إن سطوة الشعر العمودي ونفوذه ظل فاعلا ومؤثرا ومتربعا على دكات الشعر ونواصيه ومنابره..إلا أن لتطور الشعر ومروره بمراحله المعروفة فقد أصبح لقصيدة التفعيلة والقصيدة النثرية حضور متألق في المحافل الشعرية بمستوى القصيدة العمودية..فقد كان النثر مباشرا وحادا لا

عدد القراءات : 372
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
إن سطوة الشعر العمودي ونفوذه ظل فاعلا ومؤثرا ومتربعا على دكات الشعر ونواصيه ومنابره..إلا أن لتطور الشعر ومروره بمراحله المعروفة فقد أصبح لقصيدة التفعيلة والقصيدة النثرية حضور متألق في المحافل الشعرية بمستوى القصيدة العمودية..فقد كان النثر مباشرا وحادا لا

التشكيل الصوري في قصائد (نرتقي سلمك أيتها الطمأنينة) للشاعر حبيب النايف

الحقيقة - حسن البصام 

 

 في المجموعة الشعرية (نرتقي سلمك أيتها الطمأنينة) للشاعر حبيب النايف استمرارية لأسلوب الشاعر في التشكيل الصوري الشعري وهو الذي لم يحد عن قصيدة النثر مستغلاً طاقاتها الداخلية في احتواء نبضه الشعري وعنفوانه الى الحد الذي وجدته متنقلاً بخفة من صورة الى أخرى في النص الواحد، وهذه سمة واضحة في هذه المجموعة بل هي سمة ثابتة في مسيرته الشعرية منذ أول مجموعة له . شرهة كأفواه الجياع / هي الريح،/ أسرار جنونها / قوضت حلم الموج،/ وقطعت حبل السكون / تمرّ العواصف/ تذروا بأذيالها / أطراف اللهفة/ الغريب المتعثر في السؤال / يلف خيط ارتباكه / على عنق حيرته / الرقاص المتباطئ / يسحب الوقت على مهل/ حصى الخمول / اخر جريانه (ص13) . إن هذا التنقل الرشيق المشاكس الذي لا يرضيه الاعتياد ولا يقيد نفسه بعرف شعري ،يجعلك تقرأ مجموعة نصوص في النص الواحد أو مجموعة ومضات متوالية.. وحين تضع قدمك على عتبة النص فانك سرعان ما تتفتح أمامك ابوابٌ متعددة داخل ممرات القصيدة ، وأشبِّه النص كطائر ذي اجنحة متعددة يجتاز مسافاته المرسومة.. ان عدم الاستقرار هذا منتج للنص اذ يُجافي الزوائد أو الهوامش..بل أحياناً تتداخل الإشراقات مع العتمات في النص الواحد ..مرة أزهار الحدائق تمتهن التسكع ومرة أخرى تصطاد عطورها عصافيرُ البهجة، هنا العصفور يتحول الى صائد ..ومرة نجلس القرفصاء نلتقط ظلالنا على وجه الماء، وقد استمرأت ذائقتنا هذه التحولات المشاكسة بين الذاتي والموضوعي ..استمرأت تعدد الوان العصافير وهي تتقافز على لوائحه الشعرية طيورا نزقة فتية .. خذي بيدي/ أزهار حدائقك/ تمتهن التسكع/ على ضفاف الندى/ تصطاد بعطرها/ عصافير البهجة/ حين تحلق/ على سفوح قلوبنا/ نجلس القرفصاء/ نلتقط ظلالنا المنعكسة / على وجه الماء/ تنساب بخفة بين أصابعنا / صرير الريح/ يصفّر على بعد أنين من جوارنا/ برِتاج اليقظة نوصد الابواب / الحنين المنبعث منها/ يشاكس أوقاتنا.(ص 10) وهذا ما جعل السردية منسحبة من مُتَّكَآتِهِ الشعرية والتي أراها من سمات النصوص النثرية بل إن السردية هي نسيج القصائد النثرية دونها كطائرة ورقية بلا خيط ، تاخذها الريح وتعود بها كما تشتهي.. لكن في قصائد النايف الأمر متغير تماماً وهذا ما يجعل القصائد لديه تأملية تنتج ثمارها بالقراءة أكثر من الإستماع..لأن الذائقة إن لم تغرها تبتعد وإغراؤها يتم بواسطة طُعْم الوزن والقافية والشعرية الكامنة في النص أو الموسيقى المضمرة أو الصور التي تحفز المتلقي.. رمى بقوسه الخديعة/ على هدف/ لم يحدد ملامحه/ سهامه الكاسدة تكلست/ بين أصابعه/ يد تباهت بنصوعها الخافت / أوهامها المتردّدة/ غفت على ظهر التثاؤب/ قد تدفع / ثمن غفلتك/ اليوم أو غدا/ الروح المغلّفة بسذاجتها / نعاسها المشاكس كفضيحة/ طحنته رحى البلاهة. ولهذا وجدت أن أعظم القصائد التي يرددها الناس هي تلك التي بُنِيَت على الموضوعية وليس التخيل المحض .. اعتمدت البساطة والتلقائية وليس على التعتيم والتضليل والإيهام والإبهام سواء كانت القصائد من العمود أو التفعيلة أو النثر. حيث أن الخطاب الأدبي يرتقي الى منزلة التذوق السامية لدى المستمع في حالة توفر الشعرية في النص وما تحويه من اشتراطات معلومة أو أن يتوفر سرد شيق ينطوي هو الآخر على اشتراطاته ..لذلك فان القصيدة الحديثة لدى العديد من الشعراء نهجت اسلوب النص الشعري السردي .. المتلقي يتابع تنامي القصيدة المتماسكة التي تسعى الى تجسيد حدث أو هدف واقعي أو خيالي ،من خلال تجاوز الرتابة وتهديم البنية التقليدية للقصيدة .. فالذهن تشغله صورة مائزة أو صوت يكسر التقليد .. يقفز مع حركة محفزة ويتنامى مع ذروة الحدث وتصاعده .وينتشي بالموسيقى المنبعثة من تصادم الكلمات وتشكيل صورها . إن الواقع الراهن ترك بصماته على المنتج الإبداعي بتناقضاته المختلفة، والقصيدة هي المرآة الأقرب لانعكاس ملامحه. وفي قصائد النايف ذلك الهم المتنامي الموزع في أنفاس القصائد كلها من القلق والتساؤلات المريبة وعدم اكتمال الحلم والفوضى التي تسهم في تأثيث النص .ً في الحرب تكبر الأحلام / يهدهدها الصمت / تغفو على وقع الطلقات الطائشة/ الوجوه التي غمرها الحب/ يحرسها دعاء الأمهات/ يرسم لها طريق الأمل / نرمي بسهام اليقظة/ كلابا سائبة/ نباحها يعكِّر تغريد البلابل/ على اشجار الوطن/ الشّراك المنصوبة لاصطياد الورد/ اوهمتها الغفلة/ غفت بين أحضان الخيبة/ البلاد التي استفاقت / على صوت الحروب. الشاعر هنا هو واقع الحال سواء كان في محنة الوطن أو في إشراقاته وانطفاءاته الذاتية وفي تسكع الأحلام وهامشيتها أم في التحولات الجوهرية بين الإسترخاء والوثوب ... لذلك نجد الشاعر تستغرقه هذه التحولات بين منكسر ومتحفز ، فاصبحت القصيدة لديه تعددية صورية تنسجها مخيلة الشاعر وفق جدلية الحياة وأنساقها متشابكة متداخلة أو متنافرة محاولاً أن يرتدي النص الطاقة التأويلية والنبض الرمزي الذي يمنح النص التفاعلية بعيداً عن فخاخ الخطاب المباشر ..وقد وجدت ان الشاعر يبذل جهده التخيلي إلى حد يغير من مسار الصورة الى صورة أخرى من أجل عدم الوقوع في كراهة المباشرة معتمداً على جمل شعرية موحية بدلالاتها يدعو القارئ للمشاركة في تشكيلها كما أن بعض نصوصه تشي بالصمت الظاهري إلا أنها ضاجة بالصخب والضجيج المبطن معتمداً على نسق دلالي متتالي أو متعاكس ولايتشكل وفق تقنية شعرية محددة الإطار أو البناء إنما من الممكن أن أقول ان نصوصه ذات تشكيلة غير متجانسة وهذا يشبه الفن التجريدي الذي يخاطب اللون، فإحساس المتلقي ألوان متعددة لكنها متجانسة في كلياتها موحية في تشكيلها النهائي. النص لديه مجموعة ألوان شعرية لايمكن للسامع أن يحسن دمجها أو ربطها ولكن لقارئها مساحات واسعة لاستلهامها وتأويلها ... إن سطوة الذاتية على النصوص بكامل أناقتها أو فوضاها ساهمت في منحها الطاقة الفاعلة الخلاقة . حبيب النايف من الشعراء المثابرين الذين يمارسون حفريات مستقيمة باتجاه نص يمثلهم وهم يمارسون البحث الثقافي اليومي لتدوين ذاتهم الإبداعية وإشراقاتهم.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نوزاد حسن ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
عقيل حبيب ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف ابو مسلم ... تفاصيل أكثر
د.سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
د.سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر