حركةُ المدى الأزرق

عدد القراءات : 1499
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حركةُ المدى الأزرق

نجاح إبراهيم

من أيّما قصيدة أبدأُ بفكِّ أزرقها، والمتن – الدّيوان- يغوصُ بهذا الترفِ اللا يحدّ؟
من أيّما لونٍ سماويّ أغترفُ لبضعة أسطرٍ أسكبها دون أنْ أتقيّد بأسوار وجدران النقد، التي تخنُقني كلما قرأتها هنا أو هناك..؟
" السّماء لم تزل زرقاء" !! لهذا أجيئها رافلة بالحبر ، والعطر، أصلّي في فجرها البهيّ بما يملأ أصابعي من تسبيحٍ ، وماءٍ يخضّر صحراء الألم ، ويضيءُ مآذنَ العطش.
في هذا العالم..
في هذا الفضاء الأزرق السّاحر..
ثمّة حركة فاعلة ، دؤوبة، ترنو إلى تشكيلٍ لافتٍ يقدّمه مخيالُ الشاعر " شلال عنوز" الواسع، ليوشّي القصيدة بصور تأتي بساطاً ، أو جناحاً، أو جسراً لفكرته التي تجسّد عالمها المشغول بأنفاسها، وحقول دمها. ولهذا لا يمكن للقارئ أن يمرّ بها مروراً عابراً ، أو يستمتع بها في لحظة القراءة فحسب، لأنها ستبقى لامعة أمام عينيه ، وفي ذائقته، وامضةً، مؤثرةً وداهشة ، تختزنُ براكين في داخلها، أملاً ، حبّاً، لوناً، أسئلةً، ترمي بكلّ هذه الحمم في وجدانه، فتزلزلهُ زلزلةً ، فهل يحتمل القلبُ ، الأعصابُ، النبضُ، الخيالُ، كلّ هذا؟
إنّ قصيدة " شلال عنوز" لا تقف سابلة اليدين ، أو مكتوفة ، أو ملوية العنق ، إنها تغني، تتبختر، تتأرجحُ بين سحابتين في السّماء، تتشرّبُ الصّباح والضّوء ، يغسلها الشاعرُ بروحه النقيّة ، ويزقُّ فيها سلافة بوح ، ليمطر أناشيداً مُخضرّة بعشقٍ لا يرحل:
" أنا والصباح
توأمان
منذ الأزل
هو يغني
بالإشراق
وأنا أهديه
عذبَ لحني
وعزفَ قيثارتي
نحنُ الاثنان
عاشقان
لعشقٍ أزلي.."
هذا الترف اللغويّ والجماليّ، لا يتأتى من فراغٍ، ولا من مصادفة، فالشاعرُ يتقنُ تشكيلَ حرفهِ وعبارته ، على الرّغم من الوضوح الجليّ. يمنحُ قارئَه هذه الفرصة، كي يُدخله عالمه الشعري، يأسره في دائرته القزحية، يبهرهُ، وهذا لا شك يدلّ على قدرة الشاعر في اقتناص اللحظة المؤرّثة بالعاطفة ، وبالخيال ، والشعر..
فحين نمعنُ النظرَ في عبارات القصائد ، نجد عالماً يترامحُ بين أعيننا، يتحرّك، فنرى الأشجار تأتي ، والورود، والألوان،والضفافَ، ومدى أزرق يكسو الكون، إنه المكان الرّافل يشتجرُ بمعطياته، وكذلك الزّمان المتفجر بأناسه ، لهذا يخلقان معاً حركة مشهدية في قصيدة " شلال " الشاعر الذي يُجيدُ رسمَ هذا المشهد السينمائي ، يقدّمه صوراً شعرية، وذلك حين يرتفع به من درجة القراءة والاستماع ، إلى مشاهد مرئية . والنتيجة نحصدها حركة لا تكون كما هي في الواقع ، وإنّما تقتطعُ جزءاً منه، من المكان، الذي يحضر جميلاً وطاغياً ومكتظاً بالألوان والبوح ، فدجلة وما يحيط به من بهاء، بمقدوره أن يحكي أزليته ، وألقه ، والشاعرُ لا يفوته أن يغني ترنيماتِ وقته ليمام حبّ يراقصُ المويجات المتهادية:
هي بوحٌ مستفزٌّ
يشربه الألقُ
يتوسّد جرف الحياة
يغرقُ في رائحة الطين
يوشوشُ لليمامات أن تعود
لمحطاتها الذابلة.."
 وتعتمدُ حركته المشهدية على الزّمان، لتُخلق داخل النّصّ، موّارة بالانفجار ، تخضّب أوقاتنا وأذهاننا كما الحنّاء، التي تبقي وشماً مزهوّاً بحضوره على المسام:
" في غمرةِ تداعياته العنيفة
أهدى معطفه الصوفيّ
إلى رجلٍ

كان يرتجفُ برداً
على جسرِ الجمهورية
تمدّد الوقتُ بوحاً
ودجلة مازال
ينسابُ هادئاً
بموجُ الحياة.."
إنها لمغامرة حقاً ، فتجربة  عميقة مثل هذه تبدو ولا شك مغامرة في الذات ، والرّوح، والاختلاجاتِ اللازوردية ، وبواطنِ النفس ، ورحابِ الفكر، قبل أن تكون في الواقع ..مغامرة !! لأنها شرط ٌإبداعيٌّ، وأسّ هذا الإبداع هو اللغة التي كان لها لونٌ مميّزٌ في قصيدة " شلال" ووقعٌ خاص أشبه ما يكون بحفيفِ أوراق شجرٍ في فجرٍ نديّ ، على الرّغم من الانفعالية التي يُبديها  الشاعرُ لتعبّر عن حالته، وعن نبضهِ الثائر في بعضها، والذي يروي حكاية وجعِ وطنه:
" هل تدري أيّها الغائب
أنّ في الدار من يساومُ
على رأسك
في غفلةِ الوقت
الذي صادرته الولاءاتُ المزّيفة؟
الطاعون مازال يفتكُ
متفشياً في تخوم التشرذم.."
إنّ لغة الشاعر في معظم قصائده، لغة عذبة وشفافة ، فيها من الرّقة ما فيها من ضوءٍ ودفءٍ، وهذا ما يؤطرُ القصيدة بنسغها وعشقها ، إذ يكشف عن حبّ كبيرٍ يكنّه الشاعرُ للناس- الزّمان- الذين نراهم يسرحون بين العبارات، وللوطن الذي لا يغيب، والأرض المتجذرة في الوجدان، والقيم، والحياة..
لهذا نشمُّ رائحةَ ذات الشاعرِ في كلّ نصّ ، وما ذاته إلاّ كلّ هؤلاء الذين يدخلونَ في نسيج قصيدته ، فندركُ في الحال كم هذا الشاعر من مبهر!
حين تصالحَ مع ما يعشق من الحياة والشعر، إذ نجده والآخر توأمين في قصيدة لا تزال سماؤها زرقاء، يتغاصنان، يتماهيان، وينهلان من منابع الأمل ، ومنمنمات الحياة.
لهذا تأتي القصيدة إلى بياض الشاعر ، تحبّر ورقه الممدّد أمامه لما يمتلك أيضاً من فطرة شعرية ثرّة، وأفكار مشرّبة بنسغ الحياة، التي تتراقص على أطراف أصابعه، الحياة التي لا تخلو من وجعٍ وجراح وغبار المعاناة، وشقوق الوقت:
" أعانقُ همسَ أنفاسك
أعزفُ في زرقة الأماني
يسكرني عبق مياسم الندى
تشربني النشوة
لذائذ ضوع مستفزّ
طائر أحطّ على جبل غنج البرتقال.."
ومع ذلك تأتيه القصيدة بسهولة ودون مكابدة، أو احتباس ، لتهدل في وجدانه دون معوقات، راتعة بجمالياتها ، نلامسُ فيها بساطة التعبير ، على الرّغم من رمزيتها وعمق دلالتها . وما يدهشُ أنها تختمُ دنانَ حضورها بالتفاؤل والرّغبة ، وبسماء زرقاء تليقُ بالعصافير، إذ يمتدّ الأمل على مساحة واسعة على متنها ، وما الأمل إلا أفقٌ قادمٌ بالزُّرقة ، وهذه مغامرة من يمتلك اندفاعاً وجرأة ، يحملُ رموزه ولغته السّحرية ، ممتطياً صهوات من الأحلام ليكتشفَ العالم ، منتصراً على ألم ، على واقعٍ لا يعجبه، ولا يحتمل بقاءه ، أو ليصوغه من جديد ، فيغلب عليه لونُ البقاء، في مشهد ماتع يشبه مدى أزرق.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد حسن الساعدي ... تفاصيل أكثر
رواء الدفاعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غسان الوكيل ... تفاصيل أكثر
نهاد الحديثي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم ألخالدي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
جواد العطار ... تفاصيل أكثر
السيد الزرقاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عمار عبد الواحد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر