قرصنة

عدد القراءات : 216
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
قرصنة

محمد زكي ابراهيم

 

في تقارير شركة الهند الشرقية البريطانية التي نشرها لوريمر قبل مائة عام عن حوض الخليج العربي، وردت إشارات كثيرة إلى موضوع القرصنة البحرية. كانت هناك في العقدين الأولين من القرن التاسع عشر حركة محمومة لجماعات خليجية مسلحة للتعدي على السفن التجارية القادمة للخليج، أو الخارجة منه. وقد سجلت حالات عديدة جرى فيها إعدام البحارة ومصادرة السفن والاستيلاء على الحمولة. وأصيبت شركات أوربية كبرى، ومنها شركة الهند الشرقية الآنفة الذكر بخسائر فادحة. ولم تجد بريطانيا بداً من تجريد حملة عسكرية لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح. فقامت سفن الشركة المزودة بالمدافع بمهاجمة ميناء رأس الخيمة الذي يديره القواسم وبعض الثغور الأخرى على ساحل الخليج الجنوبي، ودمرت جميع القوارب الراسية فيها، وفرضت عقوبات صارمة على الأهلين. وأجبرت حكام الساحل على توقيع معاهدة عام 1820 لقطع دابر هذه التعديات. وقد نجحت هذه الجهود في حماية السفن التجارية وكبح جماح متطرفي قبيلة القواسم وعودة الهدوء إلى المنطقة. ومع ذلك فإن الكتاب العروبيين الذين تناولوا هذا الموضوع في ما بعد أثنوا على القواسم وأسبغوا عليهم صفة الثوار. ووصفوا ما قاموا به من تعديات بالمقاومة المسلحة للوجود الأجنبي. ولم ينسوا وصم البريطانيين بالمحتلين. ولم يكترثوا للتهديد الذي كانت تمثله هذه المجموعة لحركة التجارة الدولية. وكأن المنطقة كانت مكتفية بذاتها، ولم تكن بحاجة لتصدير منتجاتها الزراعية والحيوانية للخارج. أو شراء حاجياتها اليومية من الخارج. ولم تكن السفن الأوربية الوحيدة المستهدفة في هذه الجرائم. فقد سجلت بعض التعديات على سفن محلية أيضاً، وأصيب مالكون عديدون بالإفلاس، وفقد بعض الملاحين العرب حياتهم بسبب ذلك. ولكن كل هذا لم يقنع القوميين المتشددين الذين أصابتهم حمى الثورة في القرن العشرين، بأن طرق التجارة يجب أن تظل آمنة حتى مع وجود تفاوت حضاري في المنطقة. وأن تعريضها للخطر إن هو إلا خرق للقانون، وإشاعة للفوضى. وقد غاب عن هؤلاء أن القواسم الذين يقال أنهم عراقيو الأصل، هم من أوائل من تبنى الفكرة الوهابية في أطراف الجزيرة العربية، واستخدموا ذات الوسائل التي استخدمها رفاقهم في نجد ضد المدن المجاورة. وماتزال بعض البلاد الإسلامية تشهد أعمال قرصنة مماثلة من معتنقي نفس الفكرة على طرق الملاحة الدولية. إن العودة إلى أدبيات النصف الثاني من القرن العشرين تكشف عن الكثير من المفارقات، وأهمها غياب الموضوعية في التعامل مع الملفات التاريخية، وتوظيفها لخدمة أفكار سياسية قائمة على مبادئ الإقصاء والقتل والتطرف. ولاشك أن إعادة النظر في هذه الملفات سيجعل العرب أكثر عقلانية وتحضراً. وسيضعهم في صف القوى الفاعلة في المجتمع الدولي، بعد أن وقفوا قروناً طويلة على الهامش.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم ألخالدي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
جواد العطار ... تفاصيل أكثر
السيد الزرقاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عمار عبد الواحد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زينب فخري ... تفاصيل أكثر
منذر فلاح ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
عماد الجابري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عقيل علي الذهبي ... تفاصيل أكثر