جمال عبدالرحيم يحفر في الذاكرة بالإزميل والفرشاة

عدد القراءات : 367
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جمال عبدالرحيم  يحفر في الذاكرة بالإزميل والفرشاة

ضمن اشتغاله الفني الممتد لأكثر من ثلاثة عقود يعود الفنان البحريني جمال عبدالرحيم من خلال معرضه الأخير “حفر في الذاكرة”، الذي افتتح في صالة جمعية البحرين للفنون التشكيلية بالمنامة في يناير الحالي، محملا بحقيبتين فنيتين مكتنزتين بالنحت والطباعة المتمثلة بالرسم الكلاسيكي والحديث.

بذل التشكيلي البحريني جمال عبدالرحيم تجربته وحياته الفنية للنهل من عالمين فنيين قلما اجتمعا لدى فنان واحد، وهما النحت والطباعة، فهذان العالمان الساحران اللذان لا يزالان قادرين على خلق الدهشة العميقة لدى متلقي عوالمه، وهو الذي ما إن يخرج من مناخات عالم حتى يأخذ بأيدي جمهوره لفضاء اشتغالات أخرى في عالم فني آخر، مكتشفا زواياه التي لم تكن لترى النور إلا عبر إزميله وفرشاته، وهذا ما يؤكده الناقد العربي عيسى حنا في حديثه عن تجربة عبدالرحيم، حين كتب “جمال منهمك في اكتشاف العلاقة المركبة بين الفكرة والموضوع، محاولا أن يجد حلولا بصرية لسؤال الفن المعاصر بجميع تركيباته”.

ويقدم جمال في تجربته الجديدة المعنونة بـ”حفر في الذاكرة”، التي تعرض حاليا في صالة جمعية البحرين للفنون التشكيلية 21 منحوتة و34 لوحة فنية، ليقارب من خلالها حالات التأمل الصوفي في عزلة الفنان إزاء صخب الكون الذي يتكاثر من حوله بالفوضى والدمار، وليؤسس هو (الفنان) العالم من جديد، ويعيد صياغته وبناءه وتركيبه وفق ما يراه، مستعينا أحيانا بعبارات النفّري في مواقفه ومخاطباته، وبالشاهنامة في طقوسها الغرائبية الأسطورية الشعرية، وأحيانا بمكونات حياتية يرسمها ضمن دوائر صوفية اختار لها بعض الطيور أو الحيوانات أو الوجوه البشرية المشهورة أو العابرة.

وتبدو شخصيات جمال عبدالرحيم في “حفر في الذاكرة” مواربة خلف تهويمات الفوكس، أراد لها عبر تقنية الطباعة أن تكون متدارية في ظهورها، وظاهرة في خفائها، وكأنه يعلن عن إمكانية الموت في الحياة، والحياة في الموت، حتى تكعيبية بيكاسو في لوحته الشهيرة “المرأة الباكية”، التي تفترض إعادة تركيب الكون وفق ما يراه الفنان صهرها جمال عبدالرحيم في معرضه ليقدمها كما يراها هو في قالب مبتكر، محاولا أن يرصد العالم في ذاكرته المحفورة بأسئلته الخاصة ليطلقها من جديد كحالة كونية في فضاءات لا منتمية إلا للإنسان وحده.

وفي مداخلة حول تجربة “حفر في الذاكرة”، يرى الكاتب والروائي البحريني فريد رمضان أن جمال عبدالرحيم عوّدنا دائما على تقديم المفاجآت الفنية الكثيرة، المبهرة، المتجددة والعميقة من ناحية الموضوع أو من ناحية التقنيات المختلفة التي لا يكف عن تقديمها. ويوضح فريد أن هذا المعرض يقوم على اشتغال متجدد في مجال الحفر “فن الغرافيك” وفن النحت في الحجر بأنواعه العديدة، بالإضافة إلى استخدام البرونز في أعمال نحتية تأخذ العقل والروح. 

ويقول رمضان “في فن الحفر ‘الغرافيك’ نراه يقدم تقنيات جديدة، نراه وهو يجعل من اللوحة عملا فنيا من نسخة واحدة لا تعاد طباعتها، لأنه استخدم الريشة والألوان في ضربات تمزج الغرافيك بالتلوين اليدوي، أو في تحويل اللوحة إلى أبعاد ثنائية وثلاثية، ناهيك عن استخدام أكثر من صفيحة لإدخال أكثر من لون في أعمال حفر أخرى، وبراعته في الطباعة التقليدية التي تظهر اللون الأسود بدرجاته الفنية المختلفة، أما في مجال النحت على الرخام والأحجار المختلفة في مواضيع أليفة إليه ويتصل روحيا بها كالسمك والبومة والتفاحة والطيور والكتاب والجسد، أعمال تختلف في ضربة الإزميل بين التخشين والتنعيم والاشتغال على صقل المنحوتة إلى درجة باهرة”.

ومن جانبه يقول جمال عبدالرحيم “الحفر في الذاكرة هو اختزال لتجربة 30 سنة في مجال الطباعة، والطباعة علم له تقنيته التي تتطوّر بشكل يومي سريع، ولا بدّ للفنان أن يكون جزءا منها، وفي هذا المعرض حاولت اختزال كل هذه الأعوام الطويلة من تجربتي وخبراتي المتراكمة، بالإضافة إلى تقديم أطياف من الأعمال التقليدية متجاورة مع الأعمال الجديدة التي قدّمتها”.

ويضيف “مشروعي في الفن هو مشروع بحث وتقصٍ، فيجب ألا يقف عند نقطة بعينها، لأنني لا أبحث عن أسلوب، وإنما أبحث عن أسرار العلم والحرفة نفسها مبتكرا طرائق جديدة للتكوين، وعليه، لا بد أن تكون حذرا في عرض أعمالك، فبعد هذه التجارب الممتدة في عالم الطباعة والمعارض من المهم أن تنتقي أعمالك بعناية”.

ويتابع الفنان عبدالرحيم مستكملا حديثه حول تجربة النحت في المعرض، قائلا “تجربة النحت جديدة بالنسبة إلي، فقد دخلتها منذ عشر سنوات تقريبا، وأعتبرها نوعا من أنواع التصوّف الدنيوي، فهي تعبّر عن علاقتي بالطبيعة، وبالحجر، خاصة أنني أميل كثيرا إلى الاشتغال على الحجر أكثر من البرونز، لأن البرونز يفترض فكرة مسبقة في الذهن يعكف الفنان على تنفيذها، بينما الحجر يقول لك إنني جميل، وهناك تحدٍ بينك وبينه في العمل، فتعاملك معه هو تعامل مع جزء من الطبيعة، فتحاول اختزال الأشكال الموجودة نفسها، ثم تعيد صياغتها من جديد، مثل تجربة الانهيار التي تمثلت في الأحصنة، وفي منحوتة الديك التي أطلقت عليه ‘الجنرال’، ومنحوتات الطيور بأنواعها”. 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي   لسنوات متتالية، ونحن نحلم بعام جديد يحمل إلينا المحبة والفرح والسلام، وكثيرة هي الأحلام التي نضعها فوق وسادتنا قبل النوم لنستيقظ بعيدا عن الحزن، ... تفاصيل أكثر
علي علي    الانتماء والولاء.. مفردتان لا يُتعِب اللسانَ لفظُهما حتى وإن تكرر آلاف المرات، وقد جبل الانسان بفطرته عليهما، إذ يقول علماء الاجتماع ان لكل ... تفاصيل أكثر
علي علي    ها قد احتفل العالم بأعياد رأس السنة، كل بما أوتي من قوة وتعبير وطريقة، وها هي الأمم تستذكر من عامها المنصرم أجمل الأحداث، ... تفاصيل أكثر
علي علي     ارتأيت أن يكون عنوان مقالي اليوم بلغة غير لغتي الأم، ولغتي الأب، ولغتي الأخ، ولغتي الصديق.. لغتي العربية. وما حذوي هذا الحذو ... تفاصيل أكثر
علي علي     أذينان وبطينان، أربعة تجاويف لاتتجاوز بالحجم قبضة كف، غير أن لها سطوة على سائر أعضائنا، لذا فقد امتلكت الصدارة والعليّة على الجسد ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عــلــي شــايــع ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر