لقد كان عدد الموتى المدنيين مفجعاً في عمق مأساة الحرب العالمية الثانية

عدد القراءات : 2371
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لقد كان عدد الموتى المدنيين مفجعاً في عمق مأساة الحرب العالمية الثانية

ساهمت اليابان وألمانيا النازية في اندلاع الحرب العالمية الثانية لتكوين قوة عسكرية شاملة في أوروبا وآسيا. تعتبر اليابان وألمانيا النازية من أهم أعضاء المحور الذي يرتكز على معاداة الشيوعية ويعتمد على عدم الرضاء على الأوضاع الاجتماعية بعد الحرب العالمية الأولى . تحت قيادة الدكتاتور النازي أدولف هتلر سعت ألمانيا النازية على المدى البعيد إلى إنشاء أرضية جديدة Lebensraum ملائمة في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي. لتحقيق السيطرة الألمانية في أوروبا لم تجد النازية حلاً آخر غير الحرب. وبذلك بدأ النازيون بالتخطيط للحرب الأوروبية ابتداء من اليوم الذي تسلم فيه النازيون السلطة نهاية يناير 1933. واتبعت اليابان سياسة إمبريالية عسكرية واستعمارية بمساعدة إمبراطورها ـ إنشاء نظام عسكري والعديد من النخب الذين سعوا إلى قيادة تأثير اليابان داخل شرق آسيا والمحيط الهادئ. كونت اليابان وألمانيا جبهة قوية ضد الشيوعية في الاتحاد السوفييتي سنة 1936.

 

 وفي نفس السنة وقعت إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية معاهدة المحور مباشرة بعد أن أنهت إيطاليا غزوها الوحشي ضد أثيوبيا.  بدأت اليابان باستعمارها العسكري واحتلت منشوريا الصينية في سبتمبر 1931. وبعد ست سنوات في يوليو 1937 احتلت اليابان الصين واندلعت بذلك الحرب العالمية الثانية بآسيا.  بعد ضم النمسا والتشيك دون اللجوء إلى الحرب سنة 1938 و1939 وضمان حيادية الاتحاد السوفييتي وقائدها الدكتاتور جوزيف ستالين بمعاهدة عدم الخرق احتلت ألمانيا بولندا وبهذا الاحتلال في 1 سبتمبر 1939 بدأت الحرب العالمية الثانية في أوروبا. والسماح لألمانيا النازية بهدم حكومة تشاكوسلوفاكيا ضمنت فرنسا وبريطانيا رسم الحدود البولندية في أبريل 1939. وكإجابة على الاحتلال الألماني على بولندا تم إعلان الحرب على ألمانيا في 3 سبتمبر. خلال شهر احتلت القوات الألمانية والسوفييتية بولندا واقتسمها. 

 

انتهاء الهدنة واستسلام الدنمارك

انتهت الهدنة التي تلت هزيمة بولندا في 9 أبريل 1940 عندما احتلت القوات الألمانية النرويج والدانمارك. استسلمت الدانمارك في ذلك اليوم. أما النرويج فقد صمدت حتى شهر يونيو قبل احتلال القوات الألمانية لكامل البلاد. في 10 مايو 1940 بدأت ألمانيا حملتها على أوروبا الغربية باحتلال فرنسا والدول المنخفضة المحايدة (هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج). ومع نهاية شهر مايو أصبحت الدول المنخفضة تحت الاحتلال الألماني. وفي 22 يونيو 1940 أمضت فرنسا هدنة مع ألمانيا سمحت للقوات الألمانية باحتلال نصف الشمال الفرنسي وبتأسيس نظام متعاون في الجنوب بقيادة فيشي. من 10 يوليو إلى 31 أكتوبر 1940 شن الألمان حرباً جوية التي خسروها فيما بعد والتي عرفت بقتال بريطانيا.  وبالتوازي مع مراكز تأثير ألمانيا النازية سنة 1939, احتل الاتحاد السوفييتي فنلندا في أواخر شهر نوفمبر 1939. بعد مرور حرب قاسية في الشتاء, أجبرت القوات السوفييتية فنلندا على تسليم الأراضي الواقعة على الساحل الشمالي من بحيرة لجودى في شمال لينينغراد (سانت بيترسبورج) وساحل المحيط الشمالي المتجمد في مارس 1940. بمساعدة ألمانيا احتل الاتحاد السوفييتي بلدان البلطيق في يونيو 1940 وضمهم في أغسطس في نفس السنة. واحتل الاتحاد السوفييتي منطقة باسارابيا وشمال بوكوفينا في رومانيا في أواخر يونيو 1940.  دخلت إيطاليا الحرب في 10 يونيو 1940 واحتلت جنوب فرنسا في 21 يونيو. ونظراً لعدم رضائها بمشاركة إيطاليا في مباحثات الهدنة قام الدكتاتور الفاشي بنيتو موسوليني بمهاجمة اليونان في أكتوبر 1940 من ألبانيا (التي استولت عليها إيطاليا في أبريل 1939). هاجمت إيطاليا القوات البريطانية في مصر من ليبيا المراقبة من قبل إيطاليا في أكتوبر 1940. كلتا المغامرتين نتجت عنهما كارثة عسكرية تطلبت التدخل الألماني. أجبرت ألمانيا المجر ورومانيا وسلوفاكيا في نوفمبر 1940 وبلغاريا في مارس 1941 على الانضمام إلى المحور. وفي أبريل 1941 وبمساعدة إيطاليا والمجر وبلغاريا احتلت ألمانيا يوغوسلافيا وسحبت منها انتماءها إلى المحور. في منتصف يونيو هزمت سلطات المحور اليونان. بانهزام يوغسلافيا وقع تأسيس بما يسمى بدولة كرواتيا المستقلة تحت قيادة مؤسسة أوستاسا الفاشية والإرهابية. هذه الدولة الجديدة التي تشمل البوسنة والهرسك انضمت رسمياً إلى بلدان المحور في 15 يونيو. احتلت ألمانيا شرق سلوفينيا وصربيا ـ بانات وأغلب دولة صربيا. احتلت إيطاليا إستيرا وغرب سلوفينيا وضمت منطقة الكوسوفو إلى ألبانيا واحتلت ساحل كرواتيا ـ دلماتيا والجبل الأسود. احتل المجر باكا في شمال شرق يوغوسلافيا واحتلت بلغاريا مقدونيا ومنطقة صربيا. بعدما سُمح لبلغاريا باحتلال تراس اليونانية قسّمت ألمانيا وإيطاليا اليونان إلى قسمين محتلين ـ فقد تم احتلال المنطقة الغربية من طرف إيطاليا والمنطقة الشرقية من طرف ألمانيا. 

 

التقدم نحو موسكو

في 22 يونيو 1941 احتلت ألمانيا وحلفاؤها ما عدا بلغاريا الاتحاد السوفييتي رغم وجود هدنة صلح بينهما في أغسطس 1939. أرادت فنلندا استعادة قواها بعد هزيمتها في حرب شتاء 1939ـ1940, وبذلك انضمت إلى المحور وإلى الحلف الألماني. وفي أواخر أكتوبر 1941 اقتربت الجيوش الألمانية من الاتحاد السوفييتي وتجوزت بلدان البلطيق وحاصرت لينينغراد في الشمال واحتلت سمولينسك وتقدمت نحو موسكو واحتلت كييف واقتربت من روستوف قرب نهر دون في الجنوب. استقرت مقاومة الجيش الأحمر في أغسطس وفي نوفمبر 1941, الشيء الذي منع الألمان من احتلال المدن الرئيسية لينينغراد وموسكو. في 6 ديسمبر 1941 قام الجيش السوفييتي بهجوم معاكس أرجع الألمان إلى ضواحي موسكو إلى الأبد. في 7 ديسمبر 1941 لا تزال اليابان منغمسة في حربها على الأراضي الصينية شنت هجوماً جوياً مفاجئاً على بيرل هاربر بهواي. فردت الولايات المتحدة بسرعة لإعلانها الحرب على اليابان فتبعتها بريطانيا. وفي 11 ديسمبر أعلنت كل من إيطاليا وألمانيا الحرب على الولايات المتحدة. وخلال شتاء 1941/1942 هاجمت اليابان ثم احتلت الفيليبين والهند الصينية الفرنسية (الفييتنام ولاوس وكمبودجا) وسنغفورة البريطانية. وفي أواخر ربيع وبداية شتاء 1942 أصبحت بريطانيا قادرة على إيقاف تقدم القوات اليابانية في بورما ـ وهزمت القوات الأمريكية القوات الجوية اليابانية وسط المحيط الهادئ. وفي أغسطس 1942 أوقفت القوات الأمريكية تقدم اليابان بجزر المحيط الهادئ المقابلة لأستراليا بغواتلكنال بجزر سولومون. وفي مايو 1942 شنت القوات الملكية البريطانية هجوماً على مدينة كولن الألمانية مستعملة آلاف القنابل ومحوّلة الحرب لأول مرة داخل الأراضي الألمانية. وفي الأشهر الموالية هاجمت قوات التحالف الجوية بالقنابل المواقع الصناعية والمدن داخل الرايخ محوّلة ألمانيا إلى حطام سنة 1945. وفي أواخر 1942 وبداية 1943 تمكنت القوات الأمريكية ـ البريطانية من تحقيق سلسلة من الانتصارات العسكرية المهمة بشمال إفريقيا. وأدى فشل قوات فيشي الفرنسية في المقاومة إلى مسارعة قوات التحالف باحتلال شمال إفريقيا الفرنسي وصولاً إلى الحدود التونسية خلال أيام من نزولهم على السواحل المغربية والجزائرية في 8 نوفمبر 1942. كما أدى هذا الفشل إلى إزالة الاحتلال الألماني لفيشي بفرنسا في 11 نوفمبر 1942. كما أدى انتصار القوات البريطانية على وحدات الألمان المتواجدة بإفريقيا بالعلمين في مصر في أكتوبر 1942 إلى توسع مجال مقاتلة وحدات المحور العسكرية غرباً عبر ليبيا ووصولاً إلى شرق تونس. وبمحاصرتهم في تونس وقعت محاصرة قوات المحور في إفريقيا البالغ عددهم حولي 150,000 في مايو 1943. في يونيو 1942 أعاد الألمان وحلفاؤهم من قوات المحور مهاجمة الاتحاد السوفييتي حتى بلغوا ستالينغراد (فولغوغراد) على نهر الفولغا مأمنين شبه جزيرة كريم ومتوغلين داخل عمق منطقة القوقاز في أواخر سبتمبر 1942. وفي نوفمبر شنت القوات السوفييتية هجوماً معاكساً شمال غرب وجنوب غرب ستالينغراد مما أدى إلى قطع القوات الألمانية بالمدينة. وفي 2 فبراير 1943 استسلم الجيش السادس الألماني إلى السوفييت. شن الألمان مرة أخرى هجوماً على كورسك في يوليو 1943 وهو أكبر هجوم بالدبابات في التاريخ إلا أن القوات السوفييتية ودباباتها شلت الهجوم وقامت بمبادرة عسكرية التي تنازلت عنها فيما بعد. في أواخر 1943 أجبرت الألمان على مغادرة القوقاز وترك كييف. وفي يوليو 1943 نزلت قوات التحالف الغربية بسيسيليا مما أدى إلى قرار أكبر المجالس للحزب الفاشي الإيطالي بإقالة موسوليني. وبقيادة المارشال بييترو بدوليو تمكنت القوات الإيطالية من استغلال الفراغ السياسي لقلب النظام الفاشي وتغييره بدكتاتورية عسكرية. وفي 8 سبتمبر قبل نزول القوات الأمريكية ـ البريطانية بسليرنو قرب نابلس استسلمت حكومة بدوليو وبدون شروط إلى قوات التحالف. أما القوات الألمانية المتواجدة بإيطاليا واصلت مقاومتها. أما موسوليني الذي تم القبض عليه من قبل السلطات العسكرية الإيطالية فقد وقع انقاذه من قبل قوات الأمن الخاصة SS في سبتمبر وأسس نظاماً نيوفاشياً بشمال إيطاليا تحت إشراف ألمانيا. نزل الحلفاء قرب أنزيو جنوب روما لكنهم كانوا غير قادرين على الإطاحة بروما حتى بداية يونيو 1944. واصلت القوات الألمانية احتلالها لشمال إيطاليا وتصدت بقوة حتى تمت محاصرتهم في 2 مايو 1945. بعد تحرير روما أصبحت قوات التحالف الجوية قادرة على استهداف دول أوروبا الشرقية بالقنابل مثل مصانع الوقود والمطاط بأوشفيتز ـ مونوفيتز بسيليسيا. في 6 يونيو 1944 (يوم النصر)، نزل ما يزيد على 150 ألف جندي من قوات الحلفاء على شواطئ النورماندي في فرنسا. بعد ما كانوا محاصرين على ساحل النورماندي لمدة ستة أسابيع، انفصل الأميركيون والبريطانيون يوم 25 تموز/يوليو وحرروا مدينة باريس يوم 25 آب/أغسطس. وفي 11 سبتمبر 1944، عبرت القوات الأولى الأميركية ألمانيا. ومع حلول شهر كانون الأول/ديسمبر تم تحرير كل من فرنسا ومعظم بلجيكا وجزء من جنوب هولندا. 

 

انتصارات للقوات السوفيتية

في 22 يونيو 1944 حطمت القوات السوفييتية مركز القوات الألمانية شرق روسيا البيضاء. وعبروا غرباً نهر فيستولا عابرين وارصوفيا في 1 أغسطس 1944. وفي بداية أغسطس وباحتلالهم لشرق باسارابيا الرومانية ظهرت القوات السوفييتية بنهر بروت وأعدت بمهاجمة عمق رومانيا متسببة في استسلامها في 23 أغسطس. استسلم البلغار في 8 سبتمبر 1944. أجبرت هذه التطورات الألمان على إخلاء اليونان وألبانيا وجنوب يوغسلافيا. لمنع جهود الحكومة المجرية من اللجوء إلى سلم منفرد احتلت ألمانيا المجر في 19 مارس 1944.  وفي أكتوبر مولت ألمانيا عملية انقلاب التي قام بها الحزب الراديكالي لمنع المجر من الاستسلام. وفي النهاية وبظهور القوات السوفييتية على السواحل الفنلندية أصبح الفنلنديون يبحثون عن هدنة في 12 سبتمبر 1944. في أغسطس 1944 ثار الجيش السري البولندي والمنظمات المقاومة القومية السلوفاكية ضد الألمان لتحرير وارصوفيا وسلوفاكيا من الحكم الألماني, إلا أن الألمان كانوا قادرين على قمع كلتا الثورتين.  في 16 ديسمبر 1944 شن الألمان هجوماً معاكساً لكنه فاشل على بلجيكا وشمال فرنسا وعرف بقتال "البولج". بحلول العام الجديد تمكنت القوات الأمريكية والبريطانية من دفع القوات الألمانية إلى الخلف تجاه ألمانيا. في 12 يناير 1945 أعاد السوفييت هجومهم فحرروا وارصوفيا وغرب بولندا. في ديسمبر حاصر السوفييت بودابست رغم أن المدينة لم تسقط حتى 13 فبراير 1945. في بداية أبريل أخرج السوفييت المتبقين من الحزب الراديكالي من المجر وأجبروا استسلام الجمهورية الفاشية بسلوفاكيا بسقوط براتسلافا في 4 أبريل 1945. وفي 13 أبريل أطاح السوفييت بفينا في حين أجبر الموالون للماريشال تيتو هروب قادة أوستازا وسقوط ما كان يسمى بجمهورية كرواتيا المستقلة.  وفي منتصف شهر فبراير 1945 هاجم الحلفاء مدينة دريسدن بالقنابل وقتلوا حولي 35,000 مدني ألماني. عبرت القوات الأمريكية نهر الراين بريماغن في 7 مارس 1945. أما الهجوم السوفييتي الأخير الذي تم بـ 16 أبريل 1945 فقد مكن القوات السوفييتية من محاصرة مدينة برلين. وعند اقتراب القوات السوفييتية من قصر المستشارية انتحر هتلر في 30 أبريل 1945. وفي 7 مايو 1945 استسلمت ألمانيا كلياً وبدون شروط إلى الحلفاء الغربيين برانس وفي 9 مايو إلى سوفييت ببرلين.  بعد إزاحة اليابان من جزر السولمان في نوفمبر 1942 شرعت القوات الأمريكية والبريطانية شيئاً فشيئاً في التنقل نحو الشمال من جزيرة إلى أخرى متجهين إلى الأراضي اليابانية الأساسية في حين كانت القوات البريطانية تشتغل مع الحكومة الوطنية الصينية لمحاربة اليابان في الصين. وبحملة موازية حاربت الحركة الشيوعية الصينية اليابان, وفي نفس الوقت كانت تدافع عن نفسها من القوميين. في أكتوبر 1944 نزلت القوات الأمريكية في الفيليبين, ومع مايو 1945 احتلت القوات الأمريكية والبريطانية مدينة أوكينافا وهي أكبر قاعدة يابانية قبل الوصول إلى اليابان نفسها. في 6 أغسطس 1945 ألقت الولايات المتحدة أول قنلبة ذرية على هيروشيما وتلتها قنبلة ثانية على ناكازاكي في 9 أغسطس. في 8 أغسطس أعلن السوفييت الحرب على اليابان واحتلوا منشوريا, وفي أقل من أسبوع أي في 14 أغسطس 1945 وافقت اليابان على الاستسلام, وقع الاحتفال الرسمي في الثاني من سبتمبر معلناً نهاية الحرب العالمية الثانية.  تسببت الحرب العالمية الثانية في قتل حولي 55 مليونا بكامل أنحاء العالم. رغم أن هذه الإحصائيات تختلف من مصدر إلى آخر إلا أنها تساعد على توفير معلومات تقريبية. خسرت الولايات المتحدة 292,129 قتيلا و139,709 مفقودين أما السوفييت فقد فقدوا 8,668,400 قتيل و4,559,000 مفقود. فقدت ألمانيا 2,049,872 قتيل و1,902,704 مفقود. فقدت الصين 1,324,516 قتيل و115,248 مفقود. وفقدت اليابان 1,506,000 قتيل و810,000 مفقود. وفقدا بريطانيا 397,762 قتيل و90,188 مفقود.  لقد كان عدد الموتى المدنيين مفجعاً. فقد الاتحاد السوفييتي 14,012,000 مدني من ضمنهم ما بين 1,0 و1,5 يهودي. فقدت الصين أكثر من مليون مدني في حين فقدت بولندا 5,0 مليون مدني تقريباً من ضمنهم 3,0 مليون يهودي.

 

الألمان بعد الاستسلام

في الثامن من مايو/ أيار عام 1945 دخل الاستسلام غير المشروط للجيش الألماني حيز التنفيذ، إلا أن السلام لم يعم بعد ذلك مباشرة كل أرجاء "الرايخ"، فالكثير من الألمان حل بهم الخوف من قوات التحالف التي انتصرت على النازية. 

 "الحرب انتهت. البنادق صمتت". هذه الجملة كتبتها هيلدغارت تاينرت في التاسع من مايو/ أيار 2015، وهو اليوم الذي أعلن فيه عن استسلام الجيش الألماني بكافة أرجاء ألمانيا. كتبت هيلدغارت هذه السطور في مفكرة زوجها. وبعد كتابة هذه الأسطر بقليل، قام زوجها، مدرس اللغة اللاتينية يوهانس تاينرت بإطلاق النار على زوجته أولاً، ثم الانتحار في باحة منزلهما ببلدة غلاتز في منطقة شليزيا السفلى. في الساعة الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة من ليلة الثامن من مايو/ أيار عام 1945، قام الجنرال فلدمارشال فيلهلم كايتل بتوقيع وثيقة الاستسلام الكامل وغير المشروط للجيش الألماني، وذلك بحسب التأريخ الرسمي لوثيقة الاستسلام. لكن في حقيقة الأمر، فإن كايتل قام بتوقيع هذه الوثيقة في التاسع من مايو/ أيار. كما أن توقيعه ما هو إلا إجراء شكلي لما جرى الاتفاق عليه قبل توقيع الوثيقة بيوم في مدينة ريمز الفرنسية، والتي أعلن فيها الكولونيل جنرال يودل "الاستسلام غير المشروط لكل القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية للقائد الأعلى لقوات التحالف وفي نفس الوقت أيضاً للقائد الأعلى للقوات السوفييتية". وكان من المفترض أن تتوقف كافة العمليات القتالية في الساعة الحادية عشرة ودقيقة ليلاً في الثامن من مايو/ أيار. تقول الرواية الشائعة إنه، وبإلحاح من جوزيف ستالين، كان من المفترض إعادة هذه المراسم مرة أخرى في برلين، وذلك لعدم وجود ممثل رفيع المستوى للقوات المسلحة السوفييتية في ريمز. حول ذلك تقول مارغوت بلانك من المتحف الألماني الروسي في برلين: "لقد لعب ذلك بالتأكيد دوراً ما، إلا أن التأكيد على القيام بذلك جاء بشكل رئيسي من الجانب البريطاني، الذي أشار إلى أنه خلال الحرب العالمية الأولى، قامت قيادة الجيش الألماني بإرسال الحكومة المدنية للاستسلام، كي تقول في ما بعد إنها لم تُهزم في الميدان".

 

هل انتهى "الرايخ الثالث"؟

 

هذا الخوف من "طعنة ألمانية في الظهر" دفع البريطانيين إلى الموافقة على اقتراح ستالين، بحسب ما تقول بلانك. ولذلك، وجب على كبار قادة الجيش الألماني آنذاك توقيع وثيقة الاستسلام، وهم كايتل نيابة عن القوات المسلحة بأكملها، بالإضافة إلى الكولونيل جنرال شتومف عن سلاح الجو والجنرال أدميرال فون فريدبيرغ عن سلاح البحرية. التوقيع على وثيقتي الاستسلام في ريمز وبرلين جاء بالاتفاق مع القيصر الألماني آنذاك، كارل دونيتز، الذي أصبح الخليفة الرسمي للطاغية هتلر منذ انتحاره في الثلاثين من أبريل/ نيسان، والذي اتخذت حكومته مدينة فلنسبورغ مقراً لها بعد فرارها من برلين. حتى بعد التوقيع، بقيت تلك الحكومة رسمياً ممثلة لألمانيا، إذ يشير يوهانس هورتر من معهد التاريخ المعاصر في ميونخ إلى أن "الجيش فقط هو من استسلم، وليس الرايخ الألماني". وفي الثالث والعشرين من مايو/ أيار، ألقت قوة الاحتلال البريطانية القبض على دونيتز وعدد من أعضاء حكومته، أيضا بطلب من الأمريكيين بعد حصولهم على معلومات تفيد بإعدام عدد من الأشخاص بعد الثامن من مايو/ أيار بناء على أحكام أصدرتها محاكم عسكرية ألمانية. كل ذلك يعني أن "ساعة الصفر" لم تدق لكافة الألمان في الثامن من مايو/ أيار، فبالنسبة لإستر بيارانو، دقت تلك الساعة نهاية أبريل/ نيسان، عندما التقى الجنود الروس بنظرائهم الأمريكيين وأضرموا النار في صورة لهتلر وهم يهتفون فرحاً. ومن بين المشاركين في هذا الاحتفال فتيات يهوديات نجحن في الفرار من "مسيرات الموت" في أنحاء متفرقة من ألمانيا، والتي كانت بيارانو إحداهن. تتذكر إستر بيارانو، التي تبلغ الآن التسعين من العمر، تلك اللحظات بالقول: "لقد قاموا (الجنود) بتشكيل حلقة رقص حول تلك الصورة، بينما كنت أعزف الموسيقى لهم". كانت تلك اللحظة هي الأولى التي تقوم فيها بعزف آلة الأكورديون طوعاً، بعدما كانت فرقة العزف للبنات في معسكر الإبادة آوشفيتز فرصتها الوحيدة للنجاة. وتضيف إستر: "لقد كانت تلك لحظة تحرري. لقد أدركنا آنذاك أننا أصبحنا أحراراً".تم تحرير كافة معسكرات الإبادة والاعتقال بحلول الثامن من مايو/ أيار. ولكن ما هو مصير أولئك الذين تم تحريرهم منها؟ لقد هام العديد منهم على وجهه في ألمانيا بحثاً عن أقاربهم، بينما بقي آخرون لأسابيع عدة في المعسكرات التي كانوا معتقلين فيها بسبب الإرهاق الشديد. أما في معسكر الإبادة بيرغن بلزن، فقد أقام البريطانيون معسكراً للنازحين والمشردين.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم ألخالدي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
جواد العطار ... تفاصيل أكثر
السيد الزرقاني ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عمار عبد الواحد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زينب فخري ... تفاصيل أكثر
منذر فلاح ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
عماد الجابري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عقيل علي الذهبي ... تفاصيل أكثر