الوضوح لدى ريسان الخزعلي..إشكالية التحررمن الغشاوة

عدد القراءات : 16327
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الوضوح لدى ريسان الخزعلي..إشكالية التحررمن الغشاوة

يرتبط الوضوح في ديوان ريسان الخزعلي " اقرب الى الوضوح " بإشكالية التحقق الأقصى ، لذلك يتحرك الجهد اللفظي في المتون الشعرية في اتجاهين صارخين في وضوحهما ، اولهما تشييد خارطة الدفع باتجاه الحقيقة وثانيهما توفير القاعدة المادية الفنية لتحقيق ذلك .لا يستطيع الشاعر بطبيعة الحال أن يستخدم اساليب الفيلسوف ولا العالم للوصول الى الحقيقة بل ينغلق على وسائله الفنية العصية على التعريف أو الثبات وعالية البث الجمالي في نفس الوقت .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عبد العزيز لازم

 

يرى المفكر والناقد الايطالي امبرتو إيكو أن القيمة الحقيقية للشعر تكمن في قدرة النص الشعري على انتاج تأويلات لا تنتهي . ويمكننا ان نعيش بعض أجواء هذه الخاصية في النصوص الشعرية لهذا الديوان . لكن الشاعر يرسم إطارا فنيا عاما مستفيدا من الطاقات الداخلية للغة . فلدينا الصفة " قريب " تتفرع الى ثلاث درجات هي صيغة الصفة البسيطة " قريب" وصفة المقارنة " اقرب" ثم صيغة التفضيل العليا  "الأقرب" . إن ثيمة الوضوح بالنسبة للخزعلي تتخذ اتجاهين يرتبطان بجذر المعرفة والاستيعاب اولهما وضوح ذاتي ، اي ان الشاعر يمتلك اليقين الكافي بأن مايغنّي لأجله هو كائن مستقر في قاع نفسه وقد عاش معه منذ طفولته وثانيهما يتخذ شكل الرش الماسح تجاه الآخر ، اي ان الشاعر يسعى  لإزالة  الضباب المحيط بالآخر وصولا الى معرفة حقيقته والتعامل معها شعريا  وقد يكون الاخر رمزا من رموز المجتمع أو ظاهرة صنعتها الظروف .

إن الشاعر لايملك الا العودة الى اغوار نفسه ، لكن الخزعلي العائد الى سيرته الذاتية يبتعد عنها إبتعادا افتراضيا كي يجعلها تتماهى مع ذات عليا ، ذات لا تمتلك نفسها الا بالإرتباط بقضية كبرى فتتماهى هي الاخرى مع تلك القضية.ويمكن الحديث هنا عن كيف استطاعت النصوص الشعرية  تحويل الأنا الخاصة الى ذات كبرى ، وهذا ضروري للشاعر كي يمارس التحليق الأقصى . ورغم انه قد اجبرنا على ان نتحدث عن درجات الوضوح عبر وسائل اللغة الا انه في القصائد الثلاث الاولى التي اتخذت فصل " الوضوح " لم يكترث لتلك الدرجات ، بل قفز الى ذروة المرمى في تفجرغنائي مرذاذ واضعا ادواته المستمدة من الجغرافية والتاريخ . في قصيدة  "الصحوة الأولى" تظهر "المدرسة " التي كان هو دليل نفسه اليها باعتبارها مهدا مشعاعا للصحوة الأولى. وسنرى أن تلك الصحوة  ضمت في كيانها اولى خطوات الوضوح . في قصيدة "المسافة" تتفاعل مفردات شعرية لصنع حكاية الوصول الى الذات العليا المخاطبة  التي ستتوضح هويتها من خلال الرموز المتاحة في المتن الشعري وهي " المسافة ، الطريق ، القميص الأحمر والفراشة " . الخطاب هنا يتحدث عن رحلتين ارتجلهما الشاعر للوصول الى تلك الذات الثورية وهي هنا متجسدة بالحزب الشيوعي العراقي وما يمثله من قيم انسانية على وفق ما تدلنا تلك الرموز ، الرحلة الاولى :

.. في الطريق اليك .

تكون المسافة أقصر ..، 

والنهر مستترا بين الشفاه . 

خفقة وأخرى ..،

وتسترد العافية .

...،

في الطريق  اليك ..

لم التق بغيرك ..،

كان القميص بالأحمر المجنون يفضحني ..،  

لنلاحظ هنا ان ثمة نوعا من العسر قبل الوصول الى المخاطب ، فكان هناك نهر خلاب يفصل الشاعر عنه وكان لابد من ظهور عوامل اخرى لحسم قضية الوضوح .إن ظهور فراشتين لرسم الوضوح فوق وجه الشاعر تجسد المعانات اللفظية الإيقاعية في جسد القصيدة كي " تسترد العافية ". أما الرحلة الثانية فلا توجد فيها مسافات ولا نهر يفصل الساعي ويعيقه عن الوصول الى الرمز ، وهي ما ترسم عودة ثانية بعد فراق فرضته الظروف الغاشمة . لذلك يمكننا الاعتقاد بان هذه الرحلة هي رحلة افتراضية ، فالشاعر لم يغادر الرمز الحبيب حقا بل استتر في ظله الذي لم يفارقه ثم حين انتهى العائق الغاشم وجد الشاعر نفسه داخل جدار الرمز :

في الطريق اليك ثانية ..،

 غنيت من تعبي ..،

مثلما ..

 غنت النساء ..،

عن حُسن جدي :

/ حسين الخزعلي حط بيّه دوخة /

يريد الشاعر ان يقنعنا قبل الخوض في رحلة درجات الوضوح اللاحقة بأن كل تاريخه الشخصي بل كل حياته تناسجت مع الذات العليا المخاطبة عبر احلال جده الغالي محل الرمز الحبيب . اي ان الوضوح الكامل اصبح في حكم المتحقق خاصة وانه حصل بعد التعب وحضور الغناء ومن ثم " الدوخة" اي الهيام بالحبيب . في قصيدة " لثغ " يجري الشاعر نوعا من المراجعة الذاتية كي يتأكد التحقق من كينونة الوضوح ، يتغير المخاطَب ويحل محله ذات الشاعر الذي يحاور نفسه عبر اسئلة تبدأ جميعا باداة استفهام"هل ؟" لكنه يتوصل الى حقيقة : ..إن الجذور لائذة في الطين ..،/ وتحتفي بالنهار ..! " تعلّم العراقيون  منذ القدم ان أصل الاشياء ينبع من مهدها وهي الجذور والطين فالجذر يستمد اسباب ديمومته من الغذاء الذي يوفره الطين ، ويفتخر هؤلاء الناس بغزارة الطين والجذور في ارضهم وهي من اهم اسباب ازدهار الحضارات في وادي الرافدين. 

تبدا رحلة  الإقتراب من الوضوح من " تحت نخلة الجواهري"  حيث :

دوار العصور ، خطوات النمل ، غناء الذاهبين 

الى الشحوب ، قرارا التردد بين الفرار والمقصلة .

وأن ..

الوديعة ..

أكبر ..

 من أن تحتمل ..!

الشاعر في شبابه يستظل في رحاب شاعر رمز ليمارس عمق التأمل والتفكير المستنير في وديعه صعبة ، بل ربما يتسلم إحدى راياته ليواصل مسيرة ثابته تشبة مسيرة دجلة التي حياها الجواهري عن بعد ، لكن عيون الجواهري  باتت تحدق فيها عن قرب . هنا يتماهى الشاعر مع شخصية الجواهري فكأن ريسان الخزعلي نفسه هو الذي يقترب من دجلة ويقوم بالتحديق فيها . بل ان التماهي يتخطى الجواهري الى دجلة نفسها . ولكي نكون اكثر قربا من حقيقة القصيدة تتبلور امامنا اربعة اقطاب يتحقق معها التماهي هي نخلة الجواهري ودجلة والجواهري وشخص الشاعر نفسه .اي ان الشاعر يندمج مع عناصر الوطن فيصبح هو الجزء القاصد الى الذوبان في  التنور الذي يصهر هوية الوطن  لذلك تكون "الوديعة ../ اكبر ../ من أن تحتمل ..!" صار ظهر الشاعر ينوء بثقلها وعليه مواصلة السير الى محطات أخرى . إن هذه المهمة الباهضة تتطلب مواصلة استدعاء الغذاء من مصادر شتى ذات علاقة بالرمز الحبيب كي يتعاظم العود ويشتد صلابة ، واحدى تلك المصادر العودة الى الذكريات ، وهذا ما توفره قصيدة " البيت القديم " . إن هذا البيت يحمل دلالات اليغورية  تفسرالرمز الذي يمثله الحزب الشيوعي ، فهو كيان قد يعني مقر الحزب في مدينة الشاعر " ميسان " . جعلت القصيدة من البيت كينونة تنتمي الى الملاحم وصيرته جدارا وسقفا هائلين عميقي الظلال :

" لا زقاق يضمه ..،

/ بل كانت الساحات قبالة بابه..،/

تفتح ضيق حجراته صوب المجرة ."

 وكان رغم غياب ساكنيه  الذين اضطروا للهجرة بعيدا عنه بسبب قمع قوى تخشى ازدهاره وإشعاعه ، ماكثا باصرار ينتظر عودتهم . ويعود الشاعر الى " دوخة" التماهي مع البيت الرمز فيوثق ربطةعنقه الحمراء برزة الباب . وإذا علمنا ان رزة الباب هي الحديدة التي يوضع فيها القفل كما تخبرنا المعاجم العربية علمنا ان الشاعر ربط عنقه بقفل الباب في نوع من المواساة المصاحبه للغضب وتعني ايضا انه ينوي البقاء لحراسته ، وقد انتجت تلك الحركة الوجدانية حركة وجدانية اخرى تمثلت برؤية صفحة من حياته في صباه ممثلة "بدشداشته" الشعبية التي تخبرنا ان مرافقته لأهل البيت وارتباطه بهم كانت بدأت منذ صباه . تتوالى الصور في حركات توالدية لا حصر لها حتى تصل الى "سميرة " ، مشعلة الحرائق ، وهي مناضلة قديمة من أهل المدينة عرفت بصلابتها في مواجهة الجلادين وكانت اول من وقفت في وجه التقاليد المعيقة لتطور المرأة في المدينة ومارست التصوير الشمسي كمهنة دائمة لها في محل باسم "سميرة مزعل ".انها صفحة من عهد قديم عاشه الشاعر .

اما العهد الجديد فيحتضن بعض شمائله "بستان في سلمان باك" حيث الغناء والخضرة والاوراق الحمراء وصورة البطل ، مؤسس الحزب الشهيد " فهد" يغلفها علم الوطن ، سنرى في المشهد التالي كيف يعود الشاعرالى تمثيل الرمز الأليغوري لخدمة الرمز الأعلى ومن ثم يندمج في ثناياه : 

لم نأكل ..،

واكملنا النشيد مع السواقي .

أكملنا الحقيقة كالبستان /

يمنح ظله للنمل والطير والإنسان .

هنا يتحول البستان الى حقيقة الحزب الذي يمنح كل شيء لكائنات الحياة والشاعر يلتحق بالركب بعبارة " اكملنا الحقيقة كالبستان " التي تاتي بعد إكمال النشيد مع السواقي . يتعين ان نلاحظ ان الشاعر قد ابدع في تسخير كينونات الطبيعة لخدمة الدلالا ت الأعلى في خطابه الشعري . وتعود عناصر الحقيقة الثلاثة لرسم كينونتها الصارمة وهي البستان و الحزب والشاعر الذي يتناسج معهما . في هذه القصائد التي ضمها فصل "قريبا من الوضوح" يستنفذ الشاعر مكوثه بالقرب من الوضوح ليشد الرحال طمعا بوضوح أكبر. 

في فصل " اقرب الى الوضوح " الذي يضم احدى عشرة قصيدة يمارس الخوض في بحر اوسع وعامر بالالوان فينفتح على الحياة ليغترف من امواجها مزيدا من المرايا ليرى نفسه باكبر قدر من الوضوح بل ليتحقق من كشوفاته التي حققها في سيرته الذاتية فيتجه صوب قرينه الشاعر " مظفر النواب " في سرير مرضه . يتحول السرير الى فكرة وحلم يتحرك بقوة المعنى الذي يحمله صاحبه ، فبعد ان يستشهد ببعض ابيات مظفر نفسه وينثر توابلها في قصيدته وينشر بعض سيرته يتوصل الى: 

إن سريرك غيمة ..

والريح ..

تعجز أن تحمل هذه الغيمة ..!  يقدم هذا المشهد تكثيفا لما تحمله الفواصل والنقاط والفراغات المنتشرة في القصيدة حاملة وعودا هائلة حول خزين اخر  تعجز الكلمات عن النطق به . ولأجل توسيع دائرة الغناء ينزاح الشاعر نحو المعاني الانثروبولوجية التي تحملها موروثات الناس فقصيدة "الشاي" تحكي عن قصة الشاي الذي يتغلغل بين الناس الذين يحتسونه . إنها تفضح هيامهم به فهو أحمر وحلو و" دوش " وهو يقوي اضلع الصبيان عند الذهاب الى المدرسة ويجمع الجنوبيات حول الموقد الشعبي واخيرا هو " يفك الراس " بمعنى يصفّي الذهن وينشّط خلاياه ويخلصه من الصداع فيذهب الفلاح الى العمل منتشيا بما يتناوله من شاي . سنعتبر هذا الفصل ذي قاع متموج عالي البث لأنه يبحث عن هويته مباشرة من الحياة ورموزها بتفصيل اوسع من غيره من الفصول . الشاعر يحتاج هذا البحث لانه سيخوض في وضوحات لاحقة تحتاج الى شهيق متصاعد وسيمسك لوعته في لسانه ليطلق خطابا تراجيديا وكأنه يصفق بيديه حسرة وشقاء قد تعبر عنها المفردة الصوتية العراقية " أخ ..! "وربما هي اسم فعل بمعنى " أسفي على"على قدر ما توحي به الرموز التي يتحدث عنها . لكنه في هذا الفصل يستريح بالغناء عالي الشجن فيلوذ بـ"السياب .. يعيد كتابة انشودة المطر " يبثه شكواه من تبدل الظروف وتبدل ماهية الاحزان والتي لن يسمعها غير السياب الغائب ومريديه الحاضرين :

تبدل الحزنُ..،

 وما عاد يبعثه المطر .

وفي " بويب" لا تسمع الأجراس ..،

 في قرارة البحر .

في قصيدته المهداة الى الراحل محمد درويش علي " الأمير الفقير" يستأنف الشاعر رحلة مضنية للكشف عن وضوح جديد مرتبط بالتماهي بروح الشاعر الفقير : "الشعراء الفقراء ..،/ ينصفون اوجاعهم بالغناء ..، ولا ينصفون الجيوب ." وقد ارتبط ذلك بشكل تلقائي بذلك النوع من الانتماء المصيري للشاعر الفقير : "وفي المستقر الاخير ./ اشرت ../الى ../ برجِ..،/ من الضوء ./ أشرت الى/ ساحة الاندلس / ../ وها أنت تدلني ..، / بان قلبي ساكن في جسدك ." الفقر يرتبط بالشاعر من جهة وبالانتماء الى ساحة الاندلس التي يستقر فيها مقر الحزب الشيوعي استقرارا ماديا ومعنويا صارت الساحة بفضله جزءا من جغرافية سياسية ونضالية في أذهان المريدين وجماهير المنطقة . وينتصف ريسان الخزعلي للشاعر الفقير فيمنحه سلطة " الأمير" وتكتسب هذه السلطة شرعيتها من الشعر نفسه وهي شرعية اكثر رسوخا من شرعية الغنى  المالي وجبروت السلطة المادية . إنه  وضوح جديد . 

 في قصيدة " ستارة بيضاء" المهداة الى عدنان منشد الشاعر والكاتب اليساري يخاطبه بلغة شعرية تجمع بين الرمز والوضوح اللفظي ، فيحضر النخيل والنهر رمزان، لمعالجة اشكالية البعد عن  اليقين الجميل حيث كان المخاطَب يردد بهلع " بَعُدنا عن النخل" لكن الشاعر يردد في قصيدته :" قريبون من النهر ..،/ والنخل ما عاد بعيدا ..، / ها هو يجمع خضرته في جمرة الكأس ..، " يحاول الشاعر بث القوة والجلد الكافي في وجدان المخاطَب عبر اثبات الخطأ الذي عليه صاحبه وعبر اكتشاف إنه منكشف للوضوح " انت وحدك منكشف للوضوح " وهذه الجملة الشعرية المتقنة تتضمن إنصاف الشاعر وتقديره لصديقة المخاطَب عبر النأي به بعيدا عن آفة النفاق والانتهازية بل ان الصراحة والصفحة البيضاء " "ماذا تخفي ستارتك البيضاء..؟" تتيح قراءة واضحة للمخاطب جراء نظافة سريرته . 

ينتقل الشاعر من الجذور الى الاغصان الجديدة التي ستتحول الى جذور جديدة في رحلة توالدية لا تنتهي . إنه الصبي بيدر في قصيدة " المغني الصغير" . يحاول ريسان ان يتجه الى المستقبل الذي يمثله المغني الصغير لكنه يخاطب بيدر عن الظروف التي دفعته الى  "صبابة لم تجربها ..؟" ومن اشار عليه بالوقوف .."  المعروف ان الطفل بيدر هو ابن الإعلامي والناشط الشيوعي غالي العطواني الذي حرص على تعليمه الغناء واستخدام قدراته الفنية لإحياء المناسبات الوطنية . يتخذ الشاعر دور الواعظ بالنسبة للمغني الصغير مجتهدا ان يقدم خلاصة تجربته والدروس التي تعلمها من حياته الشاقة الطويلة " عمر الشاعر 60 سنة " يخاطبه : " انت موصول بحبل السرة الأولى ..، / لكنك صغيرٌ على سرقات بيت الأميرة . / ولك الآن : / أن تحرس رحلة الصف ..، / أن تكثر المرور قرب سارية العلم ..، / أن تحفظ النشيد . / فما بعد الطفولة اقسى ..، ( مساحة بيضاء ) / وقد لا تجد ../ للصحو اغنيةً حين يخذلك السلاح أو المنام ." لنلاحظ ان الشاعر حريص على ان يسحب تجربته الحياتية الشاقة ويهديها الى بيدر الذي يمثل كل اطفال العراق . فالشاعر نفسه كان " حرس رحلة الصف " اي المدرسة وتفوق فيها وكان دائب "المرور قرب سارية العلم " اي الوطن والحزب وكأنه يتذكر طفولته هو في شخص الصبي بيدر ، فهو يكثر من الغناء كبيدر . 

قصيدة " للساعات غواية أخرى " المهداة الى صديق الشاعر الشاعر والاعلامي عدنان الفضلي . الساعة وحدة زمنية متغيرة وهي تؤشر تاريخ وذكريات للشاعر مع صديقة المنحدر من سومر والناصرية ليلتقي بنهر الهدام.في هذه القصيدة نرى ريسان الخزعلي يلوذ بظل بردية  كما رأينا سابقا سعدي يوسف يلود بظل سعفة . ويبدو ان كل من البردية والسعفة توفر ظلا ظليلا للشاعرين رغم صغر حجمهما وهذه الحقيقة مستمدة من الدلالات الأعلى التي يمثلانها باعتبارهما رمزين للخير المادي  والروحي .

مع الانتقال الى فصل " الاقرب الى الوضوح " يتم الانتقال في نوع الشكل الفني ايضا ، فهذا العنوان يتضمن اربعة متون شعرية تنتمي الى جنس قصيدة الومضة ، تطرح الأولى تاكيدا لحقيقة رجل تحول الى اسطورة في اذهان الناس لدرجة انهم زعموا بانهم يرونه في القمر وبغض النظر عن تاريخ هذا الرجل واستحقاقاته الاجتماعية والسياسية ، دخلت الحادثة الى رحاب الموروث الشعبي . ذهب اليها الشاعر ليعرض صفحة من الوضوح الصارم خلقه شخص استثنائي لكنه موجود في الواقع ثم انتقلت مبثوثاته  لتستقر في ساحة الملاحم لأنها استقرت قبل ذلك في وجدان الناس . قصيدة "عري مؤجل " تفيض بالرمز ويمكن ترجمة العنوان بعنوان تفسيري هو"وضوح مؤجل "، لجأت القصيدة الى تسخير ذات الادوات التي استخدمت في القصائد السابقة في الديوان لرسم خلاصة الرؤية العامة  ، فالاشجار " البشر " تتوقى الى الوضوح لكن فروعها  " الاغصان " الابناء " لا تستطيع ان تطلق رقصها بسبب ضمور طاقتها على الرقص " لا تأتي بها كفٌ صغيرة ."  وخلاصة الحال " كانت الريح تهز الجذور والساعة ..، / لا تقوى على قشٍ تطيره ...! اي ان قوة تيار التغيير كانت في الماضي تهز الظروف في زمانها وتغير وجه الحياة أما الآن فلا تستطيع القوى الحاضرة ان تغير شيئا حتى ولو كان بوزن قشة . إنه وضوح بالفكرة السياسية والتاريخية . 

عندما تضع رحلة الوضوح ذات المراحل الثلاث اوزارها يمارس الشاعر شهيقا جديدا ذي صبغة نوعية استثنائية لأنها تتعلق بمحنة المثقف العراقي وتحولاته وقلقه . الفصل المعنون " وضوح الأخضر وتحولاته .." يحتوي على قصيدتين مكرستين لإرتجال حوار مدوٍ مع قطب من اقطاب الشعر العربي ، هو "سعدي يوسف". لقد سبق سعدي يوسف في تحولاته ابن بلدته " ابو الخصيب " الشاعر العراقي رائد الشعر الحر بدر شاكر السياب الذي اتخذ موقفا متحاملا على الحزب الشيوعي الذي كان منتظما في صفوفه وقد قيل انه ندم على موقفه قبل موته المأساوي . نحن هنا لسنا بصدد محاكمة سعدي يوسف او بدر شاكر السياب وليس لنا ان نفعل ذلك ولانعتقد ان ريسان الخزعلي في قصيدتيه عن سعدي يوسف يقصد ذلك . بل اننا نميل الى دراسة الظاهرة شعريا وندخل اليها نقديا للحصول على العبرة الممكنة فتراث سعدي وكذا السياب لم يعد ملكا لهما وهو ليس معروضا للبيع . إنه ملك للمخيلة والثقافة والفكر العراقي والعربي بله العالمي الخلّاق ، غير ان حاضنته الرئيسية هي اليسار العراقي فسعدي نفسه ما زال يطلق على نفسه "الشيوعي الأخير"  إعتزازا بهذا العنوان . ويحق لريسان الخزعلي المنقوع في الغناء والمسكون برنين المياه ومخلوقاتها يمارس حق المغني الذي لا احد يعترض عليه في اتجاهات لفظه ولحنه بين الهجاء والعتب او الرثاء او السخرية ، فهذه سُنّة  استنها الموروث الشعبي العراقي . بل ان غناء ريسان تتحول ملكيته الى ذات الملكية التي دخلت فيها إطلاقات السياب وسعدي الشعرية وستصبح هذه كلها ضمن نسيج البانوراما الشعرية العراقية . 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
يــــوسف المــحمـداوي ... تفاصيل أكثر
لؤي نصر، فنان سوري مبدع في اكثر من مجال ، بالعزف على آلة العود والتلحين ومن ثم الغناء. فهو لا يكتفي بحد معين، اذ اخذ ينشد التطور باستمرار ويستعين بتجارب كبار الفنانين الذين سبقوه ، حتى اصبح يشار اليه بالبنان من خلال الاغاني التي قدمها، فشغفت الناس بحلاوة صوته، وامتع اسماعهم لسنين طويلة، وهو في سن الثالثة عشرة بدعم وتشجيع من أصدقائه الفنانين حتى يومنا هذا . لتسليط الضوء على مشواره الغنائي كان لنا معه هذا الحوار الممتع : ... تفاصيل أكثر
الحقيقة - وكالات   يحتفل ثنائي بوليوود كارينا كابور Kareena Kapoor وسيف علي خان Saif Ali Khan، بالذكرى الخامسة لزواجهما، حيث اشتُهرا بعلاقتهما الجيدة التي يسودها كل ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر
علا خطاب ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن العاني ... تفاصيل أكثر
د.مصطفى الناجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
نوزاد حسن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين وسام ... تفاصيل أكثر
حسن العاني     إن مرحلة ما بعد الاحتلال، شهدت بدورها ظواهر انفردت بها، تقف على رأسها ظاهرة (الكثرة) غير المسبوقة في تاريخ العراق، فقد بات لدينا من ... تفاصيل أكثر