عبقرية العلمانية .. كارولين فوراست

عدد القراءات : 75
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عبقرية العلمانية .. كارولين فوراست

مي عبد الكريم محمود

 

في مساء الاعلان عن فوز فرانسوا فييون في الانتخابات التمهيدية لمرشح اليمين، ظهرت الناطقة بلسانه فاليري بوييار على شاشة القناة الثانية لتعلق على الفوز. فأثار ظهورها ضجة اعلامية كبيرة ليس حول مضمون ما صرحت به بل لأنها كانت تتقلد صليبا أي (رمزا دينيا ظاهرا) مخالفة بذلك قانون منع ارتداء الرموز الدينية في الاماكن العامة وهي ذاتها التي وصفت الحجاب يوما "بأنه رمز لإعلان الولاء للعدو". 

وبات السؤال هل يشكل فوز فييون الذي اشار في اكثر من مناسبة الى انتمائه للمسيحية ، صعودا للديانة الكاثوليكية ؟ وهل كان الصليب ايذانا لعودة الديانة المسيحية الى المشهد السياسي والإعلامي في فرنسا ؟ 

المتابع للصحافة والاعلام في فرنسا لابد وان يلاحظ ترافق صدور مؤلف او اكثر مع غالبية الاحداث الكبيرة .

كارولين فوراست هي استاذة العلوم السياسية في جامعة باريس ومؤلفة لعدد من الكتب المقالية، ظهر لها في اكتوبر من هذا العام كتاب بعنوان " عبقرية العلمانية " ذيلته بعبارة " العلمانية درع وليست سيفا، بإشارة الى الكتاب الشهير لشاتوبريان " عبقرية المسيحية" الذي يدافع به عن المسيحية والصادر عام 1802 .

كتاب فوراست هو حصيلة عام من البحث في أعمال الشخصيات الكبيرة المؤسسة للفكر العلماني في فرنسا وهم ارستيد بريان و جورج كليمنصو وجون جوراس وليون غامبيتا. 

هنا بعض ما ورد في هذا الكتاب من افكار ومن احاديث لها للصحافة حول المناخ السياسي الحالي في فرنسا:

- فرنسا صاحبة التقاليد العلمانية العريقة تمتاز بيمين لا يشبه احزاب اليمين الاوربية الاخرى كاليمين الاسباني ولا اليمين المتدين في امريكا ولم يتخلف هذا الحزب عن نهجه إلا فجأة في السنوات الاخيرة فأصبحت العلمانية لا تذكر إلا في وارد المواجهة مع الاسلام ، مع خطاب بات يتعاظم عن هويتها المسيحانية. ترد فوراست ذلك الى ظاهرة التشدد والاعتداءات الارهابية في فرنسا والتي قادت الى الدخول في اختبارات ومفاوضات متواصلة حول الحداثة والعلمانية مع المتعصبين الذين اختاروا في النهاية الانكفاء على الدين بما يشبه ردة فعل إزاء المتشددين الإسلاميين، معلنين انهم أمة مسيحية عوض التأكيد على الانتماء الى دولة علمانية تجمع الكل ولا تفرق. كما ان هذا الخطاب بات له صدى حتى على المستوى العالمي ولدى عدد من القوى العظمى كروسيا التي صارت هي الاخرى تروج لفكرة هذا الخطاب عن مسيحانيتها ولا حاجة بنا الى ذكر موقف الاسلاميين بطبيعة الحال الذين هم في الاساس من معتنقي فكرة الرجوع الى الاصول . 

- لا مكان للدين في برنامج الزعماء السياسيين،تقول فوراست. عندما يبدأ الزعماء السياسيون الحديث عن الدين والإيمان فهذا دليل على ان ليس لديهم ما يقولونه بخصوص الاصلاح الاجتماعي والنهوض بالاقتصاد. الحديث بافواههم عن الهوية الدينية هو بمثابة اشارات محرضة على التفرقة والتمايز بين الافراد وهو بالتالي نوع من المقايضة : اجيز لك ممارساتك الدينية مقابل ان تمنحني صوتك الانتخابي. بمن يؤمن هذا وذاك هي ليست من وظيفة الرئيس أو الوزير او النائب. عندما يقوم أحد المرشحين أو احد النواب بالكلام عن معتقد او دين بعينه يتولد لدى الجمهور شعور بأن لهذا المعتقد شرعية اكبر ويغدو هو الاجدر بالاعتناق من غيره والأحق في كسب الانتماء لهذا البلد. في حين اننا نعيش فترة حرجة ونحتاج الى ما يوحد بين الافراد لا الى ما يعمق الهوة بينهم والى تهدئة الغضب الذي احدثته الهجمات.

- العلمانية تدعو الى التجمع حول قيم تحمي اكثر مما تفرق أي انها لا تقدم دينا على حساب دين آخر ولهذا عندما يحتفي الزعيم بفوزه بإظهار الصليب فهو في الواقع لا يقدم مثالا جيدا ويلعب بالنار لانه يناهض فكرة المساواة بين الجميع بإظهاره رمزا دينيا معينا. يقدم النائب نفسه ممثلا عن الجميع دون طائفة معينة في حملته الانتخابية وعليه ان يحترم هذا الحياد الذي التزم به في البداية.

- طبقا للإحصاءات تستأثر العلمانية بقلوب اكثر من ثمانين بالمائة من الشعب الفرنسي، وباتت واحدة من القيم الجوهرية للمجتمع مما يغري الزعماء السياسين الى الاستحواذ عليها وتوظيفها لصالحهم حتى من قبل البعيدين عنها مثل مارين لوبان زعيمة اليمين المتطرف المنحدرة من سلالة اليمين الكهنوتي الذين حاربوا طويلا فصل السلطات والذي يضم بين صفوفه العديد من الاصوليين اليمينيين والذين لا يذكرون العلمانية بحديثهم الا بوصفها سيفا موجها ضد الاسلام مما يتعارض مع مبدأ العلمانية التي وجدت في الاساس لحماية السياسة من التسخير الديني لجعلها عامل استلاب ثقافي لخدمة مذهب ديني معين.

إن كان لا بد لفرنسا ان تتشاجر فليكن ذلك بخصوص الافكار وليس بتحريض هوية ضد أخرى.

-عرفت المادة 2 في العام 1902 العلمانية على انها فصل الكنيسة عن الدولة وامتناع الجمهورية الفرنسية عن تقديم الدعم والإنفاق على أي من العبادات. واستطاعت الجمهورية الفرنسية منذ ذاك ان تحمي نفسها من السلطة المطلقة للدين المسيحي ومن أي انقلاب عليها من قبل الكنيسة للرجوع بها الى حكمها الاستبدادي وسلطاتها الالهية . 

- تتحدث فوراست عن وجهتين للنظر يكون من الصعب في كثير من الاحيان التوفيق بينهما وهما الديمقراطية والجمهورية –لا علاقة لهما بالتعريف الامريكي التقليدي للمصطلحين – وهي تستند في تعريف هذين النموذجين الى الكاتب الفرنسي المعروف ريجيس دوبرييه . أن تكون ديمقراطيا في فرنسا يعني ان تنزع الى الحرية الفردية على حساب المجموع في حين يميل الجمهوري الى ما يجمعنا متجاوزا الاختلافات بيننا. 

في ظل حالة الانكسار التي يعيشها المجتمع الفرنسي حاليا تقول فوراست وهي اليسارية انها تقترب مما يجمعها مع الاخرين اكثر مما يفرقها عنهم أي تحاول ان تكون جمهورية وعلمانية في الوقت ذاته.

- تختلف الثقافة العلمانية في فرنسا عن مرادفاتها في الثقافة الامريكية والانكلوسكسونية التي تشجع على حماية الديانات وتشكُل الجماعات الطائفية والتمايز بينها حينما تمتثل لرغبات هذه الجماعات الدينية في عدم الخضوع لاحكام القوانين السارية على المجتمع ككل واحد أي عندما تشجع افراد مذهب بعينه الى عدم الامتثال واحترام بعض القوانين والمبادئ مثل المساواة بين الرجل والمرأة لتتلافى المساس بعاداتهم اوثقافتهم الدينية.أن هذه النسبية في التعامل تؤدي الى تمييع العام المشترك بدلا من تقويته وهو امر ممكن في فترات الاسترخاء الاجتماعي لكنه غير محمود العواقب في الفترات الصعبة كالتي يعيشها المجتمع الفرنسي حاليا في ظل تهديدات الافكار الاصولية .

- تختلف فوراست مع الكاتب اوليفية روا في دعوته لمنح المزيد من الحريات الدينية في الفضاء العام وشغله الى حد الاشباع بالتعددية الدينية. ترد فوراست على دعوته هذه بأن الفضاء العام لم يكن مشبعا كما هو اليوم بالمظاهر الدينية وترى ان فكرة دعم المعتقدات الدينية بالقرارات السياسية لم تنجح يوما في الحد من الاصولية الدينية. واننا نشهد اليوم عملية اعادة توزيع للسلطة السياسية طبقا اللانتماءات الدينية وتستشهد على ذلك بالأهمية التي يوليها ممثلو الاتحاد الاوربي لرجال الكنيسة على حساب انتماءات اخرى وبالنجاح الذي تشهده المدارس الدينية وصعود الاحزاب السياسة التي لا تخفي هويتها الدينية.

- في كتابها تتحدث فوراست عن الفرق بين العلمانية في فرنسا وبلجيكا ولها اراء كونتها من علاقاتها ببعض الاصدقاء البلجيكيين. وهي تتساءل معهم هل من المعقول ان يتم الفصل بين التلاميذ في المدارس الحكومية طبقا لديانة اوليائهم في حصة الدين ؟ أما كان من الاجدر ان يتشارك الجميع في حصة موحدة عن المواطنة والعلمانية ؟

إذ بإمكان هؤلاء التلاميذ الحصول على التنشئة الدينية في بيوتهم، ولا ضرورة لزيادة اعباء المدرسة في لعب هذا الدور والاستمرار في الانفاق على هذا التمييز المذهبي والطائفي بين التلاميذ . للمدارس الحكومية مهمات اولى وما تحتاجه في الاساس هو تزويدها بالإمكانات اللازمة لتقوية حس المواطنة قبل كل شيء.

-الحرب مع داعش هي حرب فرضت علينا ولم نخترها، نحن امام دولة تأتي لتجند ابناءنا لجيشها وتدفع بهم الى قتلنا ووسيلتها في ذلك هو التعصب الديني المسخر لخدمة افكارها ومشروعها الشمولي. 

انها تمارس تضليل العقول والاستعباد ونظام حكمها هو من اكثر النظم الشمولية انحطاطا. إن الارهاب وهو نهجها في الوصول الى غاياتها أصابنا بدرجة من الهلع دفعتنا الى الارتماء في أحضان اليمين المتطرف.الامر في الواقع يتطلب منا التفكير مليا للوصول الى الكيفية الصحيحة لزرع حب المواطنة والعلمانية في نفوس ابنائنا . انها معركة فكرية وثقافية وفلسفية هذه التي نخوضها وتتطلب منا بذل الكثير من الطاقات

، لا وقت لدينا لنضيعه بالقول، ومنذ عشرين عاما بان الحل هو في اشاعة المزيد من مظاهر الحريات الدينية بين الناس.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي     يتساءل كثير من المتابعين للوضع العراقي في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق عام 2003 عن الفوائد التي حصل عليها الشعب العراقي من هذا ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس   قد أبدو غير منسجم مع الواقع حينما أبدي فرحي بعدم وصول وفد الفيفا التفتيشي لملاعبنا الكروية في البصرة وأربيل وكربلاء في الموعد الذي كان ... تفاصيل أكثر
حسين البياتي   بعد ان أعلن الاتحاد العراقي لكرة القدم عن بدء ونهاية الموسم الكروي الجديد في موعد مختلف عن المواسم السابقة، والذي عده محللون وخبراء في ... تفاصيل أكثر
علي علي     قالوا قديما: ثلاث لايمكن استعادتها؛ رصاصة أطلقتها، وكلمة قلتها، وأياما عشتها. وعن الأخيرة حصرا قالوا الكثير الكثير، مما لاتحتويه كتب ولاتضمه أسفار، وحذروا من ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي   يسعى رئيس الحكومة العراقية الدكتور حيدر العبادي الى تقديم مرشحيه المحتملين لوزارات الدولة الشاغرة الى البرلمان خلال فترة وجيزة بحسب المعلومات المتاحة حتى ... تفاصيل أكثر
قحطان السعيدي   بغض النظر عن ما آل اليه العبث الحكومي خلال العقد الاخير بصرف الأموال الطائلة على قطاع الكهرباء هدرا وفسادا بحلول ترقيعية لانتاج الطاقة الكهربائية ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي     منذ مدة طويلة لم أخرج من الصحيفة في ساعات الذروة، واقصد ساعات بداية او نهاية الدوام الرسمي للدوائر الحكومية، لكنني بالامس وفي الساعة الثالثة ... تفاصيل أكثر
علي علي     مازالت الأمواج في ساحة عراقنا الجديد تتلاطم في لج بحور عديدة، وكأن ظلم العقود الماضية وظلماتها لم تكفِ السلاطين الذين تناوبوا على استحواذ هذه ... تفاصيل أكثر
قيس النجم   نار لم تحرق إبراهيم، وبحر لم يغرق موسى، وحوت لم يأكل يونس، وسكين لم تذبح إسماعيل، كل هذا وغيره من الآف الصور العظيمة، حدثت ... تفاصيل أكثر
الحقوقي/ نعمان منذر محمد   مصطلح نجده غريباً في معناه ولكن يقلق مراكز القوى والاجهزة الامنية ومكافحة الاٍرهاب في امريكا واوربا والعالم كله ما معناه وما غايته ... تفاصيل أكثر
علي علي     في عهد حكمه كأكبر رأس للنظام، كان صدام حسين ينتقي الشخص الذي لايفقه شيئا غير التلفظ بعبارة (نعم سيدي) ولديه من الثقافة والعلوم أدنى ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي    مثلها مثل كل الممارسات ، تعدّ السياسة صناعة بحد ذاتها ، ومن يمارسها يُنتظر منه منتج صالح للتداول في المجتمعات التي يعملون ضمن أطرها ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي    من المثير للانتباه  في تعاملاتنا اليومية ،أن كثيرا من الناس منشغلون بما كان و يهملون ما سيكون، ويصفون ما حدث ولا ينشغلون  بتوقعات ما ... تفاصيل أكثر
وداد فرحان   نعيش عصر الزحام بكلّ معانيه، زحام في الوصول، في فهم الآخر. زحام في اختيار المفردات، في اختيار مصطلحات التعبير . زحام في فهم الذين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي   داعش، هذه العصابة المسلحة المجنونة بالقتل والعاشقة لكل ما له علاقة بالجرائم الكبرى ، صارت قبل أكثر من سنتين وبفضل بعض الخونة من العسكر ... تفاصيل أكثر
علي علي    كما هو معلوم، أن التأريخ يسجل الأحداث ويقيدها بحروف عريضة وبارزة، ولا أظنه يوما قد مسح حرفا أو حرّفه، إذ هو صادق رغم المتلاعبين ... تفاصيل أكثر
    منعم جابر     كرة القدم هي اللعبة الشعبية الاولى في العراق وفي اغلب بلدان الدنيا والتي لاتغيب عن ملاعبها الشمس . نعم انها اللعبة التي ... تفاصيل أكثر
علي السراي   الله أكبر، ولتكن هذه الدماء شرارة انطلاق الحشد الشعبي البحراني المقدس... الله أكبر وحي على ثورة السلاح وبذل الدماء... الله أكبر وحي على زلزلة ... تفاصيل أكثر
عقيل الشيخ حبيب   في خطوة تسويقية واعلامية لاتعدو سوى مجاملة على غرار التسوية الوطنية فبين (مشروع التصفية الوطنية ومؤتمر حمار بغداد) ضاعت الاهداف الواقعية والعملية في ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي     إذا أردنا أن نستكشف الواقع الثقافي  العراقي عن قرب ينبغي علينا إلقاء نظرة واسعة على المفاصل الأساسية التي يتكون منها المشهد الثقافي في العراق ... تفاصيل أكثر