ماذا لو رفعنا الراء من الحرب؟

عدد القراءات : 441
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ماذا لو رفعنا الراء من الحرب؟

علي علي

 

    قبل أيام نقلت وسائل الإعلام خبرا مفاده؛ عقد قران المنتسب الى إحدى وحدات الأجهزة الأمنية العراقية "فهد" على المواطنة الموصلية "أسماء". وليس عقد القران حدثا غريبا او جديدا زمانا ومكانا، إلا أن الجديد والغريب في الأمر، أن الاقتران تم بعد أن أنقذ "فهد" حياة "أسماء"..! ولم تكن بينهما معرفة ببعضهما قبل الحادثة، إذ تعرض منزل عائلتها في الموصل الى قصف أدى الى هدمه وهم داخله، وشاء قدر "أسماء" أن يكون "فهد" واحدا من القوة الأمنية التي قامت بعملية انقاذها وعائلتها من تحت الأنقاض. فكانت تلك الحادثة سببا لاقترانها به بعقد قران توج فيه "فهد" عقده مع أرض وطنه، بعد أن قرر الذود عنها. وقد كانت لي في هذا الحدث قراءة حينها، أرى في إعادة تلاوتها كآية من آيات الحب والمودة والرحمة خيرا، إذ كما يقول مثلنا؛ (زيادة الخير خيرين).. أقول:

   قد يعلو دخان المعارك، وتكون الغلبة لرائحة البارود، وتلبد الورود خجلى حاضنة عبيرها تحت أغصان ذوت وماتت. وقد تصطبغ شوارعنا دما، وتنطفئ أنوارها وتسود أزقتنا العتمة، حيث لايجوب فيها غير الضباع والجرابيع، وتختفي النوارس والسنونوات من سمائها، وتحوم فوقها الغربان.

  في ظل معطيات كهذه، لاوجود للفرح حتما، ولا مكان للضحكات، بل لا حيز للشفاه، إذ تنفرد الدموع وحدها في ساحات كهذه، وتعلن انتصارها على البسمات. هو مشهد قد يجسده سيناريو مسرحية تراجيدية، وقد تعكسه -كصورة واقعية- سينوغرافيا معمولة على يد فنان ماهر، إلا أنه أضحى حالة معاشة فعلية، في مدن وطئتها أقدام أنجاس غرباء عن الإنسانية، بل هم بعيدون كل البعد عن القيم الحيوانية، تلك هي مدن العراق التي وقعت تحت سيطرة شرذمة من المخلوقات.

  لكن وكما لكل قاعدة شواذ، وكما هم العراقيون تعودوا على رسم البسمة على شفاههم، رغم دموعهم المنهمرة دوما، فقد بزغت فرحة من بين أنقاض الحزن، وانبثق أمل من أحضان الألم، في حادثة على التأريخ أن يقف عندها هنيهة، ويسجلها بحروف عريضة، لتبقى شاخصة مدى الدهر، لعل سلاطين هذا البلد وحكامه يرعوون ويسترشدون بأفعال العراقيين البسطاء، المواطنين الذين لايرومون من بلدهم غير نقائه وصفائه من أدران الكره والأحقاد المتوارثة. تلك الحادثة تناقلتها وسائل الإعلام، وتلقفتها قلوب العراقيين قبل أعينهم وآذانهم، هي حادثة زواج الفتى الناصري الذي قدم من المحافظة الجنوبية ذي قار، قاطعا مئات الأميال ليصل محافظة نينوى.

    لم يدرْ في خلد "فهد" أنه سيدخل عش الزوجية من سفره الى الموت بقدميه، ولعله لم يكن يحلم أن حورية تنتظره على ضفاف الموصل المسلوبة، ذلك أنه عقد العزم على الموت هناك، ولم يعقد العزم على عقد قران في الغيب. 

  "أسماء".. هي الأخرى، لم يكن بتصورها أن فارس أحلامها سيأتيها من جنوب وطنها، في ظرف أطبق عليها الموت، وحاقها شبحه من الجهات جميعها، بعد أن حُشرت وعائلتها تحت ركام العنف، وعلت أجسادهم قطع الطوب والجلمود والنار والحديد، حينها باتت أحلام "أسماء" رهينة جنادل وتراب، فلا فارس أحلام، ولا حامي ظعينة، ولا حلال مشاكل.

  هي حادثة تختزل وقائعها في حرفين، هما الحاء والباء، بعد أن رفع حرف الراء من بينهما، فانتصر الاثنان على الثلاثة، إذا كانت الغلبة للأقلية. لقد أزال "فهد" أنقاض منزل هدمه العنف على رؤوس أهله، فكأنه ازال حرف الراء من الحرب، وجرد المفردة الأخيرة من شرورها، فانبلجت مفردة كان بها رد على مصطلحات الحرب جميعها، وانتصر الحب على الحرب، فالحب أبقى والحروب الى زوال. 

aliali6212g@gmail.com

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
نبيل نعمة الطائي ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي هلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي العبودي من الصعب جداً ان نجد اليوم من يتولى مسؤولية صغيرة كانت ام كبيرة ان يغادر المكان وقد ترك اثراً طيباً يذكر بعد مغادرته ليس ... تفاصيل أكثر
    علي علي عندما كنا صغارا، كان اللعب شغلنا الشاغل، وابتكار ماهو جديد منه ديدننا، مع أن المتوافر بين أيدينا من أدوات اللعب آنذاك، ليس ... تفاصيل أكثر
حسين الذكر في يوم قيظ ديمقراطي لاهب ، التقيت صديقي ابو سيف  ، عاش فقيرا محترما مسالما بعيدا عن الاستغلال السلطوي بكل اداوته المعروفة بالعراق حكومية ... تفاصيل أكثر
جواد العطار اذا كان رهان الحرب الطائفية قد انتهى بتوحد العراقيين في مواجهة ارهاب داعش ، فان رهانات تقسيم العراق ما زالت قائمة وخطيرة وهي تتأرجح ... تفاصيل أكثر
علي علي في بيت شعر قديم كان الشاعر فيه يدعو الى التجدد والتطور لاسيما في طباعنا، يقول فيه: البس جديدك إني لابس خَلِقي  لاجديد لمن لم يلبس الخَلِقا   ... تفاصيل أكثر
نهاد الحديثي يبدو أن محاصرة ومواجهة منابع دعم الإرهاب والإرهابيين بدأت تؤتي ثمارها في تهالك قوى تنظيم داعش في كثير من مواقعها وخاصة في مواقع الصراع ... تفاصيل أكثر
فرح الاعرجي   حين ابدأ رحلتي في الصباح للذهاب الى عملي، اتجه صوب الشارع واهم بالعبور الى الجهة الاخرى، حيث تتراصف التكسيات وبصوت واحد يردد اصحابها :تكسي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي   في البلد الذي شرّع الدستور الأول وسنّ القوانين منذ آلاف السنين (مسلة حمورابي)، وفي البلد الذي علّم الإنسان الحرف الأول (الكتابة السومرية)، واخترعت فيه ... تفاصيل أكثر
علي علي       تخبرنا كتب التاريخ ان الصينيين هم أول من توصل الى صناعة الورق من النباتات، فبعد ان كانت الكتابة على جلود الحيوانات وألواح الطين ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي بعد أن أعلن العراق رسميا تحقيق النصر على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل ،وهو نصر ليس عسكرياً فقط دلً على شجاعة فائقة من أبناء ... تفاصيل أكثر
جمعة عليوي     سمعنا وقرأنا ان للهزيمة ابا واحدا وللنصر الكثير .وهنا نريد ان نتلاعب بالكلمات ونقلب المعادلة .ونؤكد ان عنوان مقالنا له معنى ومغزى كبيران ... تأريخ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر