"وهل يروق دفينا جودة الكفن؟"

عدد القراءات : 489
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
"وهل يروق دفينا جودة الكفن؟"

علي علي

 

 

 

   في عراقنا الذي يشغل حيزا مساحته (437,072) كم2 من المعمورة، نعوم في الكون اللامتناهي، غارقين جميعنا في جملة مشاعر وأحاسيس، مسيرين تارة ومخيّرين أخرى، بين الود والبغض، والطمأنينة والظغينة، والسلام والحرب، والحب والحرب، والانسجام والتنافر، والوئام والعداء، فأيها نختار!.

  قطعا كل من آمن بالحب أمامه مساحة واسعة يترجم بكل شبر فيها ماآمن به، وأول شبر هو ماتحت قدميه، وما تطؤه أقدامنا نحن العراقيين أرض تستحق منا كل الحب والولاء، وكيف لا! وهي أم الارض، هي مهد الحضارات، هي مهبط الأنبياء، هي مرقد الأولياء والأوصياء، هي منبع العلوم والفنون والآداب، هي أرض الرافدين والبيت الكبير الذي يضمنا جميعا، أوليس حريا بنا ان نوليه اهتمامنا! وهو الذي يجود لنا بخيراته. وكم يكون الجواب محزنا لو استطلعنا عن عدد العراقيين الذين يعرفون ان عيد الحب يصادف اليوم! ولِمَ لم يعرفه الباقون؟ ومن المسبب في ذلك؟ وكيف حصل؟... الى ان نغرق في دوامة التساؤلات، والاجابة ليست صعبة، لكنها مُرة. 

   فأنّى للعراقي ان يعرف عيد الحب او يوم الارض او يوم الشجرة او يوم المرأة او يوم شم النسيم، وهو لاهث بين الخوف والخبز والموت والمنفى، وما ذلك إلا نتاج مايفعله الساسة والسادة المسؤولون الذين تعاقبوا وتناوبوا -على مر العقود- في مسك السياط وجلده لأنه...عراقي فحسب. عاش حياته مذ وعى يتوجس الريبة في يومه وغده وبعد غده، فالقلق لم يفارق صحوه ولا منامه، ولايكاد يتنفس الصعداء من شرور حكامه وسلاطينه عاما، إلا وجثموا على صدره وضيقوا عليه أنفاسه أعواما عديدة.

  نعم، هكذا قضى العراقي حياته في بلده الزاخر بالخيرات والثروات، وياليته يعرف سقفا زمنيا لمعاناته الأزلية، ليعرف حينها أن الخلاص من سوء طالعه حاصل عاجلا أم آجلا، لكنه على مابدا ويبدو على يقين أن الحلول لمآسيه في بلده ضرب من الخيال، وبدعة من بدع السحر، لن يطالها مادام اللاهثون على كراسي الحكم متمسكين بها كالعروة الوثقى، ولن يدعوا لحلمه ثغرة يرى فيها النور لتحقيقه، وكأنهم أقسموا أن يرددوا بأذنه على الدوام مثله المعروف؛ (جاك الذيب جاك الواوي). فمعذور انت ياعراقي، كيف يتسنى لك تمييز الأعياد والأيام وانت كما يقول المتنبي: 

          لا يعجبنَّ مضيما حسن بِزَّته

                                       وهل يروق دفينا جودةُ الكفن؟

   أذكر زميلا إعلاميا قام باستطلاع آراء في عيد الحب الماضي، ومن ضمن الأماكن التي زارها في بغداد، سوق شعبي في حي من أحياء العاصمة بغداد، فرأى امرأة كبيرة السن مفترشة الأرض، متوشحة سوادا من هامة رأسها حتى أخمص قدميها، كباقي العراقيات اللائي دأبن على ارتداء هذا اللون في كل المناسبات، كانت هذا المرأة تحتضن صفيحة صدئة مثقبة بعشوائية، فيها بقايا جمر ورماد يقيها قرَّ الشتاء، ويدفئ أوصالها التي ترتعد بردا وهي ناشرة أمامها (بسطيـّة) فيها أشياء عديدة الأشكال ومتنوعة الاستخدامات، إلا أنها تشترك في شيء واحد هو ثمنها..! إذ كان صوت المرأة المبحوح ينادي بانكسار مايبوح بالتسعيرة الثابتة لما تبيعه وهي: (حاجة بربع... حاجة بربع... حاجة بربع...) سألها زميلي: حجيّة ما رأيك بعيد الحب؟ أجابته بسليقة أمهاتنا العراقيات الـ (شبعانات ضيم) جوابا لاأظنه يحتاج تعليقا او توضيحا، بل أتركه لقارئ سطوري يستوحي منه معاناتها والثلاثين مليون شخص معها، لقد قالت له: (خايب آنه عيد الله واكبر ما اعرفه شنهو). 

aliali6212g@gmail.com

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي   في البلد الذي شرّع الدستور الأول وسنّ القوانين منذ آلاف السنين (مسلة حمورابي)، وفي البلد الذي علّم الإنسان الحرف الأول (الكتابة السومرية)، واخترعت فيه ... تفاصيل أكثر
علي علي       تخبرنا كتب التاريخ ان الصينيين هم أول من توصل الى صناعة الورق من النباتات، فبعد ان كانت الكتابة على جلود الحيوانات وألواح الطين ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي بعد أن أعلن العراق رسميا تحقيق النصر على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل ،وهو نصر ليس عسكرياً فقط دلً على شجاعة فائقة من أبناء ... تفاصيل أكثر
جمعة عليوي     سمعنا وقرأنا ان للهزيمة ابا واحدا وللنصر الكثير .وهنا نريد ان نتلاعب بالكلمات ونقلب المعادلة .ونؤكد ان عنوان مقالنا له معنى ومغزى كبيران ... تأريخ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
سعد الحميداوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو ... تفاصيل أكثر
ادريس الحمداني ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
الحقيقة - متابعة   يسعى حبيب جعفر، مدرب الطلبة، لمصالحة جماهير الفريق، من خلال تحقيق الفوز في مباراة اليوم، أمام فريق الحدود، والتي ستقام على استاد الشعب، ... تفاصيل أكثر
  عدنان الفضلي   لا مقدمة تصلح لمقالي هذا سوى قولي اني انحني قبالة كل من كانت له بصمة واضحة في تحرير الأرض العراقية من دنس أحقر تنظيم ... تفاصيل أكثر
  علي علي     أفي كل يوم تحت ضبني شويعر                      ضعيف يقاويني قصير يطاول   ... تفاصيل أكثر