عدسة عراقية تصطاد وجوه عاصمة الاتحاد الأوروبي

عدد القراءات : 3238
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عدسة عراقية تصطاد وجوه عاصمة الاتحاد الأوروبي

تمتاز لقطة المصور العراقي كريم إبراهيم بالواقعية، فاللحظة التي تشدُّ عدسته وتحفِّزها هي تلك التي تكون أكثر تلاحماً مع الواقع، فتراه يسعى لالتقاط التفاصيل مهما كانت غريبة ومثيرة، التفاصيل في مجموعة الصور التي يقدِّمها تُشكِّل مشروعَه الفني الذي تنوَّع في الأعمدة التي يقوم عليها، فبدأ مع الطبيعة من خلال رحلاته المتكررة لمنطقة الأهوار في العراق،

عبدالله مكسور

 

 

حيث سلَّط الضوء على ملف التصحُّر الذي بدأ يضرب في اتجاهات مختلفة المنطقة الأخصب في بلاد الرافدين، لينتقل خلال تلك الفترة إلى مصر حيث واكب في ميدان التحرير بالقاهرة، ثورة الخامس والعشرين من يناير لعام 2011، ولينقل بعدسته وقائع ظلَّت راسخة في مخيِّلته حتى الآن، وليقدِّم كريم إبراهيم منذ عام تقريباً بالاشتراك مع مصورين آخرين في كاتدرائية مولنبيك في بروكسل لقطات مختلفة لأماكن العبادة في عاصمة المملكة البلجيكية، قبل أن يتجه مؤخراً إلى بغداد ضمن بعثة صحافية بلجيكية لتوثيق بغداد الراهنة في محاولة لاسترجاع بعض الألق الذي غاب عن أحياء العاصمة العراقية.

في معرضه المُقام حالياً في احدى ضواحي بروكسل، يقدِّم إبراهيم لحظات من حياة أشخاص يعيشون في العاصمة التي تحتوي بين جنباتها ثقافات عديدة، إنها جوانب من حياة المهمَّشين الذين يمارسون حياتَهُم بالاعتياد والروتين اليومي، لهذا امتازت الصور الفوتوغرافية التي عرضها كريم إبراهيم بالآنِية الثابتة التي يُمكن تعميمها لاحتوائها على فكرة الاستمرار فيما تحمله من خصائص تُمثِّل التقاطع الايجابي بين الإنسان والمدينة التي يعيش بها، في قالب يقارب إعادة إنتاج الواقع من خلال إيقافه في لحظة غير متوقَّعة وتقديمه لمتلق ارتبط بشكل أو بآخر بالفضاء المكاني للصورة.

الفضاء المكاني كان مرافقاً لتعابير الوجوه التي تبدو في مساحةٍ ما جزءاً من المكان، تُشبِهه ويشبهها مهما اختلفت ردود أفعالها في الصور، شخصيات ثابتة في عالم متحرِّك، أو لقطات ثابتة في محيط يتكوَّن من دوائر مترابطة مع بعضها البعض، هكذا تغدو التقاطات كريم إبراهيم ثابتة ومتحركة في وقت واحد بحيث تكون متَّصلة بما هو حسِّي وعقلي وعاطفي معاً، الثباتُ يأتي من جمودها المطلق والحركة تنطلق في عقل المتلقي باعتباره عارفاً للتمازج المطلق الحادث بين الشخصيات والأمكنة في العاصمة بروكسل، لهذا أتت الصور المعروضة على شكل انتقالات مدروسة تارة واعتباطية تارة أخرى.

في تعليقه على المعرض قال الشاعر والروائي العراقي زهير كريم الجبوري  إنَّ “كريم إبراهيم حاول أن يقدم تأويلا لشخصيات واقعية جدا من حيث ارتباطها بالمكان، فأظهر الملامح بالشكل الذي يحرض المتلقي على قراءتها، تلك الملامح التي جاءت على هيئات مختلفة، خشنة، ناعمة، حزينة أو مبتهجة، كما قام بتوظيف المكان باعتباره خلفية وجدانية تحتوي شخصياته التي تميَّزت في هذا المعرض بالبعد الوجداني الذي يكمن في وجوه تختصر حكايات عديدة”.

ويتابع زهير قائلا "إنَّ كريم اختار بروكسل ليقدِّم من خلال الصور رؤيته الذاتية للمدينة عبر أفكار تتعلق بالتنوع في الملامح والتنوع في الأحاسيس"، لهذا يعتبر زهير أن اللوحات الفوتوغرافية المعروضة قدَّمت وظيفتها في إبراز قيمة الشخصية في لحظة معيَّنة أو في سياق المكان بما يحمله من تاريخ ورمزية، بالإضافة إلى جوانب القبح والجمال بمفهومها الأخلاقي والفني أيضا.

عن تجربة المصور كريم إبراهيم يقول الشاعر العراقي المقيم في بلجيكا ماجد مطرود إنه تابع المصور منذ بداية مشواره، حيث قال “حرصَ كريم منذ بداياته وإلى اليوم على الهدوء التام، فهو -بحسب مطرود- يملك عيناً فاحصة تلتقط كل شيء، وهذا ما يظهر في صوره الأخيرة التي يقدِّم فيها وجوهاً مختلفة ذات ملامح متنوعة في عاصمةٍ تقوم أساساً على فكرة التعدُّد، هذه الوجوه بما تحمله تنتظر من المشاهد أن يسمع صمتها بتركيز عال، اللغة هنا ليست مهمة فالأشخاص قادمون من أعراق وثقافات تتضح فيها فكرة الاختلاف، إلا أنَّ هناك انسجاما كاملاً في ما بينها لبناء واقع أقرب إلى المثالية التي تقوم على مبدأ التسامح من خلال مجموعة منثورة من الصور المتنوعة التي تعتمد على البيئة الصامتة ضمن أحياء بروكسل وضواحيها”، ويتابع مطرود مبينا أنَّ “كريم إبراهيم في الواقع لا يختلف إطلاقا عن الصور التي يقدِّمها”.

كريم ابراهيم المصور العراقي الذي يقيم في بلجيكا منذ ما يقارب أربعة عقود متتالية، وصَل إلى بروكسل مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، يجوب كل يوم شوارع بروكسل حاملاً كاميرته ملتقطاً كلّ ما يمكن التقاطه من لحظات تبقى تمثِّل الصورة الأخرى للمدينة، صورةٌ لا يحملها كسائح جاء لاكتشاف عاصمة الاتحاد الأوروبي بل يقدِّمها ضمن وجبةٍ مُشتهاة تمثِّل المدينة والتنوُّع الذي تقوم عليه كما يراها هو كريم إبراهيم.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي العبودي من الصعب جداً ان نجد اليوم من يتولى مسؤولية صغيرة كانت ام كبيرة ان يغادر المكان وقد ترك اثراً طيباً يذكر بعد مغادرته ليس ... تفاصيل أكثر
    علي علي عندما كنا صغارا، كان اللعب شغلنا الشاغل، وابتكار ماهو جديد منه ديدننا، مع أن المتوافر بين أيدينا من أدوات اللعب آنذاك، ليس ... تفاصيل أكثر
حسين الذكر في يوم قيظ ديمقراطي لاهب ، التقيت صديقي ابو سيف  ، عاش فقيرا محترما مسالما بعيدا عن الاستغلال السلطوي بكل اداوته المعروفة بالعراق حكومية ... تفاصيل أكثر
جواد العطار اذا كان رهان الحرب الطائفية قد انتهى بتوحد العراقيين في مواجهة ارهاب داعش ، فان رهانات تقسيم العراق ما زالت قائمة وخطيرة وهي تتأرجح ... تفاصيل أكثر
علي علي في بيت شعر قديم كان الشاعر فيه يدعو الى التجدد والتطور لاسيما في طباعنا، يقول فيه: البس جديدك إني لابس خَلِقي  لاجديد لمن لم يلبس الخَلِقا   ... تفاصيل أكثر
نهاد الحديثي يبدو أن محاصرة ومواجهة منابع دعم الإرهاب والإرهابيين بدأت تؤتي ثمارها في تهالك قوى تنظيم داعش في كثير من مواقعها وخاصة في مواقع الصراع ... تفاصيل أكثر
فرح الاعرجي   حين ابدأ رحلتي في الصباح للذهاب الى عملي، اتجه صوب الشارع واهم بالعبور الى الجهة الاخرى، حيث تتراصف التكسيات وبصوت واحد يردد اصحابها :تكسي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي   في البلد الذي شرّع الدستور الأول وسنّ القوانين منذ آلاف السنين (مسلة حمورابي)، وفي البلد الذي علّم الإنسان الحرف الأول (الكتابة السومرية)، واخترعت فيه ... تفاصيل أكثر
علي علي       تخبرنا كتب التاريخ ان الصينيين هم أول من توصل الى صناعة الورق من النباتات، فبعد ان كانت الكتابة على جلود الحيوانات وألواح الطين ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي بعد أن أعلن العراق رسميا تحقيق النصر على تنظيم داعش وتحرير مدينة الموصل ،وهو نصر ليس عسكرياً فقط دلً على شجاعة فائقة من أبناء ... تفاصيل أكثر
جمعة عليوي     سمعنا وقرأنا ان للهزيمة ابا واحدا وللنصر الكثير .وهنا نريد ان نتلاعب بالكلمات ونقلب المعادلة .ونؤكد ان عنوان مقالنا له معنى ومغزى كبيران ... تأريخ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
سعد الحميداوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو ... تفاصيل أكثر