في مخيمات العوائل العراقية النازحة وجبات غذائية مجانية لكنها تفتقر إلى عناصر غذائية أساسية كثيرة

عدد القراءات : 831
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
في مخيمات العوائل العراقية النازحة وجبات غذائية مجانية لكنها تفتقر إلى عناصر غذائية أساسية كثيرة

تحقيق / خلود العامري كانت حبات الرز تتناثر من الوعاء البلاستيكي الذي أمسك به الطفل محمد غزوان وهو يسير في اتجاه خيمته، بعدما تسلّم حصته من الطعام المؤلفة من الرز وبعض الصلصة الحمراء التي صُبت فوقه، فيما استقرت فوق الوجبة المتواضعة ملعقة بلاستيكية مشطورة من جانبها. ويبدو ان مخيمات النازحين باتت الوطن الامثل الذي يلم شمل العائلة تحت سقف مصنوع من القماش وبوابة من الهواء الطلق، وازمات صحية ونفسية وعقلية تعصف بهم كل لحظة بمجارات العيش والهموم المتتالية من شغف العيش وصعوبة امضاء اليوم وتحمل المسؤولية لرب الاسرة، مع استذكار من فقدوهم من احبتهم خلال الازمة الامنية التي عصفت ومازالت في البلاد. *محمد وعائلته مثل كثيرين غيره في مخيم عربت في مدينة السليمانية (إقليم كردستان العراق) يتناولون الوجبة الغذائية ذاتها يومياً، وهو ما يحصل أيضاً في مخيمات أخرى حيث يحصل الأطفال وعائلاتهم على وجباتهم المجانية في شكل منتظم، لكنها تفتقر إلى عناصر غذائية أساسية كثيرة. التسابق إلى مكان توزيع الغذاء هو السمة الغالبة في المخيم، لكن المنظمات المحلية والدولية بدأت أخيراً بتوزيع مواد غذائية رئيسية ليطهو النازح وجبته بنفسه. وغالباً ما تتضمن تلك المواد الرز والزيت والسكر وبقوليات يابسة، أي أن النازح يضطر إلى طهو الوجبة ذاتها كالتي كان يحصل عليها جاهزة، وهي عموماً لا تكفي لسد الحاجات. *تقول نسرين أحمد والدة محمد: «لا أحد سيموت من الجوع على رغم رداءة الطعام الذي تقدّمه منظمات الإغاثة. في النهاية الجميع يتناول ثلاث وجبات يومياً وإن كانت مجرّد حشو لمعدتنا». وتضيف: «هنا عدد النازحين كبير، وكثيرون ونحن منهم رفضوا العودة إلى الديار بعد تحريرها إثر سماعنا عن حوادث تفجير منازل عدة على سكانها عقب عودتهم. لذا، لا يمكن إطعام هذا العدد الكبير بسهولة ونحن ندرك ذلك، لكن ما لا نفهمه هو لماذا تخلو الوجبات من الفاكهة والخضار، فأولادنا كانوا معتادين عليها". وسبق أن قدّم لاجئون شكاوى عدة عن نوعية الطعام المقدّم في مخيم عربت ومخيمات أخرى مجاورة. وتلفت إحدى المقيمات قرب عربت إلى اقتصار الفطور على البيض فقط . وتسأل: "كيف لنا أن نتناول البيض صباحاً والرز والفاصوليا للغداء والعشاء يومياً. يتصرّفون وكأن هناك قوانين ثابتة للطعام ولا يغيرونها إلا في ما ندر". وقد عمدت عائلات إلى تعويض نقص الغذاء قدر الإمكان من المردود المالي البسيط التي يحصل عليه أفرادها لقاء العمل في المدن التي نزحوا اليها. فعلى رغم الصعوبات التي يواجهونها في الحصول على لقمة العيش في المجتمع المضيف، يحاولون التأقلم وسدّ بعض ما ينقصهم في الوجبة الغذائية مما يجنونه من العمل في الأسواق الشعبية والمراكز التجارية وبعض المهن. *العائلات العراقية التي نزحت من المدن التي سيطر عليها تنظيم «داعش» عام 2014، تبدو متأقلمة مع ما يقدّم لها من وجبات على رغم افتقارها إلى العناصر الغذائية الأساسية، لكنها في الوقت ذاته تعلم أنه طالما كانت تلك الوجبات مجانية ومن دون مقابل، فلن تحصل على أفضل منها. كما أن الرز والصلصة أو (المرق)، كما يسميه العراقيون، مع قطعة لحم وبعض الخضار والسلطة، هي الوجبة الرئيسية في المنازل. لكن الرز والصلصة هو ما بقي فقط على «موائد» النازحين منهم. المعاناة الكبرى التي تمثلت في العيش بمخيمات لا تتوفر فيها أبسط مقومات العيش. النازحون اليوم يعيشون ظروفا غاية في التعقيد إضافة إلى انتشار القوارض والعقارب والأفاعي السامة في مخيماتهم، ناهيك عن فقدان الرعاية الصحية والخدمات الأساسية ومخاطر احتراق الخيام التي كان آخرها في مخيم (بهار تازة) شمالي بعقوبة في حادث راح ضحيته 6 أطفال. ويعاني أكثر من ثلاثة ملايين نازح عراقي يسكنون المخيمات في مختلف المناطق، من ظروف معيشية صعبة وانعدام الخدمات، ونداءات متكررة من منظمات دولية ومحلية بتعجيل المساعدات الانسانية وتوسيع نطاق التوزيع ليشمل اماكن الانهيارات الامنية الجديدة (كالفلوجة التي نزح منها مؤخرا نحو 60 الف شخص) الأمر الذي تسبب بمشاكل اجتماعية وصحية ونفسية على حياة المواطنين. *مليونا نازح استقبلتهم مدن إقليم كردستان وأماكن أخرى قادمين من مدن الأنبار والموصل وديالى وصلاح الدين، إضافة إلى أكثر من 700 ألف نازح آخرين قرروا السكن في الفنادق وإيجار البيوت والسكن في هياكل المباني التي هي قيد الإنجاز أو عند أقاربهم أو في مخيمات أخرى في بقية مدن العراق. *وتقول: «أم حارث»، 44 سنة، النازحة من مدينة الرمادي غرب العراق والمقيمة مع أسرتها في مخيم قرب أربيل: «خرجت من المدينة في أحلك الظروف وأصعبها برفقة زوجي وأولادي الـ4 بعد أن خيم الرعب على أجواء المدينة وخرج كل أهلها ووجدت نفسي أمام أمر واقع: إما البقاء ومواجهة الموت في أي لحظة بعد وصول المعارك بين القوات الحكومية ومسلحي تنظيم داعش الارهابي إلى أزقتنا أو الرحيل». وتضيف"خرجنا من البيت فورا وبلا شعور اتجهنا حيث يتجه بعض الهاربين من المعارك وبعد مسير قارب الساعتين استقللنا زورقا لعبور نهر الفرات للضفة الأخرى من النهر بعد ذلك أمضينا قرابة الـ 5 أيام في التنقل والمبيت في مناطق مختلفة وأحيانا نفترش الأرض في العراء إلى حين وصولنا إلى مخيمات النازحين في مدينة أربيل بإقليم كردستان وها نحن هنا منذ عدة أشهر عانينا فيها الكثير بدءا من معاناتنا من العيش في أجواء حر الصيف اللاهب وعدم توفر الخدمات الأساسية إلى العيش في ظروف أكثر قسوة ومواجهة برد الشتاء والأمطار وتفشي الأمراض ونقص الأغذية والرعاية الصحية.. مما تسبب في حالات وفاة للكثير من الأطفال وكبار السن نتيجة الصعوبات التي مرت بها العوائل الساكنة في المخيم". *منير، 23 سنة، نازح من مدينة الموصل يقول: «منذ 6 أشهر وأنا أعيش في هذا المخيم مع بقية أفراد عائلتي المكونة من 5 أفراد إضافة إلى أمي وأبي الكبيرين في السن. أبرز معاناتنا ومعاناة بقية النازحين تكمن بافتقار المخيم إلى أبسط الخدمات الضرورية وقلة المواد الغذائية وغياب الرعاية الصحية اللازمة وعدم وجود أماكن للاستحمام إضافة إلى انعدام المرافق الصحية . *ومن مخيم النازحين في أربيل إلى مخيم النازحين في قضاء خانقين، 100كم شمال بعقوبة مركز محافظة ديالى التي شهدت معظم مناطقها اضطرابا أمنيا نتيجة سيطرة مسلحي تنظيم داعش على مناطقها. في هذا المخيم قالت السيدة أوهام هادي، 54 سنة: "تمكنت بشق الأنفس من الخروج من بيتي في ناحية جلولاء التي سيطر عليها مسلحو تنظيم داعش. غادرت البيت وأنا أحمل ملابس أولادي فقط. 5 من أبنائي كانوا طلابا مجتهدين في مدارسهم تركوا الدراسة بسبب تلك الأحداث. كنت قبل نزوحنا أعمل ليل نهار في خياطة الملابس كي أوفر لهم احتياجاتهم من أجل استمرار تفوقهم الدراسي هذا ما عاهدت نفسي عليه بعد وفاة والدهم، لكن شاءت الأقدار أن يتحول حلمي إلى كابوس وها أنا أعيش مرارة الحرمان في هذا المخيم ويعيش أطفالي في جو غير الذي تمنيته لهم وأفنيت أيامي لأجله". *وأوضاع النازحين إلى بغداد ومدن الجنوب لا تبدو أفضل حالاً. فهؤلاء زجوا أولادهم في سوق العمل، ويكتفون بأجور منخفضة قياساً بسكان تلك المناطق، ما ولّد ضدهم مشاعر حقد وتبرّم. وتوفّر تلك الأعمال للنازحين وأطفالهم مدخولاً يعينهم على صعوبات الحياة، لكنه لا يكفي ليعوّض النقص في التغذية للأطفال الذين يتعرّضون بسبب ذلك إلى وعكات صحية متلاحقة. *ويقول اختصاصي التغذية الدكتور محسن علي ياسين، إن عدم تناول الأطفال لوجبة كاملة تحتوي على العناصر الغذائية الأساسية، قد يسبب أمراضاً مزمنة وقد يؤدي الى عاهات معينة. فمثلاً عدم تناول الحليب يسبب نقصاً في الكالسيوم وهشاشة في العظام. كما أن افتقاد الوجبات بعض أنواع الفواكه يؤدي إلى تلف الأعصاب وضعف البصر. ويضيف: "معظم النازحين لا يتناولون اللحم في وجباتهم، ما يعني أن هناك نقصاً في كمية البروتين الذي يصل إلى الجسم. إن نقص الغذاء المهم للجسم أو نقص عناصر غذائية سبب رئيسي في انتقال الأمراض سريعاً بين النازحين، وبالتالي لن يستطيع جهازهم المناعي مقاومة الفيروسات والبكتيريا". *من جهته وصف المنسق العام للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في شمال العراق جوزيف ميركس احتياجات النازحين العراقيين بأنها ضخمة ولا نهاية لها، مشيرا إلى أنهم بحاجة ماسة إلى الماء والغذاء والدعم الصحي والنفسي، خاصة أولئك الذين كانوا يعيشون في مناطق سيطر عليها )تنظيم داعش الإرهابي) حيث تعرضوا لصدمات نفسية وذهنية. وأوضح أن المفوضية العليا في شمال العراق لديها خزينة طوارئ لكنها بحاجة إلى دعم مالي سريع، موضحا أن الاحتياجات الآنية تتطلب 300 مليون دولار بشكل فوري لتلبية تلك الاحتياجات. ودعا ميركس الدول المانحة التي تعهدت في مؤتمر بواشنطن بتقديم 2.5 مليار دولار للمفوضية لمواجهة احتياجات اللاجئين، إلى الإسراع بتقديمها قبل تحرير مدينة الموصل من قبضة تنظيم الدولة، متوقعا وصول 600 ألف نازح جديد إلى شمال العراق في حال تحرير الموصل. كما دعا الحكومة العراقية إلى تسهيل العودة الطوعية للنازحين إلى مناطقهم وتأمين وصولهم إلى تلك المناطق، مشيرا إلى أن نحو 1800 نازح يصلون يوميا إلى شمال العراق. *وتذكر التقارير أن أغلبية النازحين ( 87 %) هم في الاصل من ثلاث محافظات: الانبار 42% (1,334,592 فردا) ونينوى 32%( 1,011,606 افراد) وصلاح الدين 13%( 407,142 فردا). وسجلت مصفوفة تتبع النزوح من الفترة 27 آب ولغاية 29 أيلول زيادة في عدد النازحين الذين هم في الاصل من الانبار ( 22,368 فردا) ونينوى ( 20,412 فردا) و محافظة كركوك( 10,200 فرد). ويعزى سبب هذه الزيادة الى الاشتباكات المستمرة بين الجماعات المسلحة والقوات الامنية العراقية في الفلوجة في الانبار وحول مدينة كركوك والقرى المحيطة بمدينة الموصل في نينوى. وتبقى المحافظات التي تستضيف أكبر عدد من السكان النازحين هي الانبار 18%( 583,050 فردا) وبغداد 18% ( 577,584 فردا) ودهوك 13% ( 426,966 فردا) وكركوك 13%(401,280 فردا) وأربيل 9%( 284,310 افراد) ونينوى 6% ( 203,652 فردا) والسليمانية 5% ( 161,724 فردا) تستضيف هذه المحافظات السبع مجتمعة 82% من مجموع السكان النازحين المحددين. وأفادت التقارير أن أكثر من 400,000 نازح عراقي قد عادوا الى مواقعهم الاصلية. وتقريبا أكثر من النصف ( 218,928 فردا) قد عاد الى صلاح الدين وأكثر من الثلث ( 155,694) قد عاد الى تكريت وبالاخص الى مركز تكريت. بدأت تحركات العودة هذه في اواسط حزيران. وبهذا فإن خلال شهر أيلول 2015 إزداد العدد الكلي للعائدين بمقدار 43,794 فرد. *قال توماس لوثر فايس، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في العراق " يستمر النزوح في العراق بالإزدياد والنازحون بحاجة الى دعم شامل، معظمهم لاذ بالفرار حاملين فقط ما يستطيعون حمله. بالتعاون مع فريق الامم المتحدة القطري والشركاء في العمل الانساني والحكومة المحلية والجهات المانحة، تستجيب المنظمة الدولية للهجرة الى النزوح وذلك بتوفير المأوى وطرود المواد الغير غذائية وتوفيرالرعاية الصحية والخدمات النفسية الاجتماعية. تعتبر هذه المساعدة المنقذة للحياة أمر ضروري لان النازحين العراقيين تضرروا بشدة من جراء الازمة ويتطلب ذلك منا توفير اقصى الدعم لهم".

 والأهم قمحها وخبز تنورها، كانت حاضرة في نصوصه بصورة مؤثرة اعتمادا على ذاكرة عجيبة لا تختزن أدق التفصيلات وأبسط الحوادث التي غطتها طبقات من غبار عقود الزمان الذي لا يرحم حسب، بل تستدعيها بسرعة وكأنها مثبتة في ملف يراجعه مظفر ويعيد تنظيم أوراقه ويمسح عنه غبار النسيان المعادي يوميا، بل كل لحظة - وبالنسبة لي، لم يثبت هذا شعريا في نصوصه حسب، بل من خلال لقاءات عديدة كنت أتعمد خلالها استدراج المبدع للتأكد من رصيد ذاكرته وكشف مخزونها وملاحظة سرعة استدعائه لمحتوياتها -. و كانت أمي الحكيمة تقو : (من يبتعد عن التنور عليه أن يقبل بالصمّون). لكن مظفر النواب هو  " الذي حمل  لهيب" تنور الأم في أعماقه ليس كي يقيه برودة المنافي وصقيعها وشرور تقلبات ولاءاتها السياسية والوطنية، ولكن كمصدر خلق وحيد ينضج على ألسنته أرغفته الشعرية لتأتي عراقية، روحا وطعما ؛ ساخنة وشهية وأصيلة وذات رائحة أمومية لا تخطئها حاسة شم الروح العراقية . إن اللاشعور يشم. وهذه عملية تحرق أعصاب الوجود الفردي وتفتك بالصحة الجسدية والنفسية وتقصّر الأعمار. ولكن هذا الإصرار المثابر الذي لا يساوم ولا يتصالح مع ضغوط الحياة المختلفة رغم مراراتها، يعكس في الوقت نفسه، سمة ذات معان فائقة في المنجز النوابي وهي سمة التفاؤلية. فالنواب لم يعلن في أي نص من نصوصه العامية انه نفض يديه من المراهنة على إرادة الإنسان العراقي الجبار في كفاحه ضد قوى الاضطهاد والاستغلال والقمع. مظفر يؤمن بثبات لا يتزعزع أن شمسا جديدة ستشرق على الشعب العراقي المعذب؛ وإذا جاز لي الاستنتاج التالي أقول: إن قصائد النواب في ديوانه الأول للريل وحمد كانت استقبالية للمعاناة في معظمها وتوعّدية في فعلها، في حين أن حچام وحسن الشموس وغيرها من نصوصه التي أعقبت الديوان كانت قصائد عزم وفعل إنقاذي عملي ومباشر. وظل النواب على رهانه المقدس رغم بحار الظلمات المرعبة التي تحيط بشعبه من كل جانب ورغم حوافر الخيول الباطشة التي تردس على صدره منذ آلاف السنين. ومن الأقوال المأثورة " أن المرأة التي تغازل بملامحها ليست فاضلة، والرجل الذي يغازل بمعرفته ليس شريفا "، والنواب لم يغازل بشعره أحدا غير الإنسان العراقي. ومع النواب يمكننا القول بثقة إن مرحلة " البطولة الشعبية " في الأدب العراقي قد بدأت، ليس في شقه العامي فقط، ولا في شقه الفصيح المكمل، ولكن في الثقافة العراقية بشكل عام - راجع دراستنا السابقة عن قصيدة " حچام البريس " -. لم تكن في الثقافة العراقية مطولات شعرية ذات طابع ملحمي تتحدث عن الأبطال الشعبيين رغم طوابير هؤلاء الأبطال التي لم تنقطع منذ فجر خليقة العراق. مع النواب أصبح العامة البسطاء من جمهور مظفر - وهم أشقاء روحه - "يروون" و "يحكون" حكايات لعيبي وسعود وصويحب وجابر و حچام البريس وحسين / حسن الشموس وغيرهم. يحكونها فتزرع في نفوسهم الممزقة بذرة - لاحظ أن أغلب مفرداتنا، ومن حيث لا ندري، مرتبطة بالأرض - الأم : اللغة نتاج أمومي -. والأمر الأكثر خطورة في هذا الإطار هو أن النواب قد مرّر تحت أغطية هذا الموقف حينا وأعلن صراحة أحيانا البطولة الشعبية الأنثوية من خلال المرأة - الأم - الحبيبة التي لم يخصص لها الشعراء السابقون قصيدة واحدة كاملة مثلا، يتعرضون فيها لدورها البطولي المقاوم ووظيفتها الإنقاذية المتأصلة التي التقطها النواب بوعيه الحاد وبولائه الأمومي المرتكز على الظل الأنثوي الخلاق في أعماق شخصيته، "anima" حسب تعريف " كارل غوستاف يونغ" عالم النفس الشهير، هذا الظل هو المسؤول عن الإبداع من ناحية، وعن تجليات الأنموذج الأنثوي في نصوص المبدع من ناحية أخرى، وهو الأمر الذي تعرضنا له تفصيليا في دراستنا "حالة ما بعد الحب" السابقة. المهم أن مراهنة النواب على الإنسان العراقي استمرت حتى يومنا هذا. وعند هذه النقطة الشائكة قد يقع المتلقي في نوع من الإرباك والتشوش، مصدره التساؤلات المشروعة التي سيثيرها هذا الموقف في ذهنه وهي : كيف يتفاءل المبدع ويرسم نهايات ظافرة لقصائده وشعبه يسحق يوما بعد يوم وتهدر كرامته وتنهب ثرواته ؟ هل يعاني هذا المبدع من فصام بين ما يشاهده ويتلمسه من خراب فعلي يمحق شعبه ويحطم مستقبله على أرض الواقع وبين ما يرسمه على الورق من صور شعرية متخيلة لا أساس لها في الحياة الواقعية اليومية ؟ ألا تساهم نصوص مثل هذه في إشاعة الروح التخديرية التي تطوّع إرادة الناس الذين لن يروا من خلالها حقيقة محنتهم العارية المريرة التي ينبغي عليهم التصدي لها ؟. إن الجواب على هذه التساؤلات يضعنا في صلب الطبيعة التفاؤلية لمنجز النواب التي تحدثنا عنها والتي ستنقلنا إلى ما طرحناه في بداية دراستنا عن رؤياه لمهمة الغبطة الكونية التي يضطلع بها الشعر وعن القصيدة كعيد كوني. إن مزاج النواب مزاج منفتح ينفعل بحركة الطبيعة والإنسان ويستجيب لها ويؤمن أنها حركة حياة لا تهدأ ولا يمكن أن تندحر أمام هجمات الموت - رغم أن الأخير هو الحقيقة الأكثر بقاء ورسوخا -، وهذا المزاج هو الذي يشيع في أجواء القصيدة النوابية فيسمها بالإيجابية والإنسانية الخلاقة من ناحية، وبالحركية الصراعية (الدينامية) من ناحية أخرى. فالحياة حركة ناجمة عن صراع أضداد، حركة لا تنتهي إلا بإعلان موت الحياة نفسها.في قصيدة مظفر تتحرك كل مفردات الحياة وتتصارع، تتجاذب وتتنافر لكنها لا يكره بعضها بعضا ؛ إنها تتصارع بحب لا يشوه أواصره الحميمة صخب الصراع. وهذا الموقف هو في جوهره مظهر من مظاهر سلوك الحضارة الأمومية. وقصيدته هي " كرنفال" أهم نتائجه هو أنه يشيع البهجة في نفوسنا حتى لو كانت محملة بالآلام والعذابات والثكل. وتتجلى هذه المميزات في الجانبين : الهم العام المتعلق بفاجعات الإنسان العراقي المقهور والذي جسده في قصائده الإنسانية - وهذا الوصف كما قلت أدق من وصف " قصائده السياسية " وأكثر صدقا لأن النواب لا يكتب عن السياسة والحكومات والإقطاع بالمعنى الضيق ولكن عن الإنسانية العراقية المسحوقة المهانة وآمالها في الخلاص والانعتاق -، والهم الفردي الذي سطره في نصوصه الوجدانية التي عالجت موضوعة الحب والعشق والإنهجار والموقف المركب من "موضوع الحب" وصلة ذلك بنرجسية المبدع ومكبوتات لاشعوره، وفي هذا الجانب سنلمس فارقاً التفافياً مهما جدا في معالجة الهم الفردي عن الهم العام سنتناوله بعد قليل. وفي كلا المضمارين حقق النواب ابتكارات ريادية استثنائية وشديدة العمق والفرادة. ففي مجال الهم العام نلاحظ في أغلب القصائد البداية الاستهلالية التي تعبر عن التحدي وصلابة الإرادة المقاومة كما تجلّى ذلك في قصائد مثل : حچام البريس، حسن الشموس، مضايف هيل، مامش مايل، عشاير سعود، جد ازيرج وغيرها، وقد نقلنا بعض تلك الاستهلالات في دراستنا السابقة "مظفر النواب.. وحالة ما بعد الحب". والملاحظ أن كل تلك الاستهلالات التي ذكرناها تقوم على مفردة "الدم" التي لم تعد موجودة في مفتتحات النصوص التي كتبت بعد ديوان "للريل وحمد"، وأعتقد أن عنف المرحلة الصدامية القاسية التي عاشها الشاعر وشعبه وحزبه، والحركة الوطنية في العراق عموما، في عقدي الخمسينيات والستينيات التي كتب خلالها قصائد الديوان والمرحلة العمرية المحتدمة المليئة بالمواجهات والاعتقالات قد جعلت هذه المفردة مهيمنة في افتتاحيات قصائد الديوان عنها في القصائد المتأخرة. ومع ذلك من المهم التذكير بأن وجود هذه المفردة التي ترمز للعدوان والموت لم يجعل العنف النوابي وحشيا أو دمويا مثل العنف الذي طبع قصائد الجواهري وجيل الحداثة السيابية الذي خرج من معطفه. في قصيدة "عشاير سعود" يقول النواب في المقطع الأول:

 هذوله احنه..سرجنه الدم..

 عله اصهيل الشگر..

 يا سعود..

 خلينه زهر النجوم..

 من جدح الحوافر..

 سود..

 تتجادح اعيون الخيل..

 وعيون الزلم..

 بارود..

 وياخذنه الرسن...

 للشمس..

 من زود الفرح

 ونزود(

 

حيث تجد أولا أن الشاعر لا يوغل في توليد مفردات الموت والدمار المرتبطة بإيحاءات الدم في الأبيات اللاحقة مثلما كان يفعل الجواهري والسياب، بل هو يلطّف تأثيرها ويضعفه من خلال الصورة التجريدية التي يتم فيها تنصيب الدم على صهيل الخيول الشقراء.. حيث يقع المادي الملموس (وهو المائع أصلا لأنه سائل) هو الدم على أرضية صوتية هشة رغم حدتها وتطاولها، وتتضاعف القيمة الجمالية لهذا التركيب من خلال المشهد اللوني الذهني للوحة حيث اجتماع اللون الذهبي باللون الأحمر. في الوقت الذي ينتقل فيه السياب من الدم إلى الجثث والديدان والقيح واللحم المتفسخ.. إلخ. ولو تابعنا بقية مفردات الخطاب فسنجد مكونات السماء البهية كالنجوم الزاهرة والشمس والانفعالات السارة كالفرح. صحيح أن الشاعر قد قدم صورة شديدة المبالغة - طبعا المبالغة الشعرية "الصادقة" في تعبيرها عن شراسة الحماسة المدوية، يمكن أن نضع مقولة " أعذب الشعر أكذبه في صورتها الأكثر صحة وهي " أكذب الشعر أعذبه " - حين جعل النجوم تنصبغ باللون الأسود بسبب الشرار المنطلق إلى السماوات القصية من وقع حوافر الخيول الغاضبة - ولاحظ أن الجدح الناري الأصفر يحرق وجوه النجوم الزاهرة ويجعلها سوداء - إلا أن المهم دائما هو الصورة الكلية (الجشطلت) النهائية التي يصعّدها الشاعر لا لنصل مرحلة التقطيع والتقتيل والفناء، ولكن لنبلغ السمو بالحالة الظافرة نحو عين الشمس محلّقين على موجات الفرح المتزايدة في حركة ختامية مليئة بالغبطة العارمة. ولو تأملنا هذا المقطع الافتتاحي من جديد لوجدنا أن الدم بعد حركة "الرسن" الذي قاد الموكب نحو الشمس هو رمز للمحاربين الذين استووا على سرج خيولهم، فهو ليس دم الضحايا أو المقتولين بل هو العزيمة العارمة التي يتحلى بها الفرسان. وقد استخدم الشاعر المصدر "جَدْح" للحوافر لأنه "تكثيري" بطبيعته، واستخدم الفعل "تتجادح" لاعين الخيل لملاحقة حركتها الراصدة المتقافزة خلق موازاة بين اعين الخيل التي تتقادح واعين فرسانها التي صارت بارودا يوشك على الانفجار في الجو الناري المشتعل. وحتى عندما تصل الحفزة العنيفة أشد مستوياتها في المقطع الخامس فسنجد أن المحصلة الأخيرة للخطاب هو أنه خطاب حياة ونماء وليس دعوة موت وخراب. فالشاعر يقابل بين الخطابين بصورة تعكس لا دموية المتكلم ومسالمته ويجعل فعله فعلا دفاعيا من أجل الحياة ومن أجل دفع الأذى عن الذات:

 هذوله احنه..

 نحد السيوف..

 برگاب الصگر والذيب..

 ما نترك أثر يا سعود..

 من انغير.. بس الطيب..

 وتمولح عيون الخيل..

 عجّه اتطر.. وعجه اتغيب..

 ينخل فشگ ليل الموت..

 وعيونك ليالي زبيب

 فالشحنة السلبية العنيفة في البيت الأول وفيها يشحذ الجماعة المتكلمين (وسيظهر أن من تتكلم بلسان الجماعة الذكورية ولأول مرة في الخطاب الشعري العامي العراقي هي : أنثى كما قلنا سابقا) سيوفهم برقاب الصقر والذئب وليس برقبة الإنسان تعادلها أو تطفئها الشحنة الإيجابية في البيت الثاني حيث لا يسفر عن غارة المقاومين سوى الأثر الطيّب وليس الموت والخراب الذي كان متوقعا. ورغم أن عاصفة الغارة الهوجاء بدوامات عجاجها الكاسح من التراب ومن (عجاج) رصاص الموت تحرق عيون الخيل إلا أن صورة عيون الفارس المتغنى به الموازية لاعين الخيل الناقمة والتي وصفها الشاعر بأنها "ليالي زبيب" كناية عن السواد الغامق فإن لفظة الثمرة المنطوية على التكثير بطبيعتها وما يعرفه المتلقي عن حلاوتها وكثرة بذورها وتفوق لياليها عدديا على" ليل" الموت يرخي توتر الحفزات المعادية ويجعل الحركة حافلة بنبض الحياة. ثم أن كل نوايا الموت وشحذ السيوف الملوح بها وطوفان الدم المنادى به هي مشروعات توعّدية مؤجلة لأنها مرتهنة بعودة "سعود" الغائب المنتظر، عودة إله قتيل، والذي ستكون شارة بدء الهجمة، ثم الصراع، نداؤه الذي تأخر كثيرا :

 

(هذوله احنه بأمل.. ياسعود..

 كل نجمة انتلگاها..

 نمد إلها البسط..

 دم ذيب..

 وندگ گهوه ويّاها..

 نسايلها عن اخبارك..

 تعوّگ ليش ؟..

 نتباها..

 وعشايرنا خناجر ثار..

 بس اندهّه..

 تلگاها).

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
محمد علي مزهر شعبان ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عماد جاسم ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د.يوسف السعيدي ... تفاصيل أكثر
حيدر محمد الوائلي ... تفاصيل أكثر
تصفح العدد من هنا ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عماد جاسم ... تفاصيل أكثر
حسين الذكر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
صادق الهاشمي ... تفاصيل أكثر