الاتحاد العربي الهاشمي بين العراق والاردن 14 شباط - فبراير 1958

عدد القراءات : 3532
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

لم تكد سوريا ومصر يعلنان قيام الوحدة بينهما، حتى بدأ النظامان الهاشميان في بغداد وعمان يفقدان صوابهما، فقد كان وضع النظامين قلقا جدا، والحركة الثورية في كلا البلدين على أشدها، وبشكل خاص في العراق، الذي خاض شعبه خلال فترة زمنية قصيرة ثلاث معارك مع النظام، وكاد يسقطه.

الاستاذ حامد الحمداني  

 

لقد خاض الشعب معارك وثبة كانون المجيدة عام 1948، ومعارك وثبة تشرين المجيدة عام 1952، وانتفاضة عام 1956، ابان العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة، فقيام الوحدة بين سوريا ومصر، وتدفق المد الثوري العربي التحرري من المشرق إلى المغرب، حشر النظامين الهاشميين في زاوية حرجة، لا يعرفان كيفية الخروج منها.

لقد رفض النظامان الاعتراف بالوحدة، وتجنب السفيران العراقي والأردني تقديم أوراق اعتمادهما لكي لا يكون الاعتراف قانونياً، وتوجه النظامان إلى الولايات المتحدة وبريطانيا يطلبان الدعم والمشورة معاً. ولاشك أن الإمبرياليين كانوا يشعرون فعلاً بقلق كبير عما يمكن أن تؤول إليه الأمور بعد الوحدة، وإمكانية امتدادها ، ولذلك عقدوا العزم على تطويقها، وإفشالها، والقضاء عليها. كانت الخطوة الأولى في هذا السبيل هي حماية النظامين الهاشميين في العراق والأردن، ولذلك أشارت بريطانيا إلى ضرورة قيام اتحاد هاشمي بين البلدين لحماية النظام الأردني الضعيف نسبيا ،عن طريق استدعاء قوات عراقية لترابط في الأردن تحسباً لكل طارئ. لقد اقترح وزير الخارجية البريطاني [ سلوين لويد ] خلال الاجتماع الوزاري لحلف بغداد المنعقد في اسطنبول ما يلي : 

1ـ قيام اتحاد بين العراق والأردن والسعودية، ليكون أحسن رد على الوحدة المصرية السورية.

2ـ تشجيع المقاومة السورية، وبث الدعايات لهدم الوحدة، والقيام بعمل عسكري لهدم هذه الوحدة إذا اقتضى الأمر.

سارع الملك حسين إلى إيفاد وزير بلاطه [ سليمان طوقان ] إلى بغداد، بناء على اقتراح سلوين لويد، وحمله رسالة إلى الملك فيصل وعبد الإله يدعوهما مع بعض وزرائهما إلى عمان للنظر في موضوع الاتحاد.

وفي 11 شباط 1958 طار الملك فيصل، وبصحبته وزراء الخارجية والمالية والعدلية السادة برهان الدين باش أعيان ونديم الباجه جي، وعبد الرسول الخالصي، ثم لحق بهم توفيق السويدي، ورئيس أركان الجيش رفيق عارف، ورئيس الديوان الملكي عبد الله بكر، وبقي الوصي في بغداد في بادئ الأمر لينوب عن الملك، إلا أنه غادر بعد ذلك إلى الأردن ملتحقاً بالركب، في 13 شباط 1958. و جرت في عمان اجتماعات مطولة بين الطرفين انتهت إلى التوصل إلى قيام {الاتحاد العربي }!! بين القطرين اعتقاداً منهما أن هذا الاتحاد سيكون خير ضامن للعرشين الهاشميين في العراق والأردن، لكنه لا يعدو أن يكون في الحقيقة سوى رد على الوحدة السورية المصرية، بإيعاز بريطاني ـ أمريكي. 

 

الإعلان عن قيام الاتحاد العربي

 

في 14 شباط 1958 صدر بيان مشترك أذيع من محطتي إذاعة بغداد وعمان يعلن عن قيام ما دعوه بالاتحاد العربي، وهذا هو نصه : تلبية لدعوة حضرة صاحب الجلالة الملك حسين بن طلال، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، حضر إلى عمان يوم الثلاثاء المصادف 11 شباط 1958 حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني ملك العراق المعظم، وحضر أيضاً يوم الخميس الموافق 13 شباط حضرة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الإله، ولي العهد المعظم . وقد عُقدت اجتماعات عدة كانت تظللها ذكرى الثورة العربية الكبرى، وأهدافها، خلال هذه المدة برئاسة جلالتهما، وحضور سموه الملكي، وحضرها عن الجانب العراقي كل من أصحاب الفخامة والمعالي السادة [توفيق السويدي]عضو مجلس الأعيان، و[برهان الدين باش أعيان] وزير الخارجية، [ونديم الباجه جي] وزير المالية، و[عبد الرسول الخالصي] وزير العدل، و[عبد الله بكر] رئيس الديوان الملكي، و[بهاء الدين نوري] سفير العراق في عمان، والفريق الركن[رفيق عارف] رئيس أركان الجيش. وعن الجانب الأردني كل من أصحاب الفخامة والمعالي، والعطوفة السادة [إبراهيم هاشم ]،رئيس الوزراء،و[سمير الرفاعي ]،نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، و[سليمان طوقان ]، وزير البلاط، و[خلوصي خيري ]، وزير الاقتصاد الوطني،و[ أحمد طراونة ]،وزير التربية والتعليم والعدلية،و[بهجت التلهوني] رئيس الديوان الملكي الأردني، و[عاكف الفائز] وزير الدفاع والزراعة، و[فرحان شبيلات]، سفير الأردن في بغداد و[الفريق حابس المجالي ]،رئيس أركان الجيش الأردني، واللواء [صادق الشرع ]، ومعاون رئيس أركان الجيش . وكانت نتيجة المباحثات التي جرت في تلك الاجتماعات حول الاتحاد بين المملكتين العراقية والأردنية أن تم التوصل بين الطرفين إلى عقد اتفاق لقيام [ الاتحاد العربي ] بين الدولتين الذي أعلن اليوم.

صدر في يوم الجمعة 24 رجب 1377 الموافق 14 شباط 1958، في قصر بسمان العامر بعمان. 

 

نص اتفاق الاتحاد العربي 

المقدمة : 

لما كانت الثورة العربية الكبرى التي قادها جلالة المنقذ الأعظم [الحسين بن علي] إيذاناً ببزوغ فجر جديد للأمة العربية تمثلت بالتضحية والفداء في سبيل تحرير الوطن العربي الكبير، وتوحيد شعوبه وأقطاره، لاستعادة مكانة العرب بين أمم العالم، والمساهمة في تقدم الحضارة الإنسانية، ولما كانت تلك الثورة المباركة قد انبثقت عن إرادة العرب في الحرية والوحدة، مستندة في ذلك إلى ماضيها المجيد، وإيمانها بنفسها، وبرسالتها القومية الخالدة، ولما كانت رسالة الثورة العربية التي قضى باعثها في سبيلها، قد انتقلت إلى الأبناء والأحفاد، يتوارثونها جيلاً بعد جيل، لتبقى المشعل الذي يهدي الأمة العربية في سيرها نحو أمانيها المنشودة في الوحدة الشاملة المستكملة لجميع أسباب الحرية والسيادة والعزة، لاستعادة الأمجاد، والمحافظة على التراث والمقدسات، والتطلع إلى مستقبل مشرق في ظلال هذه الوحدة المباركة، فقد قررت الدولتان الهاشميتان إنشاء اتحاد بينما يقوم على هذه الأهداف السامية، وتحقيقاً لهذه الغايات والأماني القومية، تم الاتفاق بين الطرفين على ما يلي :

 

1ـ ينشأ اتحاد عربي بين المملكة العراقية والمملكة الأردنية الهاشمية باسم [الاتحاد العربي] اعتباراً من يوم الجمعة 24 رجب 1377هجرية والموافق ليوم 14 شباط 1958 ميلادية، ويكون هذا الاتحاد مفتوحاً للدول العربية الأخرى التي ترغب للانضمام إليه. 

2ـ تحتفظ كل من الدولتين بشخصيتها الدولية المستقلة، وسيادتها على أراضيها، ونظام الحكم القائم فيها.

3ـ تكون المعاهدات، والمواثيق، والاتفاقات الدولية التي سبق أن ارتبطت بها كل من الدولتين قيل قيام الاتحاد بينهما مرعية بالنسبة للدولة التي عقدتها، وغير ملزمة للدولة الأخرى. أما المعاهدات والمواثيق والاتفاقات الدولية التي ستعقد بعد قيام الاتحاد، والتي تدخل ضمن موضوعات الاتحاد من اختصاص وسلطة حكومة الاتحاد.

4ـ اعتباراً من تاريخ الإعلان الرسمي لقيام الاتحاد، تنفذ إجراءات الوحدة الكاملة بين دولتي الاتحاد في الأمور التالية : 

أ ـ وحدة السياسة الخارجية والتمثيل السياسي .

ب ـ وحدة الجيش العراقي والجيش الأردني .

ج ـ إزالة الحواجز الجمركية بين الدولتين، وتوحيد القوانين الجمركية .

د ـ توحيد مناهج التعليم . 

5ـ يتفق الطرفان بأسرع وقت على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوحيد النقد، وتنسيق السياسة المالية والاقتصادية بين الدولتين.

6ـ عندما تقتضي الظروف، ومصلحة الاتحاد، توحيد أي أمر من الأمور الأخرى، غير الواردة في المادة الرابعة، تتخذ الإجراءات اللازمة بموجب دستور الاتحاد، لإدخال ذلك الأمر ضمن اختصاص وسلطات حكومة الاتحاد.

7ـ يكون علم الثورة العربية علم الاتحاد، وعلماً لكل من الدولتين.

8ـ أـ تتولى شؤون الاتحاد حكومة اتحادية تتألف من مجلس تشريعي، و سلطة تنفيذية .

ب ـ ينتخب كل من مجلس النواب العراقي والأردني، أعضاء المجلس التشريعي من بين أعضائهما بعدد متساوي من الدولتين .

ج ـ يعين أعضاء السلطة التنفيذية وفق أحكام دستور الاتحاد، لتولي الأمور التي تدخل ضمن اختصاص حكومة الاتحاد. 

9 ـ يكون ملك العراق رئيساً لحكومة الاتحاد، وفي حالة غيابه، لأي سبب كان، يكون ملك الأردن رئيساً لحكومة الاتحاد، ويحتفظ كل من الملكين بسلطاته الدستورية في مملكته، وعند انضمام دولة أخرى إلى الاتحاد، يعاد النظر في وضع رئاسة الاتحاد حسب مقتضيات الأمور.

10 ـ يكون مقر حكومة الاتحاد بصورة دورية في بغداد لمدة ستة أشهر، وفي عمان لمدة ستة أشهر أخرى.

11ـ أـ تضع حكومة الاتحاد دستوراً للاتحاد، وفق الأسس المبينة في هذا الاتفاق، ويعدل دستور كل من الدولتين إلى المدى والحدود التي تقتضيها أحكام دستور الاتحاد .

ت ـ تتخذ التدابير والإجراءات اللازمة لإقامة حكومة الاتحاد، ووضع دستور الاتحاد في مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر من تاريخ توقيع هذا الاتفاق. 

12ـ يبرم هذا الاتفاق وفق الأصول الدستورية لكل من الدولتين.

صدر عن قصر بسمان العامر في عمان، في يوم الجمعة 24 رجب 1377 هجرية، المصادف ليوم 14 شباط 1958 ميلادية 

لقد كان واضحاً أن هذا الاتحاد الذي أقيم على عجل ـ بعد عشرة أيام من قيام الوحدة بين سوريا ومصر ـ لم يكن في الحقيقة سوى رداً على هذه الوحدة التي هزت أركان النظامين الهاشميين، مما حدا ببريطانيا والولايات المتحدة إلى حثّ الملك حسين، والملك فيصل الثاني على الإسراع بإقامة هذا الاتحاد، خوفاً من المد الثورة الوحدوي الذي اجتاح العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، وهدد بشكل جدي بقاء واستمرار هذين النظامين المرتبطين بالإمبريالية أمام ذلك المد الجارف . كما جرت محاولات لجر المملكة العربية السعودية لهذا الاتحاد، إلا أن الحكام السعوديون الذين كانوا لا يشعرون بالارتياح للهاشميين، ولاسيما بعد أن أنتزع عبد العزيز آل سعود الحكم منهم في الحجاز ونجد، منعهم من الإقدام على اتخاذ على هذه الخطوة.  ولاشك أن للصراع البريطاني ـ الأمريكي على نفط العرب دورا في ذلك، فالولايات المتحدة وإن كانت لها مصالح مشتركة مع بريطانيا، إلا أنها كانت ترمي إلى إزاحة السيطرة البريطانية المطلقة على منطقة الخليج، وهذا ما جرى فعلاً، حيث استطاعت الولايات المتحدة أزاحتها شيئاً فشيئاً عن المنطقة، ليصبح لها حصة الأسد في نفط الخليج . ولابد أن أشير هنا إلى أن قيام الاتحاد بين المملكتين قد قوبل بكل برود، وعدم اهتمام ليس من قبل الشعبين العراقي والأردني فحسب، بل من سائر الشعوب العربية، على عكس ما جرى حين قيام الوحدة بين سوريا ومصر، حيث اجتاحت العالم العربي موجة عارمة من الأفراح بقيامها لأن الشعوب العربية كانت مدركة أن تلك الوحدة كانت موجهة ضد المؤامرات الإمبريالية على العرب، في حين كان واضحاً تماماً أن الاتحاد الهاشمي، هو اتحاد ملوك، لا اتحاد شعوب، اتحاد اقتضته مصالح الإمبرياليين وربيبتهم إسرائيل، لكي يقف سداً بوجه المد الثوري الوحدوي العربي التواق للتحرر من السيطرة الإمبريالية. 

ورغم كل ما خططه الإمبرياليون، فقد كان المد الثوري الجارف أقوى منهم ومن مخططاتهم، ولم يستطع ذلك الاتحاد الصمود سوى خمسة أشهر فقط، فقد انهار النظام الملكي في العراق خلال ساعات، أمام ثورة الرابع عشر من تموز 1958 المجيدة، وسقط ذلك الاتحاد المسخ، واضطر الإمبرياليون إلى إنزال قواتهم العسكرية في الأردن ولبنان، لحماية تلك الأنظمة التي صنعوها في هذين البلدين، ولمحاولة الاعتداء على العراق، وإجهاض الثورة. 

لكن أحلامهم باءت بالفشل، بعد الدعم الحاسم من قبل الشعب العراقي، والجمهورية العربية المتحدة، والاتحاد السوفيتي، وسائر الشعوب العربية للثورة، واضطر الإمبرياليون إلى تبديل خططهم، وتكتيكاتهم، ومحاولة التآمر الخفي،بالتعاون مع عملائهم، ورجالهم ، ومرتزقتهم لإسقاط النظام الجديد في العراق، واغتيال الثورة بعد بضعة أعوام . 

 

تصاعد التوتر في المنطقة، وعودة نوري السعيد للحكم

 

بالنظر للتطورات التي حصلت في المنطقة، بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وما سببته تلك الوحدة من قلق بالغ، ليس للنظامين العراقي والأردني فحسب، بل للإمبريالية ومشاريعها ومخططاتها في المنطقة، ولإسرائيل،لذلك وجد الإمبرياليون البريطانيون والأمريكيون أن خير من يستطيع تولي الأمور في العراق في ذلك الوقت هو نوري السعيد ـ رجل الإمبريالية الأول في المنطقةـ وهكذا جرى الإيعاز إلى عبد الوهاب مرجان لتقديم استقالة حكومته بذريعة ضرورة حل البرلمان، وإجراء انتخابات جديدة، وإجراء تعديلات على الدستور العراقي، اقتضاها قيام الاتحاد الهاشمي. لكن الحقيقة هي أن رئيس الوزراء [ عبد الوهاب مرجان ] رفض خطط عبد الإله ونوري السعيد بإرسال الجيش العراقي للاعتداء على سوريا، وقلب نظام الحكم فيها، مما أثار غضب عبد الإله ونوري السعيد اللذان ظنا أن الظروف مؤاتية للعدوان على سوريا، وتحقيق حلم عبد الإله بعرش على سوريا، وأن موقف مرجان يحبط طموح عبد الإله فأوعز إلى مرجان بتقديم استقالة حكومته. وهكذا تقدم عبد الوهاب مرجان باستقالة حكومته إلى الملك فيصل في 2 آذار 1958، وتم قبول الاستقالة في اليوم التالي، وصدرت الإرادة الملكية بتكليف نوري السعيد بتشكيل الوزارة الرابعة عشرة له منذ تأسيس النظام الملكي، وقد أعلن نوري السعيد فور تأليفه للوزارة أن هذه الوزارة تألفت في ظروف خاصة ومعلومة يجتازها العراق على وجه خاص، والبلاد العربية بوجه عام، وأن مهمتها ستكون العمل على دعم الاتحاد الهاشمي، وتقويته بجميع الوسائل الممكنة، وتثبيت الاستقرار في البلاد، والأمر المؤكد أن نوري السعيد قد عاد إلى الحكم من جديد بسبب قيام الوحدة بين سوريا ومصر، وما شكلته من مخاطر على النظام في العراق والأردن ولبنان وإسرائيل، وجاء السعيد يحدوه الأمل في تقويض تلك الوحدة وفصم عراها، حتى لو تطلب الأمر التدخل العسكري ضد سوريا، بدعم وإسناد من أسياده الإمبرياليين. 

استقبل الشعب العراقي وزارة السعيد بوجوم وقلق شديدين، فقد عوده السعيد عند ما ألف جميع وزاراته الثلاث عشرة السابقة أنه جاء لينفذ مهام خطيرة أوكلها له أسياده البريطانيون، وأنه مقدم على المزيد من الانتهاكات لحقوق وحريات الشعب، وتشديد الخناق عليه، وكما أسلفنا عند استعراضنا للفترات التي حكم فيها نوري السعيد أنه لا يتوانى عن استخدام أشد الأساليب القمعية ضد الشعب وقواه الوطنية من أجل تنفيذ ما أوكل له من مهام . 

ولذلك فقد بادر 41 شخصية سياسية من رؤساء وزراء، ووزراء سابقين، ونواب وقادة الأحزاب الوطنية، وكبار المحامين ورجال القانون، وأساتذة الكليات، بتقديم مذكرة إلى نوري السعيد تحذره فيها من مغبة السير على نفس الطريق الذي سار عليه، وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج . إلا أن نوري السعيد منع نشر نص المذكرة في الصحف العراقية، وحاول تجاهلها، مما اضطر مقدمي المذكرة إلى نشرها في صحيفة الشعب المصرية في عددها الصادر في 4 نيسان 1958، وكان لها دوي هائل بين جماهير الشعب العراقي. وقد أعلن المسؤولون عن ميثاق الوحدة أن بابها مفتوح لأي دولة عربية، وبأي شكل تختاره من أشكال الاتحاد. وبالفعل بدأت فوراً مفاوضات الاتحاد بين الجمهورية العربية المتحدة والمملكة اليمنية، وأن مسيرة تحقيق الوحدة بين مصر وسوريا، وممارسة كل منها لحقوق السيادة الكاملة المجردة من أي تبعية لأية دولة أجنبية، فالقول بأن الوحدة بين مصر وسوريا تعتبر تحدياً للعراق هو قول لا يقره عاقل، لأن وحدة العرب قوة لجميع العرب، وليس في استطاعة أية دولة أجنبية حمل المواطنين في أي بلد عربي على الاستسلام لها.

مضى نوري السعيد في تنفيذ سياسته المرسومة، فعدل الدستور في 11 أيار 1958، ليسمح للعراق بإقامة الاتحاد الهاشمي، كما أقدم على حل البرلمان في 28 آذار من العام نفسه، وحدد موعداً لإجراء الانتخابات في 5 أيار 1958. أعلنت القوى والأحزاب الوطنية، وجماهير الشعب مقاطعتها للانتخابات في ظل الظروف السائدة، حيث ألغيت الأحزاب والجمعيات، والصحف، وسلبت كافة الحقوق والحريات العامة التي نص عليها الدستور، وحيث تُحكم البلاد بموجب المراسيم غير الدستورية الجائرة، فقد كان معروفاً سلفاً نتائج مثل هكذا انتخابات، وقد أسفرت تلك الانتخابات الشكلية عن فوز 118 نائباً سعيدياً بالتزكية، دون منافس، من أصل 148 نائباً، وكان الباقون من مؤيدي سياسة نوري السعيد كذلك، وقد أقّر البرلمان الجديد التعديلات الدستورية، والاتحاد الهاشمي. وبعد أن أتم نوري السعيد المهمة الموكلة له، تقدم باستقالة حكومته إلى الملك في 14 أيار 1958 ليتفرغ لرئاسة وزارة الاتحاد، حيث تم قبول الاستقالة، وكلف الملك السيد أحمد مختار بابان بتأليف الوازرة الجديدة في 19 أيار 1958، وكلف نوري السعيد بتأليف وزارة الاتحاد .

 

قيام ثورة 14 تموز

 

لم تجرِ الرياح كما تشتهي السفن، كما يقول الشاعر، وانقلب السحر على الساحر، وقامت القوات العراقية التي أريد لها أن تقوم بالعدوان على سوريا بالإطاحة بالحكم الملكي في العراق، والقضاء على رموزه، عبد الإله والملك فيصل، ونوري السعيد، وتهاوى كل ما بناه نوري السعيد طيلة الحكم الملكي خلال ساعات، في صبيحة الرابع عشر من تموز 1958، وأصيبت المخططات الإمبريالية بضربة موجعة لم تعرف لها مثيلاً من قبل، أفقدتها صوابها، وجعلتها تسرع إلى إنزال قواتها في لبنان والأردن لحماية النظامين فيهما ومحاولة العدوان على العراق وإجهاض ثورة 14 تموز المجيدة، والعودة بالعراق إلى أحضان الإمبريالية. لكن خططهم باءت بالفشل، وثبّت الثورة أقدامها، واستمرت في سيرها إلى الأمام تسندها سواعد العراقيين، وبقية الشعوب العربية، وجميع القوى المحبة للسلام في العالم أجمع.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عبدالامير المجر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
د. كريم شغيدل ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
  في مقالي هذا أود ان اكون قريباً من الاسئلة التي تطرح عن تجديد السؤال الديني، وسط رغبة بتكرار الدعوة الى اسكات ما ليس له ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
سهى الطائي ... تفاصيل أكثر
صالح هيجل الدفاعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر