عبقرية العلمانية .. كارولين فوراست

عدد القراءات : 104
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عبقرية العلمانية .. كارولين فوراست

مي عبد الكريم محمود

 

في مساء الاعلان عن فوز فرانسوا فييون في الانتخابات التمهيدية لمرشح اليمين، ظهرت الناطقة بلسانه فاليري بوييار على شاشة القناة الثانية لتعلق على الفوز. فأثار ظهورها ضجة اعلامية كبيرة ليس حول مضمون ما صرحت به بل لأنها كانت تتقلد صليبا أي (رمزا دينيا ظاهرا) مخالفة بذلك قانون منع ارتداء الرموز الدينية في الاماكن العامة وهي ذاتها التي وصفت الحجاب يوما "بأنه رمز لإعلان الولاء للعدو". 

وبات السؤال هل يشكل فوز فييون الذي اشار في اكثر من مناسبة الى انتمائه للمسيحية ، صعودا للديانة الكاثوليكية ؟ وهل كان الصليب ايذانا لعودة الديانة المسيحية الى المشهد السياسي والإعلامي في فرنسا ؟ 

المتابع للصحافة والاعلام في فرنسا لابد وان يلاحظ ترافق صدور مؤلف او اكثر مع غالبية الاحداث الكبيرة .

كارولين فوراست هي استاذة العلوم السياسية في جامعة باريس ومؤلفة لعدد من الكتب المقالية، ظهر لها في اكتوبر من هذا العام كتاب بعنوان " عبقرية العلمانية " ذيلته بعبارة " العلمانية درع وليست سيفا، بإشارة الى الكتاب الشهير لشاتوبريان " عبقرية المسيحية" الذي يدافع به عن المسيحية والصادر عام 1802 .

كتاب فوراست هو حصيلة عام من البحث في أعمال الشخصيات الكبيرة المؤسسة للفكر العلماني في فرنسا وهم ارستيد بريان و جورج كليمنصو وجون جوراس وليون غامبيتا. 

هنا بعض ما ورد في هذا الكتاب من افكار ومن احاديث لها للصحافة حول المناخ السياسي الحالي في فرنسا:

- فرنسا صاحبة التقاليد العلمانية العريقة تمتاز بيمين لا يشبه احزاب اليمين الاوربية الاخرى كاليمين الاسباني ولا اليمين المتدين في امريكا ولم يتخلف هذا الحزب عن نهجه إلا فجأة في السنوات الاخيرة فأصبحت العلمانية لا تذكر إلا في وارد المواجهة مع الاسلام ، مع خطاب بات يتعاظم عن هويتها المسيحانية. ترد فوراست ذلك الى ظاهرة التشدد والاعتداءات الارهابية في فرنسا والتي قادت الى الدخول في اختبارات ومفاوضات متواصلة حول الحداثة والعلمانية مع المتعصبين الذين اختاروا في النهاية الانكفاء على الدين بما يشبه ردة فعل إزاء المتشددين الإسلاميين، معلنين انهم أمة مسيحية عوض التأكيد على الانتماء الى دولة علمانية تجمع الكل ولا تفرق. كما ان هذا الخطاب بات له صدى حتى على المستوى العالمي ولدى عدد من القوى العظمى كروسيا التي صارت هي الاخرى تروج لفكرة هذا الخطاب عن مسيحانيتها ولا حاجة بنا الى ذكر موقف الاسلاميين بطبيعة الحال الذين هم في الاساس من معتنقي فكرة الرجوع الى الاصول . 

- لا مكان للدين في برنامج الزعماء السياسيين،تقول فوراست. عندما يبدأ الزعماء السياسيون الحديث عن الدين والإيمان فهذا دليل على ان ليس لديهم ما يقولونه بخصوص الاصلاح الاجتماعي والنهوض بالاقتصاد. الحديث بافواههم عن الهوية الدينية هو بمثابة اشارات محرضة على التفرقة والتمايز بين الافراد وهو بالتالي نوع من المقايضة : اجيز لك ممارساتك الدينية مقابل ان تمنحني صوتك الانتخابي. بمن يؤمن هذا وذاك هي ليست من وظيفة الرئيس أو الوزير او النائب. عندما يقوم أحد المرشحين أو احد النواب بالكلام عن معتقد او دين بعينه يتولد لدى الجمهور شعور بأن لهذا المعتقد شرعية اكبر ويغدو هو الاجدر بالاعتناق من غيره والأحق في كسب الانتماء لهذا البلد. في حين اننا نعيش فترة حرجة ونحتاج الى ما يوحد بين الافراد لا الى ما يعمق الهوة بينهم والى تهدئة الغضب الذي احدثته الهجمات.

- العلمانية تدعو الى التجمع حول قيم تحمي اكثر مما تفرق أي انها لا تقدم دينا على حساب دين آخر ولهذا عندما يحتفي الزعيم بفوزه بإظهار الصليب فهو في الواقع لا يقدم مثالا جيدا ويلعب بالنار لانه يناهض فكرة المساواة بين الجميع بإظهاره رمزا دينيا معينا. يقدم النائب نفسه ممثلا عن الجميع دون طائفة معينة في حملته الانتخابية وعليه ان يحترم هذا الحياد الذي التزم به في البداية.

- طبقا للإحصاءات تستأثر العلمانية بقلوب اكثر من ثمانين بالمائة من الشعب الفرنسي، وباتت واحدة من القيم الجوهرية للمجتمع مما يغري الزعماء السياسين الى الاستحواذ عليها وتوظيفها لصالحهم حتى من قبل البعيدين عنها مثل مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف المنحدرة من سلالة اليمين الكهنوتي الذين حاربوا طويلا فصل السلطات والذي يضم بين صفوفه العديد من الاصوليين اليمينيين والذين لا يذكرون العلمانية بحديثهم الا بوصفها سيفا موجها ضد الاسلام مما يتعارض مع مبدأ العلمانية التي وجدت في الاساس لحماية السياسة من التسخير الديني لجعلها عامل استلاب ثقافي لخدمة مذهب ديني معين.

إن كان لا بد لفرنسا ان تتشاجر فليكن ذلك بخصوص الافكار وليس بتحريض هوية ضد أخرى.

-عرفت المادة 2 في العام 1902 العلمانية على انها فصل الكنيسة عن الدولة وامتناع الجمهورية الفرنسية عن تقديم الدعم والإنفاق على أي من العبادات. واستطاعت الجمهورية الفرنسية منذ ذاك ان تحمي نفسها من السلطة المطلقة للدين المسيحي ومن أي انقلاب عليها من قبل الكنيسة للرجوع بها الى حكمها الاستبدادي وسلطاتها الالهية . 

- تتحدث فوراست عن وجهتين للنظر يكون من الصعب في كثير من الاحيان التوفيق بينهما وهما الديمقراطية والجمهورية –لا علاقة لهما بالتعريف الامريكي التقليدي للمصطلحين – وهي تستند في تعريف هذين النموذجين الى الكاتب الفرنسي المعروف ريجيس دوبرييه . أن تكون ديمقراطيا في فرنسا يعني ان تنزع الى الحرية الفردية على حساب المجموع في حين يميل الجمهوري الى ما يجمعنا متجاوزا الاختلافات بيننا. 

في ظل حالة الانكسار التي يعيشها المجتمع الفرنسي حاليا تقول فوراست وهي اليسارية انها تقترب مما يجمعها مع الاخرين اكثر مما يفرقها عنهم أي تحاول ان تكون جمهورية وعلمانية في الوقت ذاته.

- تختلف الثقافة العلمانية في فرنسا عن مرادفاتها في الثقافة الامريكية والانكلوسكسونية التي تشجع على حماية الديانات وتشكُل الجماعات الطائفية والتمايز بينها حينما تمتثل لرغبات هذه الجماعات الدينية في عدم الخضوع لاحكام القوانين السارية على المجتمع ككل واحد أي عندما تشجع افراد مذهب بعينه الى عدم الامتثال واحترام بعض القوانين والمبادئ مثل المساواة بين الرجل والمرأة لتتلافى المساس بعاداتهم اوثقافتهم الدينية.أن هذه النسبية في التعامل تؤدي الى تمييع العام المشترك بدلا من تقويته وهو امر ممكن في فترات الاسترخاء الاجتماعي لكنه غير محمود العواقب في الفترات الصعبة كالتي يعيشها المجتمع الفرنسي حاليا في ظل تهديدات الافكار الاصولية .

- تختلف فوراست مع الكاتب اوليفية روا في دعوته لمنح المزيد من الحريات الدينية في الفضاء العام وشغله الى حد الاشباع بالتعددية الدينية. ترد فوراست على دعوته هذه بأن الفضاء العام لم يكن مشبعا كما هو اليوم بالمظاهر الدينية وترى ان فكرة دعم المعتقدات الدينية بالقرارات السياسية لم تنجح يوما في الحد من الاصولية الدينية. واننا نشهد اليوم عملية اعادة توزيع للسلطة السياسية طبقا اللانتماءات الدينية وتستشهد على ذلك بالأهمية التي يوليها ممثلو الاتحاد الاوربي لرجال الكنيسة على حساب انتماءات اخرى وبالنجاح الذي تشهده المدارس الدينية وصعود الاحزاب السياسة التي لا تخفي هويتها الدينية.

- في كتابها تتحدث فوراست عن الفرق بين العلمانية في فرنسا وبلجيكا ولها اراء كونتها من علاقاتها ببعض الاصدقاء البلجيكيين. وهي تتساءل معهم هل من المعقول ان يتم الفصل بين التلاميذ في المدارس الحكومية طبقا لديانة اوليائهم في حصة الدين ؟ أما كان من الاجدر ان يتشارك الجميع في حصة موحدة عن المواطنة والعلمانية ؟

إذ بإمكان هؤلاء التلاميذ الحصول على التنشئة الدينية في بيوتهم، ولا ضرورة لزيادة اعباء المدرسة في لعب هذا الدور والاستمرار في الانفاق على هذا التمييز المذهبي والطائفي بين التلاميذ . للمدارس الحكومية مهمات اولى وما تحتاجه في الاساس هو تزويدها بالإمكانات اللازمة لتقوية حس المواطنة قبل كل شيء.

-الحرب مع داعش هي حرب فرضت علينا ولم نخترها، نحن امام دولة تأتي لتجند ابناءنا لجيشها وتدفع بهم الى قتلنا ووسيلتها في ذلك هو التعصب الديني المسخر لخدمة افكارها ومشروعها الشمولي. 

انها تمارس تضليل العقول والاستعباد ونظام حكمها هو من اكثر النظم الشمولية انحطاطا. إن الارهاب وهو نهجها في الوصول الى غاياتها أصابنا بدرجة من الهلع دفعتنا الى الارتماء في أحضان اليمين المتطرف.الامر في الواقع يتطلب منا التفكير مليا للوصول الى الكيفية الصحيحة لزرع حب المواطنة والعلمانية في نفوس ابنائنا . انها معركة فكرية وثقافية وفلسفية هذه التي نخوضها وتتطلب منا بذل الكثير من الطاقات

، لا وقت لدينا لنضيعه بالقول، ومنذ عشرين عاما بان الحل هو في اشاعة المزيد من مظاهر الحريات الدينية بين الناس.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
محمد علي مزهر شعبان ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عماد جاسم ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د.يوسف السعيدي ... تفاصيل أكثر
حيدر محمد الوائلي ... تفاصيل أكثر
تصفح العدد من هنا ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عماد جاسم ... تفاصيل أكثر
حسين الذكر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
صادق الهاشمي ... تفاصيل أكثر