الوطن وجواز السفر

عدد القراءات : 386
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الوطن وجواز السفر

علي علي

       من غير المعقول حتما أن حديثي عن الوطن يأتي بشيء جديد، وهل أستحدث معلومة لم تكن معلومة من قبل، وقد سبقني إليها الشعراء والكتاب والمؤرخون والسياح والعشاق والفنانون والثوار، على مر العصور وفي كل الأماكن والأزمان؟ فقد تحدثوا جميعهم عن حب الوطن، وتغنوا به ولعا بمفاتنه، وتعلقوا بتلابيبه، وتمسكوا بجلبابه، وأفنوا أعمارهم في التغزل والتشبب بوصله، والتشوق والتحرق على فراقه، فمن المؤكد أن كلامي عن الوطن، لن يعدو كونه استرجاعا لألم -مع فقدان الأمل بالشفاء- أو استذكارا لماضٍ جميل -مع اليأس من عودته- أو إبحارا في احتياجات نفس فقدت الأمن والأمان والاطمئنان،   وأكون إذاك قد جسدت قول النابغة الجعدي:

تذكرت والذكرى تهيج لذي الهوى

ومن حاجة المحزون أن يتذكرا

   كما أن حديثي عن الوطن والأوطان لا أنفرد في سرده وحدي، إذ حتما يكون قارئ سطوري هذه شريكي في الإحساس والتفاعل، ويؤرخ معي حبنا أو فلنقل شعورنا بالوطن، إذ ليس كل شعور حبا. وكما قال أدهم شرقاوي:

"في حصة واحدة أقنعني مدرس التربية أن قطعة الأرض هذه اسمها وطن! وأنا فشلت على مدى ثلاثين عاما بإقناع هذا الوطن أني إنسان".

  ويالبؤسنا وتعاستنا حين يكون حبنا للوطن حبا من طرف واحد، يقابله بغض وحنق وكره شديد من الطرف الثاني، فتتحول حينها الحياة الى جحيم لايطاق حيث اللاوطن، وقد قال مصطفى السباعي:

"عندما يمسك بالقلم جاهل، وبالبندقية مجرم، وبالسلطة خائن، يتحول الوطن إلى غابة لا تصلح لحياة البشر". 

   ومفردة الوطن لها مرادفات عدة في لغات العالم جميعها، أما ساحرتنا اللغة العربية ففيها لكل جنس من المخلوقات تسمية لموطنه، فالوطن للإنسان، والعرين للأسد، والعطن للبعير، كذلك باقي الأنواع، فيقال: وجار الذئب والضبع، وكناس الظبي، وقرية النمل، وكور الزنابير، ونافقاء اليربوع. والطيور هي الاخرى لكل صنف منها اسم لموطنه، حيث يطلق على ما يضعه الطائر على الشجر وكر، فإن كان على جبل أو جدار فهو وكن، وإذا كان في كِن فهو عـِش، وإذا كان على وجه الأرض فهو أفحوص. وتحصيل حاصل، فالوطن صغر أم كبر! مرعى كان ام ارضا جرداء! جبلا أم واديا! فهو وطن نحنّ اليه ونذود عنه ونلوذ به، وقطعا تتنامى في تكويناتنا الشخصية تبعا لهذا مشاعر وأحاسيس، تنفرد بعشق الوطن حد التعلق به، ولن تبرح هذه المشاعر نفوسنا حتى نوارى في الثرى. وقد تغنى في حب الوطن كثيرون لايقف عندهم عد، ولاينتهي بهم حساب. فهذا أمير الشعراء أحمد شوقي ينشد في وطنه:

    وطني لو شغلت بالخلد عنه 

                        نازعتني اليه بالخلد نفسي

وآخر يستنجد ويستغيث بمسعف، إذا ما عنّ عليه حب الوطن، واعتملت لواعجه شوقا اليه، فيقول:

من لي ليمسح عن خدودي دمعتي

      إذ ما بكيت الحب للأوطان

ويقول الكاتب الاسكتلندي توماس كارليل: "جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه، لكن الأجمل أن يحيا من أجل هذا الوطن".

أما الجاحظ فقد قال في رسالة الحنين إلى الأوطان: "كانت العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه".

  فعجبي على من يملك أوراقا ثبوتية تؤكد نسبه لبلد، وجنسية تشهد انتماءه اليه، فيما نفسه لاتتوق لرؤيته مستقرا، ولاتود رقيّه وتحضره وازدهاره، وعجبي يتضاعف وألمي يتفاقم، حين يكون هذا البلد هو العراق، وأسفي أن يكون فيه أناس يرون ان أصغر الحيوانات تستميت من أجل موطنها، فيما هم يعدّون العراق محطة استجمام، أو متجرا للتبضع، أو حانة للتسكع، أو مصلى للعبادة، وجواز سفرهم قاب قوسين أو أدنى من التأشيرة للرحيل بعيدا عنه.

aliali6212g@gmail.com

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي في بيت شعر قديم كان الشاعر فيه يدعو الى التجدد والتطور لاسيما في طباعنا، يقول فيه: البس جديدك إني لابس خَلِقي  لاجديد لمن لم يلبس الخَلِقا   ... تفاصيل أكثر
نهاد الحديثي يبدو أن محاصرة ومواجهة منابع دعم الإرهاب والإرهابيين بدأت تؤتي ثمارها في تهالك قوى تنظيم داعش في كثير من مواقعها وخاصة في مواقع الصراع ... تفاصيل أكثر
فرح الاعرجي   حين ابدأ رحلتي في الصباح للذهاب الى عملي، اتجه صوب الشارع واهم بالعبور الى الجهة الاخرى، حيث تتراصف التكسيات وبصوت واحد يردد اصحابها :تكسي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي   في البلد الذي شرّع الدستور الأول وسنّ القوانين منذ آلاف السنين (مسلة حمورابي)، وفي البلد الذي علّم الإنسان الحرف الأول (الكتابة السومرية)، واخترعت فيه ... تفاصيل أكثر
علي علي       تخبرنا كتب التاريخ ان الصينيين هم أول من توصل الى صناعة الورق من النباتات، فبعد ان كانت الكتابة على جلود الحيوانات وألواح الطين ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي بعد أن أعلن العراق رسميا تحقيق النصر على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل ،وهو نصر ليس عسكرياً فقط دلً على شجاعة فائقة من أبناء ... تفاصيل أكثر
جمعة عليوي     سمعنا وقرأنا ان للهزيمة ابا واحدا وللنصر الكثير .وهنا نريد ان نتلاعب بالكلمات ونقلب المعادلة .ونؤكد ان عنوان مقالنا له معنى ومغزى كبيران ... تأريخ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
سعد الحميداوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو ... تفاصيل أكثر
ادريس الحمداني ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر