مقاهي ميسان .. ذاكرة تضج بالوقائع

عدد القراءات : 438
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مقاهي ميسان .. ذاكرة تضج بالوقائع

ميسان / كاظم غيلان             

     

 

تزدحم ذاكرة مقاهي المدن العراقية بأحداث وروايات ومفارقات تتناقلها الأجيال، فهي تعكس تأريخ هذه المدن بسلبياته وايجابياته مثلما تكشف عن هوايات الأجيال المتعاقبة التي عشقتها وتوجهاتهم السياسية وطاقاتهم الثقافية.

ميسان لاتختلف عن بقية المدن العراقية، ولمقاهيها تأريخ زاخر بالأحداث وبمجمل صفحاته، الا أنها أوشكت على الزوال ولم يتبق منها الا القليل الذي أمسكنا به والذي بقي محافظاً على طابعه التقليدي الأول بحكم التطورات التقنية الهائلة ، بل وحتى المتغيرات التي طرأت على هندسة المدن. هذه المقاهي شهدت صراعات سياسية مثلما شهدت صراعات الديكة ورهانات مربي الطيور . 

 

حادثة شاخصة 

أخذ الجانب السياسي أهميته والقى بظلاله منذ خمسينيات القرن الماضي على معظم هذه المقاهي والشخصية الوطنية البارزة(عبد المهدي عمران) عن هذه الحادثة التي وقعت في العام 1960 ، حيث انهالت ثلة من «بلطجية» معادين لتوجهاته كطالب شيوعي يرأس منظمة اتحاد الطلبة وهو القادم من أهوار (أبو انعاج) ومن قبيلة(آل ازيرج) المعروفة بوطنيتها وقاموا بضربه وبتوحش وحقد بواسطة قناني المرطبات حتى كاد  يموت، ولعل حادثة الاعتداء الدامي الوحشي الذي طال الطالب ( خلف  جودة) لم تزل شاخصة في ذاكرة شهود تلك الحقبة اذ حدثنا سياسي مخضرم يهوي على الأرض قبالة مقهى المرحوم- حسن السامرائي- الواقعة في شارع المعارف- التربية حالياً- والتي كان يتخذ منها الشيوعيون مكاناً لتواجدهم ، وواصل ابن جودة مسيرته السياسية والدراسية وحكم عليه بالسجن  سنوات طويلة عقب انقلاب 8 شباط الأسود 1963 أمضى أربعا منها في نقرة السلمان وفي العام 1968 أوفد الى الاتحاد السوفيتي لاكمال دراسته الا أن مرض اللوكيميا اجتاحه فأرسل الى المانيا حتى وافاه الأجل ووري جثمانه هناك . وللشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر رثائية معروفة عنه لخصها بقصيدته المعروفة- الاقامة على الأرض- اذ جاء فيها:

( بمقبرة خلف برلين ، يرقد طفل من النخل- قيل :استراح ابن جودة )

مقهى أخرى اتخذ منها أصحاب الميولات القومجية مقراً لهم الا وهي مقهى السيد محمد السامرائي وتقع جوار معرض أحذية باتا في مدخل شارع بغداد.

المعلم المتقاعد شريف عبد الحسين ممن عاصروا تلك السنوات واحداث مقاهيها يذكر بأن هناك مقهى للتجار البارزين المشتغلين خاصة بتجارة الحبوب الرائجة وقتذاك وتمتاز هذه المقهى دون غيرها بخلوها من لعبة(الدومينو) لتأخذ طابع الهدوء الذي ينسجم ووقار روادها ، ويشير شريف الى مقهى(داود العبيدي) الواقعة في شارع دجلة عند الخمسينيات والتي كان أبناء الطائفة اليهودية يتخذون منها مكاناً لاستراحتهم الا انها تحولت الى ملتقى للمعلمين والمتقاعدين بعد قرار ترحيل اليهود العراقيين،  كما اتخذ التدريسيون والموظفون مكاناً أثيراً لهم في مقهى آخر يمتاز برونقه وتحضره الا وهو مقهى(حسين بارد) والتسمية هذه مشتقة من امتياز المقهى بتقديم المرطبات لروادها لاسيما وانها تجاور أول معمل لصناعة العصير المحلي لصاحبه المرحوم(عمران) أبو علاء الذي شغل فندق الميثاق في شارع الرشيد عند سبعينيات القرن الماضي بعد انتقال أسرته هناك.

كما عرفت مقاه عديدة في شارع التربية انحسرت الآن وتحولت بعضها الى دكاكين صغيرة بعد أن كانت تحتل مساحات واسعة كمقهى المرحوم(شنون العقيلي) وأطلق عليها (مقهى الشهداء) بعد أن استشهد أولاده الثلاثة، اذ تمت تصفيتهم من قبل النظام الدكتاتوري لمعارضتهم البطولية لساسته وأبرزهم الشهيد- عبد الرضا- الذي واجه فلول الحرس الجمهوري عند اقتحامهم واستباحتهم المدينة عقب قمع الانتفاضة الشعبانية 1991 حتى استشهد قبالة مسجد – الانصاري- مضرجاً بدمه الطاهر ولم يتبق من أولاده سوى(صبيح وأحمد والشيخ كريم) وهم من السجناء السياسيين ، وعدد من أحفاده ، كذلك مقهى (حميد لعيبي) التي تتوسط السوق المسقوف وهو والد الفنان والأكاديمي ماجد حميد. 

 

شخصية شعبية

عدد من المقاهي اتخذ منها أصحاب المهن اليدوية مكاناً لأوقات استراحتهم كمقهى(جلو) الواقعة نهاية سوق النجارين وتمتاز بطابعها الشعبي، وكثيراً مايتحلق روادها حول(حمود بشيشه) شخصية شعبية تمتاز بطرائفها التي يتلذذون بها ومن أبرز روادها الشاعر الشعبي الراحل(مجيد عجه) المعروف بسرعة بديهيته وعفويته لاسيما في الهجاء كذلك مقهى(دعير) الواقعة في سوق الصفارين والتي بقيت ليومنا هذا ويرتادها أصحاب هذه المهنة وسط صخب مطارقهم، كذلك أبناء المنطقة التي تقع فيه، بينما اشتهرت مقهى(العمال) في شارع دجلة التي يرتادها عمال البناء وأسطواتهم ويطلق عليها اسم آخر(أبو سعدون) نسبة لصاحبها والتي تحولت في فترة التحالف- الجبهة الوطنية- مكاناً يرتاده المثقفون الشيوعيون ومن أبرزهم المسرحي والأكاديمي الدكتور فاضل السوداني والروائي الكاتب سلام عبود والروائي –الشاب وقتها- نجم والي والمثقف الشهيد كاظم طوفان(أبو ليلى)  فضلاً عن عدد من الشعراء الشباب الآخرين. وكثيراً ما تعرض صاحب المقهى لمضايقات رجالات الأمن واستفزازاتهم.

ولعل من آخر المقاهي التي أغلقت أبوابها وتحولت الى محال تجارية هي مقهى(حميد حويطي) الواقعة نهاية شارع بغداد وعلى مقربة من جسر الكحلاء ويرتادها خليط من كسبة ومثقفين فضلاً عن أبناء الطائفة الصابئة المندائيين لقرب منازلهم منها .

وما أن تجتاز جسر الكحلاء وتصل حي الماجدية حتى تصادفك أشهر مقاهيها وقتذاك كمقهى المرحوم عبد الله الجويبراوي والد مؤرخ المدينة والباحث البارز في شأن الأهوار(جبار الجويبراوي)، فضلاً عن (مقهى هليل حداد) شقيق الأكاديمي الدكتور عبد الحسين حداد. 

 

مشاجرات ومناكدات

امتازت بعض المقاهي بهواية أصحابها، وذلك بتزيين جدرانها بصور عمالقة الفن المصري كعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش لاسيما تلك التي تقع في حي – الجديدة- العريق وكثيراً ماتحصل مشاجرات ومناكدات بين أنصار عبد الحليم وأنصار فريد وتنتهي بسلام نظراً لأواصر الجيرة الطيبة بين أبناء المنطقة وأبرز هذه المقاهي كانت ( سمير أميس) للمرحوم كاظم عليان.

ماتبقى من هذه المقاهي اليوم في سوق العلافين تحديداً مقهى(الشرق) لصاحبها المرحوم- شونه داغر- ويديرها اليوم أولاده وتجاورها مقهى(أبو عباس)  ويرتادها أبناء المناطق المجاورة لها كالمحمودية وأصحاب المحلات المحيطة بها. 

اليوم تبدلت الأحوال ووجد موسم الصيف حصته الأوفر لتجد معظم أبناء المدينة يمضون أوقاتهم في المقاهي التي تتوسط الحدائق  التي تمتد على طول كورنيش المدينة في شارع دجلة والتي تبدأ بمقهى(علي معامل) ولاتنتهي بالكازينو الأبرز( النجماوي) التي كثيراً ماتشهد فعاليات شعرية ومهرجانات . الا أن مقاهي الـ(كوفي شوب) هي التي غدت أكثر انتشاراً في جميع أحياء المدينة التي يرتادها معظم أبناء الأجيال الشابة، لاسيما أن جميعها تتوفر فيها خدمة(الأنترنيت).

وتبقى في الذاكرة العديد من المقاهي الشعبية التي امتاز روادها بهوايات مسلية ومعروفة كتلك التي تشهد صرعات الديكة وسباقات الطيور للمسافات الطويلة التي تمتد بين ميسان ومحافظات أخرى وتتخللها رهانات ومعظمها تتمركز على مقربة من المتوسطة المركزية وفي منطقة يطلق عليها عفوية بــ(الحارة).

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي في بيت شعر قديم كان الشاعر فيه يدعو الى التجدد والتطور لاسيما في طباعنا، يقول فيه: البس جديدك إني لابس خَلِقي  لاجديد لمن لم يلبس الخَلِقا   ... تفاصيل أكثر
نهاد الحديثي يبدو أن محاصرة ومواجهة منابع دعم الإرهاب والإرهابيين بدأت تؤتي ثمارها في تهالك قوى تنظيم داعش في كثير من مواقعها وخاصة في مواقع الصراع ... تفاصيل أكثر
فرح الاعرجي   حين ابدأ رحلتي في الصباح للذهاب الى عملي، اتجه صوب الشارع واهم بالعبور الى الجهة الاخرى، حيث تتراصف التكسيات وبصوت واحد يردد اصحابها :تكسي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي   في البلد الذي شرّع الدستور الأول وسنّ القوانين منذ آلاف السنين (مسلة حمورابي)، وفي البلد الذي علّم الإنسان الحرف الأول (الكتابة السومرية)، واخترعت فيه ... تفاصيل أكثر
علي علي       تخبرنا كتب التاريخ ان الصينيين هم أول من توصل الى صناعة الورق من النباتات، فبعد ان كانت الكتابة على جلود الحيوانات وألواح الطين ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي بعد أن أعلن العراق رسميا تحقيق النصر على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل ،وهو نصر ليس عسكرياً فقط دلً على شجاعة فائقة من أبناء ... تفاصيل أكثر
جمعة عليوي     سمعنا وقرأنا ان للهزيمة ابا واحدا وللنصر الكثير .وهنا نريد ان نتلاعب بالكلمات ونقلب المعادلة .ونؤكد ان عنوان مقالنا له معنى ومغزى كبيران ... تأريخ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
سعد الحميداوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو ... تفاصيل أكثر
ادريس الحمداني ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر