ماذا لو رفعنا الراء من الحرب؟

عدد القراءات : 486
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ماذا لو رفعنا الراء من الحرب؟

علي علي

 

    قبل أيام نقلت وسائل الإعلام خبرا مفاده؛ عقد قران المنتسب الى إحدى وحدات الأجهزة الأمنية العراقية "فهد" على المواطنة الموصلية "أسماء". وليس عقد القران حدثا غريبا او جديدا زمانا ومكانا، إلا أن الجديد والغريب في الأمر، أن الاقتران تم بعد أن أنقذ "فهد" حياة "أسماء"..! ولم تكن بينهما معرفة ببعضهما قبل الحادثة، إذ تعرض منزل عائلتها في الموصل الى قصف أدى الى هدمه وهم داخله، وشاء قدر "أسماء" أن يكون "فهد" واحدا من القوة الأمنية التي قامت بعملية انقاذها وعائلتها من تحت الأنقاض. فكانت تلك الحادثة سببا لاقترانها به بعقد قران توج فيه "فهد" عقده مع أرض وطنه، بعد أن قرر الذود عنها. وقد كانت لي في هذا الحدث قراءة حينها، أرى في إعادة تلاوتها كآية من آيات الحب والمودة والرحمة خيرا، إذ كما يقول مثلنا؛ (زيادة الخير خيرين).. أقول:

   قد يعلو دخان المعارك، وتكون الغلبة لرائحة البارود، وتلبد الورود خجلى حاضنة عبيرها تحت أغصان ذوت وماتت. وقد تصطبغ شوارعنا دما، وتنطفئ أنوارها وتسود أزقتنا العتمة، حيث لايجوب فيها غير الضباع والجرابيع، وتختفي النوارس والسنونوات من سمائها، وتحوم فوقها الغربان.

  في ظل معطيات كهذه، لاوجود للفرح حتما، ولا مكان للضحكات، بل لا حيز للشفاه، إذ تنفرد الدموع وحدها في ساحات كهذه، وتعلن انتصارها على البسمات. هو مشهد قد يجسده سيناريو مسرحية تراجيدية، وقد تعكسه -كصورة واقعية- سينوغرافيا معمولة على يد فنان ماهر، إلا أنه أضحى حالة معاشة فعلية، في مدن وطئتها أقدام أنجاس غرباء عن الإنسانية، بل هم بعيدون كل البعد عن القيم الحيوانية، تلك هي مدن العراق التي وقعت تحت سيطرة شرذمة من المخلوقات.

  لكن وكما لكل قاعدة شواذ، وكما هم العراقيون تعودوا على رسم البسمة على شفاههم، رغم دموعهم المنهمرة دوما، فقد بزغت فرحة من بين أنقاض الحزن، وانبثق أمل من أحضان الألم، في حادثة على التأريخ أن يقف عندها هنيهة، ويسجلها بحروف عريضة، لتبقى شاخصة مدى الدهر، لعل سلاطين هذا البلد وحكامه يرعوون ويسترشدون بأفعال العراقيين البسطاء، المواطنين الذين لايرومون من بلدهم غير نقائه وصفائه من أدران الكره والأحقاد المتوارثة. تلك الحادثة تناقلتها وسائل الإعلام، وتلقفتها قلوب العراقيين قبل أعينهم وآذانهم، هي حادثة زواج الفتى الناصري الذي قدم من المحافظة الجنوبية ذي قار، قاطعا مئات الأميال ليصل محافظة نينوى.

    لم يدرْ في خلد "فهد" أنه سيدخل عش الزوجية من سفره الى الموت بقدميه، ولعله لم يكن يحلم أن حورية تنتظره على ضفاف الموصل المسلوبة، ذلك أنه عقد العزم على الموت هناك، ولم يعقد العزم على عقد قران في الغيب. 

  "أسماء".. هي الأخرى، لم يكن بتصورها أن فارس أحلامها سيأتيها من جنوب وطنها، في ظرف أطبق عليها الموت، وحاقها شبحه من الجهات جميعها، بعد أن حُشرت وعائلتها تحت ركام العنف، وعلت أجسادهم قطع الطوب والجلمود والنار والحديد، حينها باتت أحلام "أسماء" رهينة جنادل وتراب، فلا فارس أحلام، ولا حامي ظعينة، ولا حلال مشاكل.

  هي حادثة تختزل وقائعها في حرفين، هما الحاء والباء، بعد أن رفع حرف الراء من بينهما، فانتصر الاثنان على الثلاثة، إذا كانت الغلبة للأقلية. لقد أزال "فهد" أنقاض منزل هدمه العنف على رؤوس أهله، فكأنه ازال حرف الراء من الحرب، وجرد المفردة الأخيرة من شرورها، فانبلجت مفردة كان بها رد على مصطلحات الحرب جميعها، وانتصر الحب على الحرب، فالحب أبقى والحروب الى زوال. 

aliali6212g@gmail.com

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي   لسنوات متتالية، ونحن نحلم بعام جديد يحمل إلينا المحبة والفرح والسلام، وكثيرة هي الأحلام التي نضعها فوق وسادتنا قبل النوم لنستيقظ بعيدا عن الحزن، ... تفاصيل أكثر
علي علي    الانتماء والولاء.. مفردتان لا يُتعِب اللسانَ لفظُهما حتى وإن تكرر آلاف المرات، وقد جبل الانسان بفطرته عليهما، إذ يقول علماء الاجتماع ان لكل ... تفاصيل أكثر
علي علي    ها قد احتفل العالم بأعياد رأس السنة، كل بما أوتي من قوة وتعبير وطريقة، وها هي الأمم تستذكر من عامها المنصرم أجمل الأحداث، ... تفاصيل أكثر
علي علي     ارتأيت أن يكون عنوان مقالي اليوم بلغة غير لغتي الأم، ولغتي الأب، ولغتي الأخ، ولغتي الصديق.. لغتي العربية. وما حذوي هذا الحذو ... تفاصيل أكثر
علي علي     أذينان وبطينان، أربعة تجاويف لاتتجاوز بالحجم قبضة كف، غير أن لها سطوة على سائر أعضائنا، لذا فقد امتلكت الصدارة والعليّة على الجسد ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عــلــي شــايــع ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر