل في اسرائيل مع هؤلاء الصهاينة".

العراق ليلاه المريضة وقدر موريه الذي لايستطيع الهروب منه، فهو يلاحقه في كل مكان يذهب إليه، حتى لهجته العراقية لم تتغير، وحبّة بغداد التي في خده الايسر تميزه بعراقيته، ومواصلة القراء ومحبيه من العراقيين عبر التعليلقات والرسائل في البريد الالكتروني، تدل على انه يعشق العراق وناسه الطيبين، فالعراق ليس اسما ومسمى عند موريه، بل هو "الأنا" الرابضة في أعماق وجدانه وكيانه و شخصيته.

قراءة المذكرات تنبـِئُـنا أننا في حضرة مبدع كبير ترك بصماته خلال رحلة العمر على ناصع صفحات الدنيا بأبحاثه ومؤلفاته. عشق بغداد، وأدمن في حب العراق بشكل لعب بنياط قلوب العراقيين بصورة لا توصف، فصرخ أحدهم "لغة عربية رهيبة"، أضحك قراءه وابكاهم بأسلوبه الساحر الغنائي المنوم، حتى صرخت الأديبة عأئشة، "من أباح لك قتلي"، ونظم الشاعر الدكتور جبار جمال الدين روائع قصائده بوحي من ذكرياته، وتغنى باسمه السموألي الملحن والمغني بشير صبري بوتاني في ثلوج السويد، وعارض "الرحيل" عراقيون مهجرون وفلسطينيون يائسون، واثار عند العراقيين ما نسوه من ذكريات الظلم والطغيان، فكتبوا ما نسوا تدوينه من أحداث مشابهة لتلك التي رواها موريه، فنشروها في الجرائد الالكترونية.

يتألف الكتاب من 424 صفحة من القطع الكبير، ويضم 53 فصلاً مع خاتمة وفهرس الأعلام وموثقا بقائمة فحلة من مؤلفاته وبالصور في نهاية هذا الكتاب الفذ.

نشرت بعض فصول الكتاب في موقع "البرلمان العراق"، كوثيقة ومثالا يحتذى لحب العراق والوطنية الصحيحة، ليقتدي بها النواب في بغداد، بل في العراق كافة، ومزينة بالصور في مجالس حمدان التي يحررها جلال جرمكا، وتوثيق ابياته لبعض الفنانين عن غرامه بليلاه المريضة في العراق بصور النخيل اكراما لقوله :

وهل تدري كيف كانت ترف عليّ نخيل العراق،

كما رفت قرون، ليلى

على المجنون في هواها،

رفيف الأقحوانة في نداها؟"

وبعد، فلا يسعنا سوى ان نشكر أديبنا الكبير على تدوينه لمذكراته وتخليده لأحداث العراق كباحث وأديب وشاعر وانسان، وآس ٍ لما يحدث في العراق من مآس ٍ متمنيا لشعب العراق من محنه واستعادة حريته واستقلاله وديموقراطيته ومساهمته الماضية في العلوم الانسانية التي كانت مصدرا للنهضة الأوربية الحديثة، والف تحية للعراقي الوفي للعراق وشعبه الذي اطلق عليه بعض الأدباء العرب في اسرائيل لقب "مربي الأجيال"، واطلق عليه بعض العراقيين لقب "محب العرب والمسلمين".

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
نبيل نعمة الطائي ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي هلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي العبودي من الصعب جداً ان نجد اليوم من يتولى مسؤولية صغيرة كانت ام كبيرة ان يغادر المكان وقد ترك اثراً طيباً يذكر بعد مغادرته ليس ... تفاصيل أكثر
    علي علي عندما كنا صغارا، كان اللعب شغلنا الشاغل، وابتكار ماهو جديد منه ديدننا، مع أن المتوافر بين أيدينا من أدوات اللعب آنذاك، ليس ... تفاصيل أكثر
حسين الذكر في يوم قيظ ديمقراطي لاهب ، التقيت صديقي ابو سيف  ، عاش فقيرا محترما مسالما بعيدا عن الاستغلال السلطوي بكل اداوته المعروفة بالعراق حكومية ... تفاصيل أكثر
جواد العطار اذا كان رهان الحرب الطائفية قد انتهى بتوحد العراقيين في مواجهة ارهاب داعش ، فان رهانات تقسيم العراق ما زالت قائمة وخطيرة وهي تتأرجح ... تفاصيل أكثر
علي علي في بيت شعر قديم كان الشاعر فيه يدعو الى التجدد والتطور لاسيما في طباعنا، يقول فيه: البس جديدك إني لابس خَلِقي  لاجديد لمن لم يلبس الخَلِقا   ... تفاصيل أكثر
نهاد الحديثي يبدو أن محاصرة ومواجهة منابع دعم الإرهاب والإرهابيين بدأت تؤتي ثمارها في تهالك قوى تنظيم داعش في كثير من مواقعها وخاصة في مواقع الصراع ... تفاصيل أكثر
فرح الاعرجي   حين ابدأ رحلتي في الصباح للذهاب الى عملي، اتجه صوب الشارع واهم بالعبور الى الجهة الاخرى، حيث تتراصف التكسيات وبصوت واحد يردد اصحابها :تكسي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي   في البلد الذي شرّع الدستور الأول وسنّ القوانين منذ آلاف السنين (مسلة حمورابي)، وفي البلد الذي علّم الإنسان الحرف الأول (الكتابة السومرية)، واخترعت فيه ... تفاصيل أكثر
علي علي       تخبرنا كتب التاريخ ان الصينيين هم أول من توصل الى صناعة الورق من النباتات، فبعد ان كانت الكتابة على جلود الحيوانات وألواح الطين ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي بعد أن أعلن العراق رسميا تحقيق النصر على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل ،وهو نصر ليس عسكرياً فقط دلً على شجاعة فائقة من أبناء ... تفاصيل أكثر
جمعة عليوي     سمعنا وقرأنا ان للهزيمة ابا واحدا وللنصر الكثير .وهنا نريد ان نتلاعب بالكلمات ونقلب المعادلة .ونؤكد ان عنوان مقالنا له معنى ومغزى كبيران ... تأريخ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر