لمحات من تاريخ الحركة النسوية في العراق عودة الى بداية الصراع من أجل التحرر

عدد القراءات : 7772
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لمحات من تاريخ الحركة النسوية في العراق  عودة الى بداية الصراع من أجل التحرر

لكي تكون وقائع هذه اللمحات التاريخية أكثر وضوحا داخل إطارها الزماني والمكاني وجدنا بداية أن ننقل للقارئ واحدة من أحداث ذلك الزمان مما له علاقة بالمرأة، لكي نتعرف على واقع المجتمع آنذاك والأعراف السائدة فيه : (بناء على الطلب السلطاني الصادر عن دار الخلافة الإسلامية في إستنبول عام 1904 أراد والي بغداد عبد الوهاب باشا أن يشمل النساء في عملية الإحصاء السكاني، ومنح كل واحدة منهن تذكرة عثمانية (هوية أحوال مدنية) أسوة بالرجال. ولما شاع الأمر بين أهالي بغداد قامت قيامتهم لما يحتفظون به من تقاليد موروثة وعادات عربية معروفة معتبرين هذا الأمر الذي أقدم عليه الوالي يمس شرفهم ويحط من قدرهم وكرامتهم.

فخرج الرجال من أهالي باب الشيخ والصدرية ورأس الساقية وفضوة عرب وبني سعيد والفضل ومناطق الكرخ يتقدمهم السيد أحمد أفندي النقيب ومعه رؤساء المحلات معلنين السخط والإستياء، تتقدمهم الأبواق والطبول والدمامات، مسلحين بالبنادق والمسدسات والسيوف والخناجر والقامات والهراوات، مع أهازيج شعبية وهوسات بغدادية، ليصطدموا مع الجندرمة قبل أن يقصدوا سراي الوالي الذي لم يخرجوا منه إلا بعد أن قرر تراجعه عن أمر التسجيل، فرجع الجميع يهتفون ويتغنون بتقاليد العرب المتوارثة).
أمدتنا هذه الرواية بصورة واقعية عما كان عليه مجتمع بغداد آنذاك، وعلينا أن نتصوّر الآن جسامة الأمر وخطورته بالنسبة لناشطي حركة التحديث ودعاة تحرير المرأة.

إن كفاح المرأة في العراق هو جزء من مسيرة تاريخية طويلة قطعتها المرأة في معظم بلدان العالم من أجل مناهضة التمييز الإجتماعي ضدها، فقد حفظت لنا الكتب والوثائق والمكاتبات والسير الذاتية لمؤرخين وسياسيين وأعلام فكر عراقيين العديد من القصص والوقائع التي أرخت لتاريخ الحركة النهضوية التي قادها المتنورون العراقيون لدعم عصبة من النساء العراقيات من أجل نيل حقوقهن المستلبة والتحرر من القيود التي فرضها الجهل الذي كان ينخر بجسد الأمة العراقية.

سوف نستعرض في بحثنا هذا بعضا من فصول ذلك الصراع التاريخي الطويل وذلك الكفاح المرير الذي امتد لأكثر من خمسين عاما منذ طلائع القرن العشرين، بين دعاة التجديد وتحرير المجتمع من براثن التخلف لكي يواكب العصر الإنساني المتحضر، وبين المتعصبين الداعين الى إبقائنا وإبقائها (أي المرأة موضوعة البحث) في العصور المظلمة، صراع تمكنت فيه قوى التحرّر والتحضّر والمدنّية من تحقيق الكثير من أهدافها، قبل أن تتوقف عجلة الزمن مرة أخرى وتهزم المدينة والمدنية بعد العام 1968، إثر استيلاء زعيم ذي نزعات فاشية ويحمل قيما بدوية متخلفة على مقدرات بلد متحضر، ليدخل العراق مرة أخرى في سبات مظلم ولتدور – منذ ذلك الوقت والى اليوم - عجلات كل المفاصل الإجتماعية الى الوراء.

وحده التاريخ هو الفيصل ووحده من يسجل في صفحاته عِظم الأسماء التي تقف بوجه الظلامية والعفن الفكري والتخلف والجهل، برغم كل الظروف المساعدة على إبقاء تلك العلل الإجتماعية والأمراض الذهنية التي تحقق مآرب وقتية هنا أو مآرب وقتية هناك، ذلك أن ساحة العصر الإنساني الحديث لم تعد تتسع بعد الآن لمثل هذه الظلاميات.

سنعود في عرضنا التاريخي البسيط هذا الى مطلع القرن الماضي لنقف على بدايات ذلك الصراع، بين التخلف والتحضّر، والجهل والتنوّر، والعبودية والتحرّر، لنقف على أهم الوقائع التي أشرّت لموضوع تحرير المرأة ومنحها الحقوق الإنسانية.
بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الإستخلاف العثماني – الملقب آنذاك بالرجل المريض – على يد الإستعمار البريطاني!!، وفي وسط حراك سياسي وإجتماعي غير مسبوق بأكثر من اتجاه، بدأت قوى شبابية تنويرية متأثرة بالتطور والتقدم الذي أصابه العالم المتحضر بالتطلع الى خلع رداء الإنحطاط والتخلف الذي كان المجتمع العراقي قد إبتلى بهما على مدى قرون غير قليلة، ولما كانت المرأة هي أبرز وأوضح ملامح ذلك التخلف، فكان من الطبيعي أن تشكل موضوعة حقوقها محورا مهما في أنشطتهم.  
عندما أعلن الدستور العثماني في تموز 1908 وأقيمت المهرجانات والاحتفالات بهذه المناسبة خيّل للشاب الأستاذ في مدرسة الحقوق جميل صدقي الزهاوي أن الفرصة مؤاتية ليطلق أفكاره التحررية فنشر في جريدة المؤيد المصرية وتحت اسم مستعار مقالته الشهيرة حول ضرورة تحرير المرأة من عبوديتها، داعيا المحاكم الشرعية الى منحها حقوقها أسوة بالرجل مستشهدا بالآية القرآنية الكريمة (ولهن مثل الذي عليهن)، وما إن وصلت هذه الجريدة الى بغداد وإطلع عليها الأهالي حتى ماجت الأرض بأهلها، ولم نعرف من وشى باسم الكاتب الحقيقي، ليتعرض الى ما تعرض إليه الزهاوي من إعتداء وهجوم عنيف من قبل خصومه ما دفع بـ (ناظم باشا) والي بغداد أيامئذ الى فصله من وظيفته تحت ضغط الجماعات المتشددة على الرغم من تراجع الزهاوي وإنكاره لتلك المقالة بعد إهدار دمه).
يصف المؤرخ خيري العمري حال المرأة في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين بقوله (كانت المنطقة غارقة في سبات عميق من الجهل، منكمشة على أعراف بدوية وقيم إجتماعية لا تكاد تعطي للمرأة أية قيمة إنسانية، بل كانت المرأة تعيش على هامش الحياة وراء جدران عالية من التقاليد وحواجز مرتفعة من العادات البالية، لا يسمح لها أن تطل على العالم إلا من خلال ثقب بباب أو برقع ونقاب، بل كانت المرأة (عورة) يجب أن تستر بستار كثيف من عباءتين وعلى الرجال أن يتحاشوا الإشارة إليها في مجالسهم خوف الفضيحة وخشية العار).
(كان عالم النساء في ذلك الزمان عالما مستقلا إستقلالا تاما عن عالم الرجال، كانت الحدائق العامة ولاحقا دور السينما والنوادي تحدد أياما معينة وأوقاتا خاصة للنساء مراعية في ذلك أسلوب الفصل الإجتماعي الذي كان متبعا، بل حتى البيوت كانت مقسمة بين ما يسمى بـ (الحَرَمْ) وهو مخصص للنساء وبين الديوان خانة وهي المخصصة للرجال).

في شباط عام 1922 أقام المعهد العلمي ببغداد مهرجانا شعريا عرف باسم سوق عكاظ ورأى بعض منظميه أن تساهم الفتاة العراقية فيه، فعارض ذلك بشدة رجل الدين المعمم عبد الرحمن الكيلاني النقيب رئيس الوزراء آنذاك لاسيما وأن الفتاة التي وقع الإختيار عليها هي حفيدة الشيخ أحمد الداود الذي درس على يده الأحاديث وأصول الفقه، فثارت ثائرة المتشدّدين ونظموا حملة للتنديد بالمعهد وهدر دماء القائمين عليه.

بدأت الحركات النهضوية الداعية الى الثورة على الجهل والتخلف تنمو في العراق حاملة راية التحرر وداعية الى اللحاق بركب التطور الذي غزا العالم، وكان لابد للمرأة العراقية من أن تتأثر بتلك الدعوات سياسية كانت أم إجتماعية، فكانت المرأة حاضرة مع أول ظهور لحركات التحرر في العراق التي حمل لواءها السياسي اليساري الرائد (حسين الرحال)، فمضت تتحمل مسؤوليتها الوطنية للدفاع عن الحقوق الإنسانية لمجتمعها بأكمله، قبل أن تبدأ المناداة بحقوقها وحرياتها أو تعمد الى تشكيل جمعيات نسائية خاصة بها أو منظمات مدنية تعنى بشؤون الأسرة، كما تمكنت المرأة العراقية في العام 1923 من إصدار عدد من المجلات النسائية أبرزها مجلة (ليلى) التي رأست تحريرها (بولينا حسون) إحدى زعيمات النهضة النسوية العراقية.
إشتدت معركة السفور والحجاب وأصبحت أكثر ضراوة بعد حفل إستقبال ولي العهد الأمير غازي بمناسبة عودته من دراسته في لندن، فقد شاركت في ذلك الإحتفال مدارس بغداد، وكان من بينها لأول مرة طالبات ثانوية البارودية للبنات، تتقدمهن مديرة المدرسة الآنسة (معزز برتو)، فأقامت الأوساط المحافظة الدنيا ولم تقعدها وعلى رأسهم رجل الدين المتشدد (محمد بهجت الأثري), الذي كان الرصافي يلقبه (ببوليس السماء)، لكثرة الفتاوى التي كان يصدرها في كل صغيرة وكبيرة، ومعه رشيد عالي الكيلاني وسلمان الشواف وتوفيق الفكيكي والشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي وآخرون، كما عهد داود العجيل رئاسة تحرير جريدته (البدائع) الى بهجت الأثري خصيصا لمواجهة المجدّدين، فانبرت هذه تهاجم مديرة المدرسة وتعتبر العمل الذي أقدمت عليه خروجا على الفضيلة وتمردا على الآداب . فسارع الثائر المخضرم حسين الرحال الى الرد عليهم بجرأة وعنف ومعه عصبة من الشباب كالأديب مصطفى علي ومحمود أحمد السيد وسامي شوكت وعوني بكر صدقي ومحمد سليم فتاح، كما انضمت جريدة العراق التي يتولى تحريرها رزوق غنام وروفائيل بطي الى جانب دعاة التحرر الآخرين، فكتب فيها سامي شوكت مقال جاء فيه : (إن المطالبين ببقاء تستر المرأة وأسرها يكون طلبهم منطقيا أكثر لو طلبوا إلغاء التعليم ورفع التهذيب والإبقاء على الحالة الهمجية للمجتمع).
في 23/11/1924 وبينما هذه المعارك قائمة في الأندية والمحافل، وأخبارها وأحاديثها تدور في المقاهي والمجالس، وإذا بنادٍ جديد يفتتح بإسم (نادي النهضة النسائية) تألفت هيئته الإدارية من (أسماء الزهاوي) شقيقة الشاعر جميل صدقي الزهاوي ونعيمة السعيد وماري عبد المسيح وفخرية العسكري زوجة الوزير جعفر العسكري)، فسارعت جريدة العراق الى الترحيب به معتبرة إفتتاح النادي إنتصارا لحرية المرأة.
إزدادت المعارك حدة بين أنصار التجديد وبين المحافظين المتشددين وأقبل الناس على الصحف التي أصبحت الآن ساحٍة لها، ووصلت المشادات الكلامية في أحيان كثيرة الى الإشتباك بالأيدي، ناهيك عن الشتائم وإطلاق النعوت والألقاب والصفات المزرية على المجددين.
وعندما أخذ دعاة تحرير المرأة ينادون على صفحات جريدة العراق بإلغاء المحاكم الشرعية وسن قانون مدني جديد ينظم الأحوال الشخصية على قواعد تساير العصر، طار صواب المحافظين لهذه المبادرة الجريئة وأخذوا يطاردون دعاة التجديد، تارة بالتهديد بالقتل وطورا بالإرهاب، فاضطر عدد من أنصارهم الى اللجوء للقضاء مطالبين حمايتهم من المحافظين.
صار الملك فيصل الأول وديوانا مجلس الوزراء ووزارة الداخلية يستقبلون يوميا وفودا لا تنقطع من المحافظين، ويصغون الى إحتجاجاتهم ويستلمون منهم المضابط التي تحث الحكومة على (تأديب) المجددين بحسب قولهم، فأوعزت مديرية المطبوعات التابعة لوزارة الداخلية الى الصحف بالكف عن نشر المقالات التي تدعو الى التحرر والسفور، إلا إن تلك الإجراءات لم تمنع حسين الرحال من إصدار مجلة (الصحيفة) التي إستطاعت أن تهز الأوساط المحافظة وتزعزع القيم القديمة السائدة.
فقد عكست المجلة في أعمدتها اليومية أحدث الآراء في التاريخ والأدب والنظريات السياسية والإقتصاد وعلى صفحاتها تتبع الجمهور العراقي نهضة المرأة التركية والإيرانية واللبنانية والمصرية، ومن تلك المقالات نقتطف هذا المقطع للكاتب محمود أحمد السيد الذي يقول فيه :
(سنواصل مسيرتنا في سبيل الحرية الفكرية والحق والمثل العليا .. نحن أقوياء بأنفسنا أقوياء بأقلامنا، سنكشف قناع الرياء عن ميراث العصور المظلمة وسنزهق الباطل ونسحقه سحقا ونرفع للمرأة راية التعليم والتحرر الإجتماعي، وذلكم واجبنا الأكبر) !.
كان لهذه المجلة أثرها الكبير في تنبيه أذهان الناس وتثقيفهم والتمهيد لخلق مفاهيم حضارية جديدة، فنشط المجددون بشكل واضح، وإنضمت إليهم أسماء جديدة من المؤثرين مثل طالب مشتاق وكامل السامرائي وعبد الحميد رفعت وشاكر الأوقاتي وساطع الحصري ومحمد بسيم اذويب وغيرهم الكثير.
لكن المحطة الأهم في تاريخ نهضة المرأة العربية عموما والعراقية خصوصا هي إنبثاق مؤتمرات خاصة بالمرأة، ويعزى ذلك للنشاط المميز الذي تبناه المفكر اللبناني (محمد جميل بيهم) ضمن مساعيه الحثيثة للدفاع عن حقوق المرأة العربية، فتلقت زعيمة النهضة النسوية العراقية (أسماء الزهاوي) رئيسة نادي النهضة رسالة من السيدة اللبنانية نور حمادة رئيسة المجمع النسائي العربي بداية آذار 1929 تدعو فيها المرأة العراقية للتشاور من أجل عقد أول مؤتمر نسوي عربي، وقد دعت  الزهاوي في ضوء ذلك عضوات نادي النهضة للإجتماع والمداولة في موضوع المؤتمر فضم الإجتماع بالإضافة الى عضوات النادي عددا كبيرا من السيدات الناشطات ومما قالته الزهاوي في الإجتماع (إن إجتماعنا هذا لهو دليل على أن الحركة النسوية المباركة في العراق صادقة لا يثبط عزيمة القائمات عليها معارضة الفئة الرجعية، إننا نسير في ظلمات التعصّب المخيّم على ربوع الرافدين ولكن الصبح آتٍ عن قريب وسنراه باعيننا، صبحاً يفيض نوره على الربى والبطاح). كما إشتكت الزهاوي من عجز الحكومة عن مساعدتهن ضد القوى المتعصبة التي تصول وتجول وتهدد وتتوعد، معيبة عليها (أي الحكومة) الوقوف على الحياد في هذا الصراع الإجتماعي الصعب, وهو ما أرهب بالتالي النادي وأعجزه عن تسمية إمرأة عراقية واحدة لتمثيل العراق في هذا المؤتمر المنتظر (الذي تمنته نور حمادة أن يعقد ببغداد)،
لم يطل العام 1930 حتى ظهرت أصوات نسائية بأسمائها الصريحة تدعو الى منح المرأة حقوقها وتلمح علانية الى تحررها وضرورة إفساح المجال أمامها للدخول الى معترك الحياة فأرتفع صوت (رفعة الخطيب) يناقش الشريعة الإسلامية ما إذا كانت منعت السفور أم لا، وصوت الآنسة أمينة الرحال (شقيقة الثائر حسين الرحال) تدعو الى ضرورة إستقلال المرأة إستقلالا إقتصاديا.
لكن الحدث الأبرز والأهم الذي قطف المتحررون فيه ثمار كفاحهم هو إنعقاد مؤتمر المرأة العربية الثالث في تشرين الثاني من العام 1932 وهو أول مؤتمر للمرأة في تاريخ العراق، ما عزز إتصال حركة المرأة العراقية بمثيلاتها في الدول الأخرى، وكان إنعقاد مثل هذا المؤتمر سببا كافيا لإثارة الرأي العام المتابع، فامتلأت صحف بغداد بمقالات مؤيدة ومهنئة ومستبشرة بهذا التطور الإيجابي الذي سيحفز المرأة على التقدم بخطوات أكثر جرأة نحو مطالباتها الإنسانية، تقابلها عناوين ومقالات أخرى تعنف وتهدد وتحمّل الدولة مسؤولية هذه الإنحدار (والسقوط الإخلاقي!!) لسماحها بقيام مثل هذه (الفضائح)، بل أفتى بعض كتابها من أن ما يجرى هو إحدى علامات قيام الساعة !!. 
وفي أربعينيات ذلك القرن بدأت المرأة ترتاد النوادي ودور السينما والحدائق العامة بصحبة الرجل، بل أصبحت المرأة العراقية مشاركة في الأنشطة الثقافية والأدبية ومتذوقة لكل أنواع الفنون الموسيقية والمسرحية والتشكيلية، وأنقل هنا مقطعا من المذكرات اليومية للفنان التشكيلي العراقي الرائد (جواد سليم) وفيه صورة لما كانت عليه المرأة العراقية آنذاك، متمنياً على عراقيي اليوم أن يقارنوا بين ذلك الأمس البعيد المشرق وبين حاضرهم المتهرئ المشوه منذ أكثر من ثلاثة عقود. إن التطور اللاحق الذي سلفت النظر إليه هو دخول المرأة المعترك السياسي بل وستأخذ مواقع مؤثرة فيها وتسطر مآثر حفظتها ذاكرة التاريخ العراقي الحديث، فعلى سبيل المثال ضم الحزب الشيوعي العراقي (المحظور آنذاك) في خلاياه نساء من مختلف الأعمار والدرجات الوظيفية والمستويات الثقافية والإجتماعية، فكن يحضرن الإجتماعات السرية ويؤدين الواجبات الحزبية مع ما يكتنف ذلك من مخاطر غير محمودة، بل ويشتركن في التظاهرات والإعتصامات.
فها هي (عدوية الفلكي) الشابة العراقية بنت التاسعة عشرة تتقدم أعتى وأشهر إنتفاضة في تاريخ العراق السياسي على الإطلاق ما عرفت بعد ذلك بـ (وثبة كانون).
كانت هذه الإنتفاضة العارمة الخالدة قد تجمعت من مختلف أنحاء الرصافة في الساحة التي تعرف اليوم بساحة (الرصافي) قاصدة عبور الجسر، فيما كانت قوات الشرطة بجانب الكرخ قد نصبت أسلحتها الرشاشة فوق سطوح الجامع والمباني المطلة على الساحة (حاليا ساحة الشهداء) تنتظر وصولها، حتى إذا ما إجتازت التظاهرة منتصف الجسر إنهمر عليها رصاص الأسلحة الكثيف من ثلاثة جوانب فراح المتظاهرون يتساقطون قتلى وجرحى (400 ضحية ومئات الجرحى حسب بيانات الشرطة)، كانت (عدوية) هذه في مقدمة التظاهرة ترفع مع زميل لها احدى اللافتات وعندما أردى الرصاص زميلها قتيلا لم تخف ولم تثبط عزيمتها ولم تتراجع بل أصرت على حمل تلك اللافتة وحدها هذه المرة متجاهلة نيران الأسلحة المدوية لتعبر ذلك الجسر لوحدها، (الجسر والساحة اللذان حملا فيما بعد اسم – الشهداء -  تيمنا بهذه الواقعة الوطنية الخالدة أو المجزرة البشرية المروعة).
 في العام 1952 تمكنت عصبة من النساء الناشطات أمثال نزيهة الدليمي وسافرة جميل حافظ (وجميعهن ينتمين الى الطبقة الوسطى المحافظة) من تشكيل أكبر وأنشط منظمة نسوية عراقية تحت اسم (رابطة الدفاع عن حقوق المرأة)، ويبدو أن إرتباطها بالحزب الشيوعي المحظور جعلها تختار العمل السري، لكن ما يميزها هو أن أغلب عضواتها من شرائح إجتماعية مختلفة، ففي حين كان نشاط الجمعيات حتى ذلك الوقت مقتصرا على الطبقة البرجوازية، فإن هذه المنظمة توسعت وتمكنت من ضم أعداد هائلة من النساء في أغلب المدن والقرى العراقية ممن ينتمين للطبقات الوسطى والفقيرة، ولعبت دورا فاعلا في التظاهرات التي شهدها العراق عامي (1952 و 1956)، ما أدى الى إعتقال عدد من عضواتها، وهو ما يحدث للمرة الأولى في تاريخ الحكومات العراقية حتى ذلك الحين، وعندما شكلت الأحزاب السياسية المعارضة ما عرف بـ (جبهة الإتحاد الوطني) في العام 1957 كانت هذه الرابطة إحدى تشكيلاتها.
مضت السنوات والمرأة تزداد ثقة بنفسها لتنتزع ثوب التخلف والتبعية والإنكفاء على الذات، ففي تلك الخمسينيات امتلأت القطاعات العلمية والثقافية والأدبية والفنية بأسماء عراقيات مبدعات تركن بصمات واضحة في تاريخ الأدب والفن والسياسة والعلوم، كما عم الإختلاط بين الجنسين في معظم الكليات والمعاهد الدراسية.
ومع سيطرة الجمهوريين على الحكم عام 1958، وصل عدد عضوات رابطة المرأة العراقية (وكان هذا هو اسمها الجديد) الى أكثر من 40 ألف عضوة، ونجحت من تحقيق أهم الأهداف التي كافحت المرأة العراقية من أجلها طويلا، فبعد أقل من عام أصدرت الدولة العراقية القانون رقم 188 وهو أول قانون مدني ينظم الأحوال الشخصية ليس في العراق وحسب بل وفي منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.
إن المتتبع للمشهد العراقي خلال عقد الستينيات يلمس بكل سهولة مديات الإنعتاق والتحرر الذي وصلت إليه المرأة العراقية سياسيا وثقافيا وتعليميا وفنيا والأهم من ذلك إجتماعيا. ففي مطلع هذا العقد عينت (نزيهة الدليمي) وزيرة في الحكومة لتكون أول إمرأة تتبوأ هذا المنصب في تاريخ الحكومات العراقية والعربية، وهو ما دفع ببقايا القوى الظلامية وما يعرف باليمين السياسي الى تأليب شارعهم ضد هذه الخطوة، بل وأطلقوا الأهازيج السوقية للنيل منها والتي ظلت الذاكرة الشعبية تتذكرها على الدوام.
ولكن, برغم رعونة هؤلاء وبذاءتهم, كان هذا العقد عقدا حضارياً مميزا في تاريخ العراق، مازال الليبراليون والمتنورون العراقيون يتذكروه بمزيد من الإعتزاز أحيانا، وأحيانا بمزيد من الألم والأسى والأسف لفقدان إنجازاته، برغم الشهور التسعة السوداء من العام 1963 عندما نهب البعثيون السلطة للمرة الأولى، وما تعرض له العراقيون – والمرأة من ضمنهم – الى واحدة من أفضع مجازرهم، حيث حوّلت ميليشيا الحرس القومي الفاشي ملاعب الكشافة والكرخ الى سجون للنساء الناشطات، وعندما نعرف أن عدد عضوات رابطة المرأة العراقية قد إقترب حينها من الـ 50 ألف عضوة، فعلينا تصوّر عدد اللائي تعرضن للقتل أو الإعتقال والتعذيب والإغتصاب، وبينهن مئات المبدعات في حقول العلم والأدب والفن وغيرها، إضافة الى الفصل التعسفي من الوظائف الذي طال الآلاف من العاملين والعاملات في مجال التعليم وغيره، وهو ماجرى في عموم محافظات العراق.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي العبودي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نجم الشيخ داغر ... تفاصيل أكثر
بلال حنويت الركابي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
مكرم محمد أحمد ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو. ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
الشاعر محمد بشار ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عبدالرضا الساعدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
غسان الوكيل ... تفاصيل أكثر
علي علي     دأب برلماننا منذ ولادته -كما هو معلوم- متلكئا في سن القوانين وإقرارها تحت سقف زمني معقول او نصف معقول، إذ يدخل مشروع ... تفاصيل أكثر
 مازلت اذكر اللحظات الاولى لوصول الراحل الدكتور احمد الجلبي الى مدينة الناصرية بعد سقوط النظام السابق مباشرة، ولقاءنا به للحظات تحدث خلالها عن ان عهداً ... تفاصيل أكثر
علي علي     في بلد يعوم على بحور من الخيرات، تدور الدوائر عليه، فيأتي أناس خرجوا من رحمه، ليتسابقوا على سلبه جهارا نهارا، فكأنهم يقطّعون ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر