الشاعر الكبير كاظم الركابي من البداية حتى الرحيل

عدد القراءات : 425
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الشاعر الكبير كاظم الركابي من البداية حتى الرحيل

عادل العضاض      

 ينحدر الشاعر الراحل من عائلة مكافحة وأب يعمل في سلك الشرطة تقاعد بعد عام / 1958 . كاظم الركابي الابن الوحيد لابويه تكبره بنت وتصغره بنتان ، الشاعر الراحل لم يكمل دراسته لضروفه المعيشية التي جعلته يترك الدراسة ليساعد ابيه في توفير لقمة العيش . الشاعر الراحل مارس الرياضة في الملاكمة وبناء الاجسام وكان متميزا في بناء جسمه الضخم بعضلات متناسقة وبارزة مع عملاقية طوله الشاهق . في بداية الستينيات ولكثرة متابعاته وقراءاته لقصائد مظفر النواب ولقاءاتنا المستمرة حول موضوع القصيدة وكتابتها على خطى الشاعر الكبير مظفر النواب انسحب الراحل من ممارساته الرياضية وبدأ الرحلة الثانية هي رحلته الشعرية، والتي تميز بها هي الاخرى، وقد اعتبر الشاعر الراحل شاعرا من الرعيل الاول الذي تلا الشاعر الكبير مظفر النواب وسار على خطاه وتبع اسلوبه بالتجديد ثم اخذ يحدث القصيدة ضمن مجموعة من الشعراء اذكر منهم /شاكر السماوي/ عزيز السماوي/طارق ياسين/علي الشباني .. الخ  من شعراء القصيدة الحديثة . كاظم الركابي متفرد باختيار المفردة والموضوع بروحية لاتشابه روحية اي شاعر من جيله . كاظم الركابي الشاعر الهادئ العملاق الطفل ... عملاق في جسمانيته وطوله الفارع وابداعاته الكثيرة ، وطفل رقيق القلب دافئ الكلام يخجله كل شيء ولم يكن عبثيا، كما انه لم يسئ الى احد ولم يساء له، قوي الشخصية جميل التعابير سلس الحديث، يمتلك صوتا طبقته ونبرته حلاوة، لاذن المتلقي ، يبكيه بكاء طفل ويتألم للضعفاء، يحدثهم ويواددهم لا يشكو لأحد خصوصياته، حتى لاقرب الاصدقاء، يكتم معاناته . كل هذه المواصفات لشخصية كاظم الركابي هي وراء سر نجاحه ونجوميته . 

اليوم ايها الراحل المبدع وكل يوم يستذكرك زملاؤك من الشعراء الرواد من الذين جايلوك وعاشروك سنينا طويلة، وكلهم تكلموا عنك ورثوك بقصائدهم سواء في الذكرى السنوية لرحيلك ام في مناسبات اخرى، وهذا جزء من وفائهم ونبلهم، ويقولون عنك ايها الحبيب الراحل انت هنا في القلب وبيننا وفي مشاعرنا واحاديثنا، لم نغيبك، فأنت دائما بين احبتك وزملائك ، اما الشعراء الشباب فكان لهم الفخر ان يتسابقوا لاقامة مهرجان يحمل اسمك و ذكرك ، وهم امتدادك الشعري كما كتبوا لك وعنك وتفاخروا بانهم ينتسبون الى كاظم الركابي، بيئيا ووطنيا، رغم ان اكثرهم لم يروك او سمعوك ولكن قرؤوك قصائد وشخصية وابداعا . 

كاظم الركابي ابن العراق اولا وابن المدينة الثرة بالادب والفنون والسياسات، مدينة الناصرية ، تعرفت عليه في نادي الفتيان الرياضي لهوايتي السابقة في بناء الاجسام ثم التقت هوايتانا في الادب الشعبي، وذلك في مطلع الستينيات حيث كانت كتابة القصائد الشعبية تتاثر تأثيرا كبيرا بقصائد الشاعر الكبير مظفر النواب، وقد نشرت لي وله قصائد عدة في الصحف المحلية والاذاعات . تكررت لقاءاتنا في الشارع والمقهى ثم اصبحت لقاءاتنا في بيت اهل كاظم الركابي حتى قيام المهرجان القطري الاول/ 1969 حيث كانت غرفة استقبال اهل كاظم أبعادها المترين ونصف طولا والمترين عرضا ولكن كنا نعتقدها هي بمساحة قلب كاظم الذي يسع العالم كله، وكنا نتجمع فيها ونحن اكثر من (15 ) شخصا بين فنان وقاص ومسرحي وشاعر ،ولساعات طويلة جدا نستمع ونسمع وننتقد وننقد وهكذا لينتهي النهار ثم تلي نهارات اخرى حتى التقى والتحق بهذه الغرفة الشاعر الراحل جبار الغزي بعد انتقال اهله من ناحية الفجر الى مركز محافظة الناصرية، وذلك عام 1968 . من هنا بدأ العمل الجاد بين كاظم الركابي وعادل العضاض وجبار الغزي . بدأنا نلتقي نحن الثلاثة بشكل يومي ومستمر . كانت لقاءاتنا عند مقهى الحاج علي نوري او في محل الشاعر الخطاط احمد عبد الجبار او في محل الحاج عوده الناهي وهكذا نتنقل بين الاحبة من الذين يكتبون الادب الشعبي حتى اواسط عام /1969 اذ بدانا نبحث عن كيفية النهوض بالقصيدة الشعبية وايصالها الى المتلقي وجها لوجه، وبمساحة اكثر تقربا منه . اذن لابد من حدث جريء وموقف قوي للوصول الى مانفكر به ونطمح . كنت انا اسأل كيف السبيل يا اخوان؟ ، كان الاثنان في جواب واحد وسريع باشارة اليدين فقط مع اشارة بالوجه بدون كلام ( اي بمعنى لا ندري ) ؟!. 

وتكررت اللقاءات في مقهى الادباء ( مقهى ابو احمد ) والتي تقع ضمن شارع الجمهورية، لقاءات حادة ومتعددة، وقد توصلنا في نقاشاتنا الى اقامة مهرجان شعري في الناصرية ندعو اليه الشعراء الشعبيين البارزين من كتاب القصيدة الحديثة من بغداد ومن جميع المحافظات .كما ناقشنا وضع شعار المهرجان في ذلك الوقت واقترح الشاعر جبار الغزي ان اقرب معركة بين اسرائيل والعرب هي معركة / 1967 فليكن شعار المهرجان كل شيء من اجل المعركة ، واتفقنا بالاجماع ان يكون يوم 7/7/1969 هو يوم انعقاد المهرجان الاول للشعر الشعبي في العراق. 

بقيت لدينا مشكلة وهي الاساسية ، مشكلة الدعم المادي ، فعندما يكون في بيتك ضيوف بالعدد كذا ، يجب ان تهيء لهم الاكل والمنام والترتيبات الاخرى ، اقترح الراحل كاظم الركابي ان نطرح الموضوع امام مدير البلدية جاسم الركابي باعتباره ابن المدينة ، ويتبوأ مركزا وظيفيا وحزبيا في ذلك الوقت . اتفقنا وطرحنا الموضوع عليه فرحب به وايدنا عليه وقال "هل سبقكم احد في هذه الفكرة " كان الجواب انها فكرتنا نحن الثلاثة ولم يسبقنا احد في عموم العراق ، وجئناك لان تدلنا كيف السبيل لضيافة الوفود؟ قال "غدا ان شاء الله ايصير خير ، ستأتون معي لمقابلة المتصرف ( والذي اسمه حاليا المحافظ ) " تواعدنا صباح اليوم التالي وذهبنا الى مدير البلدية حسب الموعد وخرجنا برفقته الى المتصرف وكان اسمه عبدالله محمد علي فرحب بنا اجمل ترحيب والتفت الي وسألني عن صحة والدي فاجبته بخير، فحمدت ربي انه عرفني ، وقلت اذن القضية هانت ، ثم استمع المتصرف لحديث جاسم الركابي مدير البلدية حول موضوع المهرجان والضيافة ونحن اثناء حديثهما بالموضوع نرى ان وجه المتصرف قد بدأ بالاستبشار والابتسامة ، هذه الملامح تدل على موافقته مبدئيا ، فاستبشرنا خيرا قبل سماعنا اياه بالموافقة ، حينها اعلن المتصرف الموافقة والمساعدة ايضا، وقال "ماذا تطلبون مني " فأجبناه :

1 - الدعم المادي و قال "اتبرع لكم بخمسين دينارا" 

2 - طبع بطاقات دعوة مسعرة بـ(500 فلسا ) فقال "موافق" واستدعى ملاحظ الجمعيات بعمل اكتتاب وطبع بطاقات دعوة مسعرة بـ/500 فلس.

3 - الموافقة على استغلال حدائق نادي الموظفين لاقامة المهرجان عليها ، وحصلت الموافقة .

4 - تهيئة سيارات مصلحة نقل الركاب العائدة للادارة المحلية لنقل الضيوف والمشاركين، وحصلت الموافقة . فشكرنا السيد المتصرف لوقوفه ومساندته ومساعدته لنا وهو ممسك بأيدينا ويقول "انا حاضر لكل ما تطلبون" شكرناه ثانية وغادرنا غرفته . كما لاننسى السيد مدير تربية الناصرية في ذلك الوقت تبرعه بخمسين دينارا، عندها تنفسنا الصعداء. وهكذا تمت الامور التي كانت تنقصنا وبدأنا بالمباشرة لتهيئة مستلزمات المهرجان فابتدأنا من يوم 15/6/1969 حتى انعقاد المهرجان يوم 7/7/1969 0 في هذه الاثناء غادرنا الراحل كاظم للالتحاق باذاعة القوات المسلحة، والتي سميت فيما بعد باذاعة صوت الجماهير لصدور امر تعيينه فيها، ذهابه اربكنا بعض الشيء ولكن عوضنا انا وجبار الغزي لتهيئة ما تبقى من مستلزمات انجاح المهرجان كما كان هناك اتصال يومي بيننا والراحل حتى يوم الانعقاد . انعقد المهرجان بالموعد المحدد وحضره جمع غفير من متذوقي الشعر الشعبي في الناصرية واستمر المهرجان لمدة ثلاثة ايام على التوالي ، وكان الحضور يتزايد حتى غصت حدائق نادي الموظفين بهم وكانت اجمل تضاهرة شعرية في تاريخ الادب الشعبي العراقي ، كماشاركنا هذه التظاهرة زملاؤنا من الفنانين من كتاب ومسرحيين وتشكيليين وموسيقيين ليضفوا للمهرجان جوا من المتعة والابداع . كما قاموا باعداد سفرات متنوعة اثناء صباحيات المهرجان الى زقورة أور واهوار الجبايش والى بعض المناطق الاثرية في المحافظة .

كاظم الركابي ومفتاح شهرته 

ان اول قصيدة  عرف بها الراحل الركابي هي قصيدة ( جا بعديش ) والتي القاها في المهرجان الاول / 1969 ثم تلتها المناجل وكانت بين القصيدتين اغنية ( يانجمة ) والتي اداها المطرب حسين نعمه وهي الاغنيه الاولى لكلا الطرفين اضافة الى ملحنها المبدع كوكب حمزه وبعدها تلتها عدة اغان من كلمات الشاعر الراحل وهي كثيرة، واذكر منها ( كون السلف ينشال /الصنوبر/ ياحمامة/ وره كل باب/ يمدلوله 00 الخ ) 

كما ابدع الراحل في كتابة الاوبريت وكان ابرزها اوبريت ( ابو الهيل ) الذي حصل على الجائزة الاولى على عموم المحافظات في بداية السبعينيات .

نقل الشاعر الراحل خدماته من الاذاعة والتلفزيون الى اعلام المحافظات في اواسط الثمانينيات وذلك لتعرضه للمضايقات الكثيرة، فقرر العودة الى مدينته واستمر بوظيفته في اعلام المحافظة حتى يوم رحيله .

عام/1986 ترأس جمعية الشعراء الشعبيين لعدة دورات حتى اواسط التسعينيات . 

كثيرة هي ابداعاته وكتاباته التي وسم بها مدينته الحبيبة بين كل محافظات القطر، وكان له حضور متميز في كل المحافل الفنية والادبية . 

رحل الشاعر الكبير كاظم الركابي الى مثواه الاخير في 26/4/2001 تاركا أوراق قصائده المبعثرة ومكتبة ثرة بالكتب الادبية والثقافية وزوجة وثلاث بنات وولدا . الولد نبيل ، نسخة طبق الاصل من ابيه ، يشبهه في كل شيء، وعيا وثقافة وشعرا ،نبيل معلم في احدى مدارس المحافظة وضمن الاجازات الدراسية، يكمل حاليا دراسته الاكاديمية في الادب الانكليزي المرحلة الثالثة ، وهو الامتداد الشعري لوالده كاظم الركابي ، حيث سار على خطى ابيه ليكمل المسيرة الشعرية حاملا اسمه معه ليعلم المتلقي بأن كاظم الركابي لم يمت ، ومازال اسمه يدخل اسماع محبيه من خلال ولده نبيل كاطم الركابي، 

من اقوال الشاعر الراحل حول الاغنية العراقية قال : المؤلف مطلوب رأسه لانه المسؤول الاول عن الوضع البائس للاغنية العراقية وحالة الفقر التي يعيشها ولا يمكن خلاص رقبته من حبل المعادلة الموضوعية ، فكل مرض اصاب الاغنية العراقية هو الاساس ( مرض المؤلف ) وستبقى الاغنية تعاني من اوجاع بيئتها مالم تجد أولا العنصر السليم أي المؤلف المعافى فكريا وسياسيا واجتماعيا وجماليا، وتبقى الازمة قائمة لاتستطيع الاجتماعات و الاوامر الادارية حلها مطلقا . 

رحمك الله يا صديق الكل ويا زميل الرحلة الطويلة ايها الراحل المبدع كاظم الركابي وادخلك الله فسيح جناته انه سميع مجيب.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم ألخالدي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
جواد العطار ... تفاصيل أكثر
السيد الزرقاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عمار عبد الواحد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زينب فخري ... تفاصيل أكثر
منذر فلاح ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
عماد الجابري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عقيل علي الذهبي ... تفاصيل أكثر