الموت الموحد

عدد القراءات : 395
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الموت الموحد

علي حداد

 

كان يرتدي بدلة رصاصية مخططة وقميصاً أزرق.. وربطة عنق سوداء.. وحذاء صغيرا انيقا وعلى رأسه يعتمر قبعة سوداء..

كان يتمشى وسط الحديقة العامة يشق الضباب بهدوء وطمأنينة.. وكان ندى الصباح يبلل الاوراق .. والحشائش .. والزهور.. لم يلتفت الى اي شيء.. اطلاقاً، ولم تكن نظراته تثبت على شيء محدد، كان يلتهم كل ما تقع عليه عيناه، بحياء، وهدوء، لم يكن سعيدا ولا حزينا، كان يشعر بالارتياح فقط، اذ انه راح يدندن باغنية قديمة جداً:-

( كانت السماء اكبر مني بكثير.. في حين

كنت ارى الارض كلها.. اصغر

مني.. بكثير)

جلس على مقعد قديم ينظر الى النهر بشوق بالغ .. لكنه متقطع، اذ كان المقعد الحديدي يبعث على مؤخرته برودة لذيذة.. تصل الى كل اجزائه بود، تلفت حوله كانت الحديقة العامة، او المكان الذي هو فيه على الاقل.. خاليا هادئا.. ساكنا.. كان وحيدا، بالقدر الذي يمكنه من رؤية حذائه الاسود الانيق وكأنه يراه لاول مرة.. اطاح بنظره على النهر الصغير.. كان الماء ينساب فيه بشكل رائع ودقيق.. ابتسم الرجل لنفسه وهو يرى عصفورا صغيرا يحلق على منخفض فوق مياهه دقق النظر جيدا.. ان هذا المخلوق الصغير يدخل الى عالمه وكأنه يدخل لاول مرة ايضا! كان يداعب ورقة لاحدى الاشجار كانت قد سقطت منذ مدة وجيزة على سطح الماء.. استمر الرجل ذو البدلة الرصاصية المخططة.. والقبعة السوداء يغني اغانيه القديمة.

( لا اريد الذهاب الى القمر.. فهذه

الارض تكفي.. لمتعتي!)

وضع احدى ساقيه فوق الاخرى ومسك ركبته بيديه التي شبكها مؤخرا..  واتسعت ابتسامته .. كان متفرغا .. الى درجة ان ذبابة صغيرة .. كانت ستشغله، لم يكن الوحيد الذي يشكو الفرح الفارغ..

بدت من العصفور حركة عصبية.. بدرت على حين فجأة.. فشد من انتباهه اليه.. كان يأخذ الورقة في منقاره ثم ما تلبث الريح ان تسقطها منه، حدث هذا ثلاث مرات متتالية.. هز الرجل رأسه ثلاث مرات.. اذن لم يكن هذا المخلوق يداعب الورقة.. كان الطفل الذي في نفسه يكبر بحماسة، ممسكا هذه المرة بقوة، وطار بها الى حافة النهر.. وتراءى للرجل انه يبتسم.. حلق فوقها بتعب، كانت جناحاه ترتعشان بفعل الهواء البارد تمنى الرجل ان يغطي هذا العصفور بسترته الرصاصية المخططة.. استغرب الرجل لعودة العصفور المبكرة فوق النهر.. ها هو يراه يحلق من جديد.. انها الورقة تعود مرة ثانية نتيجة لحركة المياه الباردة، شعر الرجل.. ان هذا ينم عن تعمد وقصد، كان يشد نفسه مثل العصفور، فعندما ترتعش جناحاه كان الرجل يرفع يديه.. ويخطفهما.. كان يريد ان يمده بالعون والتشجيع، وكاد لعابه ان يسيل عندما اوصل العصفور الورقة الى اليابسة ثم اخذ يهذي بكلمات مبهمة.. وبغضب ارخى عقدة رباطه الاسود، وسب ولعن ما ان رأى الامواج الهادئة تأخذ الورقة الى العمق.. تأكد الرجل الجالس فوق المقعد الحديدي ان العصفور انهكه التعب وبدا له ان ريشه المبتل يتساقط ويطفو على السطح.. ببراءة .. كيف يستطيع الرجل ان يساعد هذا الصغير.. وهو يجاهد للمرة.. الـــ.. على التوالي.. لانقاذ هذه الورقة.. سب الورقة ولعنها.. كان وهو يفكر بذلك تطغى على حركاته الحة والعصبية.. واوشك ان يخلع حذاءه.. تصبب العرق من جسمه وكانت يداه قد تعبتا.. وانهارتا من الايماء والحركة.. وكذلك كان جسده يتقافز .. ويلتوي .. خلع قبعته.. راح منظر الرجل الانيق يتشوه .. شيئا فشيئاً.. قبعته السواء المرمية على المقعد المبلل بالندى.. رباطه الاسود المنسدل على صدره باهمال.. رباط حذائه المفتوح.. بنطلونه الرصاصي المخطط، الذي طواه منذ برهة.. هيئته كلها، عادت لا توحي بالارتياح..كما اكد احدهم فيما بعد.. وكان يعود الى مقعده جالسا.. منهوك القوى.. ويطلق زفرة .. ويترقب .. لم يكن يلتفت الى الذين بدأوا يتوافدون الى الحديقة العامة.. في باكورة هذا الصباح وهم على ذلك قلة.. المنظف.. والساقي .. والحارس.. والمشرف على طعام الحيوانات.. القصير القامة.. وامرأة عجوز وكلبها الشاب الذي نظر الى العصفور بشهية.. وقد شهدت هذه فيما بعد .. (كنت اظنه يمارس تمارينه الرياضية!!).

كان العصفور يسحب الورقة بأناة.. فنهض الرجل بحماسة.. وطار فرحاً.. وندت عنه صرخة لم تعرها العجوز التفاتاً.. كان العصفور يبذل جهده.. وعلى حين غرة.. سقطت الورقة مرة اخرى فسقط المسكين فوقها.. وانتظر الرجل ان ينهض العصفور، فانتفض من مكانه وخلع سترته.. كان يلتقط انفاسه بصعوبة.. فاومأ بيديه وهو يراه ينهض من جديد ويأخذ الورقة الى اليابسة ثم اخذ ينظر اليها وهي تنزلق الى حيث النهر والامواج التي تراكمت على الشاطئ.. جراء حركات المخلوق الصغير الطائشة.. اوشك ان يذهب لمساعدته.. لكنه عدل عن ذلك وهو يرى الورقة التي وصلت الى منتصف النهر الصغير وقد تقطعت الى نصفين.. فما كان منه الا ان مات مثل العصفور.!!

ويقول طبيبه الخاص في معرض حديثه لزوجته ولمجموعة من اقاربها كان قد دعاهم البارحة مساء الى العشاء:-

- أتذكرين يا عزيزتي الرجل ذا البدلة الرصاصية المخططة.. نعم الأنيق.. ذا القبعة السوداء.. آه.. يا أعزائي.. ان الرجل كان مصاباً بتلف في أوردة القلب وقد نصحناه أن يستجم.. يذهب الى الغابة.. الى الشاطئ.. الى.. الى أي مكان يشعر فيه بالأمان.. والسلام.. والارتياح.. أوه، لكنهم وجدوه اليوم في الحديقة العامة.. مكان جميل وهادئ.. وجدوه ميتاً.. وقد خلع ملابسه كلها.. كان يمارس الرياضة.. هذا المجنون.. ان عقله الصغير مع الأسف..!

وأضاف دون ان يدري ما حدث:-

- تصوروا.. ان عقله.. عقل ذبابة..لا بل.. عقل عصفور.. العقل الذي يؤثر في القلب.. طريقة التفكير هذا هو كل ما في الامر..!

وكانوا يؤشرون له برؤوسهم .. دون ان يتصوروا .. شيئاً، لأن العشاء كان قد جهز.. ويوشك أن يبرد..!!

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف ابو مسلم ... تفاصيل أكثر
د.سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
د.سعد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
شكيب كاظم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
د. غسان السعد ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
داعش، هذه العصابة المسلحة المجنونة بالقتل والعاشقة لكل ما له علاقة بالجرائم الكبرى ، صارت قبل أكثر من سنتين وبفضل بعض الخونة من العسكر ومعهم ... تفاصيل أكثر