المكثف في تأسيس الدولة العراقية

عدد القراءات : 7825
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المكثف في تأسيس الدولة العراقية

منذ لحظة تأسيس الدولة في عشرينيات القرن المنصرم، اتضح وجود أفكار مختلفة جدا حول مستقبل العراق، وقد تغيرت الحدود الفاصلة بين هذه الأفكار عبر البلاد بأكملها، مع محاولة الفصائل المختلفة، المتمتعة بسلطات متنوعة، إثبات سيطرتها وإخضاع الآخرين لرؤيتها الخاصة للدولة، فتعارضت هذه الرؤى وتنافست على مر التاريخ العراقي. سلطات الانتداب البريطاني في العشرينيات، شيوخ القبائل في ظل الملكية والجمهورية، القوميون العرب منذ الثلاثينيات على الأقل، علماء الدين الشيعة خلال تلك الفترة، الحزب الشيوعي العراقي في ذروة أحداث الخمسينيات ومطلع الستينيات، الأحزاب الكردية في تناحرها فيما بينها ومع السلطات المركزية وخلال الأعوام الثلاثين الماضية، صدام حسين وجماعته - جميعهم تركوا بصماتهم على التاريخ العراقي المعاصر ....

وهذه الافكار كانت أحد اسباب الصراع وبصورته العنفية، كتعبير عن اختلاف الرؤى والمصالح، وقد مثلت المنطلق الفكري لكل ما يحدث للعراق المعاصر وكانت من أراسيات الصراع الاجتماعي. وهي في بعض تجلياتها، قد حفزت على تطور القوى الامنية كي تجابه هذا الحراك الاجتصادي والسياسي والفكري وجملة الانتفاضات منذ بداية القرن العشرين. لقد "...أنهت هدنة مودروس (30 تشرين الأول 1918) الحرب بين بريطانيا والدولة العثمانية، وأصبح بعدها العراق كله تحت السيطرة العسكرية البريطانية وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الإدارة البريطانية ...  "، لأنهم جاؤوا وفي جعبتهم دراسات وافية عن الاوضاع الاجتصادية والسياسية في العراق، وبنية مكوناته المدينية والريفية وطبيعة المكونات الاجتماعية على تعدديتها. وقد تم جمعها من قبل رجال استخباراتهم الذين توافدوا الى العراق منذ نهاية القرن التاسع عشر عندما كانوا يخططون لاجل الاستيلاء على العراق وبخاصة عندما تم تحويل سفنهم الحربية من استخدام الفحم إلى النفط في مطلع القرن المنصرم.. وكانت أحدهم المس بيل، ( صانعة العروش) كما كان يطلق عليها. بمعنى آخر، كان المحتل البريطاني على وعي تام بالوضع الاجتماعي في العراق لكي يرسخ احتلاله للعراق "... ويبقيه تحت هيمنته بعيداً عن تأسيس دولة على وفق المعايير الحديثة، فلا سبيل لديه سوى ابقاء الحال على ما هو عليه، وان أفضل طريقة لديه لتحقيق ذلك الهدف هي ترسيخ العادات والأعراف السائدة آنذاك. لذا فقد عمد إلى تشريع نظام العشائر الصادر سنة 1918، وخلاصته ان المشرع اعتمد العادات والأعراف العشائرية وصاغها على شكل قواعد قانونية آمرة، ووضعه موضع التنفيذ وعلى امتداد المساحة المحتلة. ومما يزيد الطين بلّة، ان الدولة العراقية الحديثة ولافتقارها إلى التشريعات المطلوبة لتأسيس الدولة آنذاك، فانها أبقت على الأنظمة والتشريعات التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية من خلال المادة 114 من القانون الأساسي.... ( التوكيد منا- الناصري). وبعد السيطرة  الكاملة على العراق، فقد نشأ صراع بين العناصر المحورية لقوى الاحتلال وطاقمها الإداري تمحور في السؤال الأرأس حول كيفية إدارة الحكم اللاحق. هل يُحكم العراق بصورة مباشرة، كما كان سائداً في الهند، وهذا ما نادت به، كما اصطلح عليها في الأدب السياسي، (المدرسة الهندية)، وقد كان آرنولد ويلسن وكيل الحاكم العسكري البريطاني العام هو من تبنى هذا الاتجاه وكان يعارض بشدة تأليف أي نوع من انواع الحكم الوطني في العراق ؟! أم يُحكم بصورة غير مباشرة من خلال حكومة من أهل البلد ولكن بسيطرة بريطانية غير مباشرة أي حسب توجيهاتها وإشرافها، كما اقترحه المكتب العربي في القاهرة أو كما أطلق عليه ( مدرسة القاهرة ) ؟.

وعند هذه الحالة، فقد برز السؤال الاتي: من هي الشخصية المرشحة لقيادة العراق اللاحق ؟؟ إذ ان المرشحين ربو على أربعة عشر مرشحاُ كان من بينهم: حاكم بيشتكو الإيراني، هادي باشا العمري من الموصل، عبد الرحمن النقيب رئيس الحكومة المؤقتة ومفتي العراق, طالب النقيب وزير داخلية الحكومة المؤقتة من البصرة, الشيخ خزعل امير المحمرة, وبرهان الدين نجل اخر السلاطين العثمانيين وغيرهم. لقد سبق وأن قامت قوى الاحتلال البريطاني في عام 1918 وبإشراف ارنولد ويلسن، بإجراء استفتاء لبيان موقف الشعب من طبيعة الحكومة التي سوف تسير إدارة البلاد، بغية تحبيذ رأيه في تبني اشراف حكومة الهند البريطانية على العراق، وذلك... من خلال اجاباتهم على الأسئلة الآتية : 

1- هل يفضلون دولة عربية واحدة تحت الوصاية البريطانية . 

2- وفي هذه الحالة هل يعتقدون بلزوم تنصيب رئيس عربي. 

3 - وإذا كان الأمر كذلك ، فمن يفضلون تنصيبه رئيساً؟ ... 

وقد قام ويلسن بتنظيم الاستفتاء أعلاه بغية تحقيق مآربه التي تمحورت... وبإجتهاد شخصي منه، حرص على تحريف نتائج هذا الاستفتاء ليبلغ لندن بأن العراقيين يرغبون باستمرار الحكم البريطاني، وأنهم يطالبون حكم مندوب سام بريطاني يساعده وزراء عراقيون. وقد دفع العراق ثمن هذا التحريف غالياً، لاسيما بعد ازدياد حدة الاضطرابات المطالبة بالاستقلال وتداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على المواطنين... ويلاحظ على هذا الاستفتاء أنه لم يكن مطروحا أحد أنجال الشريف حسين، بل تم ذلك على وفق بعض من أوجه اتفاقية سايكس- بيكو السرية التي قسمت سوريا الكبرى والعراق بين بريطانيا وفرنسا. كذلك حسب الاتفاق المبرم بين الشريف حسين وبريطانيا بما يسمى (الثورة العربية)، على أن يكون فيصل ملكاً على سوريا الكبرى ما عدا فلسطين لالتزامهم بوعد بلفور، وعبد الله ملكاً على العراق.  لكن وبعد أن تم طرد الملك فيصل من سوريا في 25 تموز 1920، من قبل القوات الفرنسية "... واضطراره مغادرة دمشق إلى إيطاليا؛ فكر الساسة الإنكليز في دعوته إلى لندن ، والإستفادة من نكبته في دعم  سياستهم بالعراق... بمعنى آخر... أظهر المسؤولون البريطانيون رغبتهم في تنصيبه ملكاً عن العراق، وقرروا في كانون الثاني 1921 المضي في تنفيذ هذه الرغبة، وقد حرصوا على جعل عملية التنصيب وكأنها عراقية وليست بريطانية، واضعة في الحساب أهمية المحافظة على سمعتها أمام الرأي العام العالمي كبلد ديمقراطي  يستجيب لرغبات الشعوب التي تطمح إلى الاستقلال... ولما اجتمع به كورنواليس في فندق هايد بارك في لندن ليلة السابع من كانون الثاني1921 في اجتماع دام حتى الساعة الثانية صباحاً، أفهمه بنصوص الانتداب البريطاني الذي فرضه مجلس الحلفاء على العراق فوافق عليه... "، وبخاصة بعد تعهده لرئيس المؤتمر الصهيوني آنذاك بعدم ممانعته من تحقيق وعد بلفور. لذا تمت المداولات حول تعينه  ملكاً على العراق بدلاً من أخيه عبد الله، منذ النصف الثاني من عام 1920 وتم إقرار ذلك في آذار عام 1921  في مؤتمر القاهرة. ولهذا فضلت بريطانيا عدم تعيين وطني عراقي ملكاً على العراق، لأن هذا سيقوض شرعية المملكة الهاشمية من جهة ويعزز الجانب الطائفي للسلطة من خلال اعتمادها على مكون اجتماعي واحد، مما أحبط مساعي بناء الأسس المادية للهوية الوطنية ولم تساهم في خلق هذا الشعور. لكن "... لم تحظ هذه الخطة بشعبية على الصعيد المحلي، لأن الأكراد والتركمان والشيعة والسنة والمسيحيين واليهود وسواهم ظلوا متمسكين باستقلاليتهم تمسكاً شديداً، وكانت لهم أفكار واضحة عن وضع الحكام المفروضين من الخارج. ولم يهتم البريطانيون بمثل هذه التفاصيل وحاولوا اسكات أي معارضة عن طريق التلاعب بنتيجة استفتاء شعبي طُرٍح فيه سؤال واحد فقط على الشعب العراقي: (هل تقبل بفيصل ملكا وزعيما للعراق؟). ولم يسمح بأي سؤال آخر، وزيادة على ذلك لم تكن سجلات الاقتراع موثوقة، وكان البريطانيون وحدهم في موضع يسمح لهم بإدارة عملية التصويت... ولم تفاجئ نتيجة الاستفتاء أحدا، إذ قرر 96%من الناخبين لاسباب بقيت غامضة وغير معلنة، الموافقة على أن يصبح فيصل ملكاً على العراق ....  وهكذا كانت (طبخة) الملكية في العراق. وفي الحقيقة لم يتم (انتخاب) فيصل بدون المساعدة البريطانية وتعاون الضباط الشريفيين معهما، وإشرافهما على عملية الاستفتاء المقررة سلفاً، بغية التحكم بالنتائج المرغوبة من قبيلهما حول تعيين فيصل ملكاً على العراق، لأنه "... نُصب باستفتاء جماعي لأنه مرشحنا نحن ... حسب قول مس بيل، وقد سبق (للخاتون) كما أطلق عليها العراقيون، قد أخلت الجو من المنافسين لفيصل وبخاصة من ذوي المنطلق العراقوي، ومنهم المنافس القوي ووزير داخلية الحكومة المؤقتة وبصفته أقوى الرجال وأشدهم تأثيرا في العراق، طالب النقيب ، المدعوم من المستر جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية  والمستر رايلي مستشار وزارة المعارف. وبعد أن حسم الصراع وتم الأخذ بالرأي الثاني، فقد تم عقد (مؤتمر المستعمرات البريطانية في الشرق الأوسط) مؤتمر القاهرة في 12/آذار/1921 أي قبل تأسيس الدولة العراقية حيث تمت مناقشة أربع قضايا تخص العراق وهي: 

1- علاقة الدولة (العراقية) الجديدة ببريطانيا العظمى من حيث النفقات؛

2- شخصية من سيتولى حكم هذه الدولة؛

3- نوع وشكل قوات الدفاع في الدولة الجديدة ، التي ستتمتع بمسؤوليات أوسع في الدفاع عن نفسها؛

4- وضع المناطق الكردية وعلاقتها بالعراق. ( التوكيد منا - الناصري).

وبعد الأخذ بترشيح فيصل لملوكية العراق نظمت لاحقا مضابط استفتاء جديدة أضيف إليها عبارة : ترشيح أحد ابناء الشريف حسين والمعني به الملك فيصل الأول. وعلى ضوء ذلك فقد وضع مؤتمر القاهرة منهجاً خاصاً لتأييد هذا الترشيح وبالتنسيق مع الضباط الشريفيين. ولقد تماثل فيصل الأول، بعد تعيينه ملكاً على العراق، مع المشروع البريطاني إلى حد خاطب فيه المندوب السامي بالقول :"... فإنا أداة السياسة البريطانية وإننا - حكومة صاحب الجلالة وإنا - نجد انفسنا في القارب نفسه وعلينا أن نغرق معاً أو أن نطفو معاً... وهكذا كانت (طبخة الملكية) كما يحلو لعالم الاجتماع الدكتور علي الوردي أن يطلق عليها ، حيث تم (استيراد) فيصل الأول وتعيينه ملكا على العراق، حيث دعمه وساند ترشيحه كل من وزراتي الخارجية والمستعمرات ومجموعة المكتب العربي في القاهرة، لأنه سبق وأن تعامل مع هذا المكتب منذ 1916، عندما تم اقناع أبيه بالانتفاضة على السلطة العثمانية بما أطلق عليها اسم (الثورة العربية)، وتم تثبيت هذا التعيين في مؤتمر القاهرة المذكور. كما تمت الموافقة في المؤتمر على تشكيل جيش للدولة الوليدة يتولى حفظ الأمن الداخلي، لذا وافق المندوب السامي البريطاني بتاريخ 26 آيار 1921، على ضرورة الاسراع بسن قانون التطوع المؤقت للجيش العراقي، كذلك بقيت أجهزة الشرطة بأقسامها المختلفة على وفق شرعنة الانتداب البريطاني ومقتضياته، فأسست الإدارات الرسمية في مختلف شؤون الحياة. 

إن الانتفاضة الكبرى (ثورة) عام 1920 وما سبقها من انتفاضات وبخاصة انتفاضة النجف عام   1918، المرتبطة بالرؤية الوطنية العراقوية وبحرس الاستقلال إبان الانتفاضة تُعد العتلة المركزية، بل الأرأسية، في تأسيس الدولة العراقية كعامل أول ؛ وأيضاً على وفق الوعود (اللفظية) البريطانية  باستقلال الدول العربية المشرقية وتكوين الدولة الموحدة، وتوصيات مؤتمر السلام حول تقرير المصير، بتأسيس حكومة من ابناء البلد مع المحافظة على مصالح المحتل في البلاد كعامل ثان. كما أن هنالك عوامل أخرى فرضت ظروفها على تبني إنشاء الدولة العراقية، منها، على سبيل المثال، التكاليف المرتفعة للجيش البريطاني عند الحكم المباشر من قبل قوى الاحتلال. لقد ساهمت مصادر متعددة في مساعدة قوات الاحتلال على إدارة البلد وبخاصة بعد الانتهاء من احتلال العراق بأكمله والبدء في اقامة المؤسسات الخدمية والامنية بالاساس، كان منها:

- مجموعة من الضباط العراقيين وبخاصة الشريفيين منهم ؛

- الموظفون العراقيون في الإدارة العثمانية الذين بقوا في العراق أو من الذين عادوا إليه بعد الهدنة. 

- العراقيون الذين تعاونوا مع قوى الإحتلال من الارستقراطية التقليدية والملاك وبعض شيوخ القبائل ؛

- من بعض الضباط البريطانيين ومن الطاقم الإداري المرافق لقوات الاحتلال  ؛

- بعض العاملين الهنود المرافقين  لقوى الإحتلال المدنيين ومن ضباط الشرطة.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي العبودي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نجم الشيخ داغر ... تفاصيل أكثر
بلال حنويت الركابي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
مكرم محمد أحمد ... تفاصيل أكثر
د. حسنين جابر الحلو. ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
الشاعر محمد بشار ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
عبدالرضا الساعدي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناظم محمد العبيدي ... تفاصيل أكثر
غسان الوكيل ... تفاصيل أكثر
علي علي     دأب برلماننا منذ ولادته -كما هو معلوم- متلكئا في سن القوانين وإقرارها تحت سقف زمني معقول او نصف معقول، إذ يدخل مشروع ... تفاصيل أكثر
 مازلت اذكر اللحظات الاولى لوصول الراحل الدكتور احمد الجلبي الى مدينة الناصرية بعد سقوط النظام السابق مباشرة، ولقاءنا به للحظات تحدث خلالها عن ان عهداً ... تفاصيل أكثر
علي علي     في بلد يعوم على بحور من الخيرات، تدور الدوائر عليه، فيأتي أناس خرجوا من رحمه، ليتسابقوا على سلبه جهارا نهارا، فكأنهم يقطّعون ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر