«وضوح أول» .. للشاعر طارق ياسين :صورة للشعر الشعبي العراقي الحديث

عدد القراءات : 434
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
«وضوح أول» .. للشاعر طارق ياسين :صورة للشعر الشعبي العراقي الحديث

ريسان الخزعلي

 

*... حلب يا بن غريبه.. يا غريب الگلب..

 

يا مصلوب فوگ إثبات كل ردّه.

 

حلب.. يلي سوادك سفن زنجيه..

 

رگص بيها الخليج وما نگص مدّه.

 

وأخذ من كل جرف مركب...

 

تجاره وگاع المحمره.

 

وحنين إمك.. لچه إبدمك.. خبز فقره،

 

ولبن فقره.

 

أبيض مثل كل ثوره

 

واسود مثل كل ردّه

 

...،

 

يا حلمان بالحلم الچبير ودولة الفقره

 

(مامش دوله للفقره)...**.. الشاعر الراحل /طارق ياسين/ من الشعراء المجددين في القصيدة الشعبية العراقية- بعد تجربة الشاعر الكبير /مظفر النواب/ وما أضافته هذه التجربة من فتوحات فنية وجمالية على مستوى اللغة وتشكيل الصورة وفهم فكرة الشعر ومعنى الشعر- وقد أضفى هذا الشاعر (طارق ياسين) هو الآخر، ملامح تجديدية مغايرة لتجربة النواب حيث الابتعاد عن التوتر الرومانسي، الانشغال بما هو فكري وفلسفي، إسقاط الهم الوجودي على تجربة الكتابة الشعبية، الاكثار من /نثر الشعر/ دون الالتفات الى الايقاع القادم من موسيقى الشعر، اختلاط المفردات الريفية والمد?نية، الالتفات الى تطور الشعر العربي والعالمي والاستفادة من التطورات الجديدة في الاشكال والمضامين، الميل الى المعنى الصادم في توليد قصائد قصيرة، تطويع النكتة وطرافتها في صياغات شعرية جديدة غير مسبوقة، الاشتغالات الحسية/ النفسية، التجريد والتحديد في مزاوجة فنية عسيرة، هموم يوميات المدينة، التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وانعكاساتها في نمط التوليد الشعري، الثورة والحلم والمستقبل، وعيه، وثقافته العالية حياتياً وفنياً.

 

*.. ان هكذا انشغالات واشتغالات، جعلت من شعره، وكأنه اللعبة الشكلية التي تبدو غريبة على القصيدة الشعبية العراقية، وذلك لغرابة النمط المحدث في نسيجها، حتى ان شعره يواجه احياناً (بالاستهجان) نتيجة هذه الغرابة من قبل المتلقي البسيط الذي ألف البساطة والوضوح، الا انه في التوصيف الشعري الدقيق شاعر كبير، يمتلك الشعرية والشاعرية في الفهم العميق للشعر وفكرة الشعر.

 

* سبق لهذا الشاعر ان اشترك في مجموعة (قصائد للمعركة) عام 1967 بعد نكسة حزيران، مع شعراء آخرين، كما أصدر مع الشاعرين الكبيرين الراحلين (عزيز السماوي وعلي الشباني) مجموعة (خطوات على الماء) عام 1970، كإشارة لحداثة اخرى، بعد صدور (للريل وحمد) عام 1969، كما ان قصيدته المعروفة (لا خبر) كانت سبباً في إعادة تقييم هذا الشاعر من قبل المتلقي العادي، بعد ان حظي بالأساس بتقييم المثقفين كونه شاعراً مثقفاً يجيد صناعة الابداع على مستويات عدة (قصيدة النثر بالفصحى، كتابة الراوية الحديثة- الكوميديا الوجودية، التي أعجب بها الشاعر الكبير سعدي يوسف وكتب عنها ولم تصدر حتى يومنا هذا، الامكانية الموسيقية في التذوق والتلحين، حيث لحن أغنية المشتعل گمره من شعر علي الشباني وغناها المطرب فاضل عواد، الكتابة النقدية).

 

*.. رحل هذا الشاعر، عام 1975، رحل مبكراً كعادة المبدعين قبل أن يرى صدور اعماله الابداعية، ومنها مجموعته الشعرية (وضوح أول) الصادرة عن دار ميزوبوتاميا بعد مرور (38 عاماً على رحيله) وبمقدمة للروائي سلام ابراهيم، وقد تمثل هذه المجموعة معظم أشعاره (بعض القصائد لم تدرج)، وسلام ابراهيم وعقليته ناهدة أم كفاح، كانا وراء هذا الجهد جمعاً وتنضيداً كما جاء في المقدمة (مخطوطة الأشعار عثر عليها اصدقاؤه في غرفته بعد وفاته فجمعوها من قصاصات مبعثرة في دفتر صغير أحتفظ بنسخة منه في مكتبتي)..، و /وضوح أول/ تضم 41 قصيدة من بينها قصيدته الطويلة (حلب بن غريبة المستقاة من قصة للقاص فهد الأسدي في مجموعته طيور السماء). والشاعر طارق ياسين في هذه المجموعة، يثير الاسئلة الكثيرة، مما يعكس قدرات فنية وجمالية على مستويات عدة، من بينها، جماليات اللغة والرمز والصورة الشعرية (وقد كتبت عن هذه الجماليات في مخطوطتي الشعر الشعبي العراقي الحديث، حدود التجربة واللون، دراسة في الجوانب الابداعية للقصيدة الشعبية الحديثة، ونشر فيما يخص الشاعر طارق ياسين على هذه الصفحة سابقاً) لذا سوف لا أكرر ما قلته، واكتفي باشارات عن هذه المجموعة الرائدة والتي تمثل صو?ة للشعر الشعبي العراقي الحديث، ابتهاجاً بصدورها وترسيخاً لذكرى هذا الشاعر المجدد، صاحب الحضور المستمر، ومثير الأسئلة الوجودية.

 

*.. گتلي هاك.. هاك الأبرة.. هاك الخيط

 

شد جرحك

 

وما مديتلك إيدي وگمت أضحك

 

أو شفت الحيره بعيونك سؤال..

 

أكبر امن الأبرة..

 

والخيط، وعقلك ونصحك.

 

والسكته عذاب وياك

 

وأخذت ايدك الأخرى وسكنت وياك

 

ومن بين الدمع گتلك:

 

لا تحتار بالمرّه

 

آنه جرحي ابضميري ما تلوحه إبره

 

ولا يندل عذابه الخيط من برّه..*

 

*.. ومن بين الاشارات التي لا بد من إيرادها:

 

1- وضوح أول.. كتابة شعرية حداثوية، تمثل نمطاً في القصيدة الشعبية العراقية، بعيداً عن الشكل والنمط النوابيين عدا قصائد البدايات.

 

2- طارق ياسين.. شاعر مدينة واشتغالات فكرية وفلسفية ومعرفية:

 

*.. الشمعه من يگضي ضواها..

 

الليل هم يگضي اوياها.

 

اختبي بنفنوف ضيگ..

 

حته تتعلم شنو معنى النفاهه

 

الليل أملس والضوه مثل الحجاره

 

الليل أملس وانت حلمك خشن يزلگ ع المخده

 

الليل أملس مثل زبده..*

 

3- طارق ياسين.. يبحث عن كشف سريّة التعب والملل والضيق والعمق القصي في الحب ومعنى الحب، والصداقات الذاهبة الى الفراق القسري:

 

*.. تشبهني واشبهك.. صرنه إحنه اثنين

 

من إتضيع تلگاني..، او تلگاني من تضيعني

 

او من نتلاگه آنه اوياك.. نتضيّع سوه ونحتار

 

تشبهني واشبهك والشبه ثاني وضوح..*

 

4- طارق ياسين.. يكتب الشعر الشعبي بوعي الشعر العالمي وتحولاته الفنية.

 

5- /وضوح أول/.. قصائد الاسئلة الوجودية والغنائية الملتبسة، والضجر اليومي من ايقاعات حياة بلا حياة، والانحياز لبطولات يتمناها بعيداً عن سلطة الايدلوجيات.

 

6- /وضوح أول/.. تتمثل التكوين النفسي والروحي للانسان، والبعد الآخر في اسباب وجوده واندحاره المستمر.

 

*.. في اشارة اخيرة.. ان قصائد المجموعة لم تكتب بطريقة سليمة وقد اكتفت وأخذت بالنطق دون الأملاء الصحيح، كما ان سقوط بعض الكلمات يشكل عثرة في القراءة والتلقي، وهذه الاشارة لا تقف ابداً امام تلقي هذه المجموعة الرائدة التي ينتظرها الوسط الثقافي منذ عقود زمنية، وان صدورها يمثل صورة في اكتمال مشهد الشعر الشعبي العراقي الحديث.

 

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

إحسان جواد كاظم على ضوء تمددها الجغرافي في العراق وسوريا, تقوم داعش بين فترة واخرى بنشر خرائط لحدود دولتها المزعومة .وهي سبق واعلنت عدم اعترافها بحدود ... تفاصيل أكثر
ابراهيم الخيكاني استفزني اليوم وانا اطالع الوكالات الاخبارية، خبر عن وزارة التخطيط مفاده ان :- "وزارة التخطيط اعلنت، امس، ارتفاع نسبة الفقر في العراق الى اعلى ... تفاصيل أكثر
 عبد المنعم الاعسم     لا يختلف الكاتب والمبدع والفنان، في فصيلة دمه، وحقوقه المدنية، عن معلم المدرسة وبائع الخضروات وموظف البلدية، ولا تختلف نساء ذلك الوسط ... تفاصيل أكثر
علي علي    ليس بمقدور أحدنا أيا كان البت في أحداث الغد، إلا من باب التوقع والتخمين، وإن حدث وتطابقت مع الواقع فعلا فقد كذب المنجمون ... تفاصيل أكثر
وجيه عباس     للشرطة وجوه كثيرة، حتى الان اتذكر ماقاله لي اللواء المتقاعد عبدالاميرحسن جنيح انه حين كان يزور الجزائر في السبعينيات مر موكب احد الرؤساء ... تفاصيل أكثر
ابراهيم الخيكاني مع اقتراب ايام شهر محرم، وتذكر العالم الاسلامي فاجعة الامام الحسين (عليه السلام) التي اصبحت درسا ودستورا تسير عليه الشعوب في الحاضر، وواقعية ما ... تفاصيل أكثر
سعدي السبع اتخذ بعض السياسيين والمسؤولين من حال النازحين مادة خصبة لاطلاق التصريحات الاعلامية التي تتباكى على عراقيين وجدوا انفسهم خارج منازلهم ومناطقهم جراء العمليات العسكرية ... تفاصيل أكثر
ليث الياسري عانت المرأة المسلمة في السنوات الماضية من قرارات الاتحادات الدولية بمختلف الألعاب من عدم السماح لها باللعب وهي ترتدي الحجاب الأمر الذي ابعد الكثير ... تفاصيل أكثر
ابراهيم الخياط      السيرك هو مجموعة من الفنانين الرحالة، ويشمل البهلوانات، المهرجين، المشعوذين، الحيوانات المدربة، لاعبي الأراجيح، لاعبي الخفة، الموسيقيين، والسائرين على الحبال المشدودة، وغيرهم من ... تفاصيل أكثر
علي علي    أظن أن مقولة: (الأمثال تضرب ولاتقاس) لاتصح في كل الأحوال ولاتنطبق على كل الأمثال، فكما أن هناك أمثالا تضرب وتقاس.. وأخرى تضرب ولاتقاس.. ... تفاصيل أكثر
 د. علي حداد    تتكيف الصلة بين الشعر والبصرة والمربد في نسق من الاستجابات المثيرة ، فما أن يذكر الشعر العربي ـ والعراقي بخاصة ـ حتى ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي    من جديد تجمعنا البصرة، هذه المدينة التي تنزّ شعراً وأدباً مذ سرت فيها الحياة حين ولدت ككبرى مدن العراق القديم، ومن جديد يحتضننا ... تفاصيل أكثر
 كاظم فنجان الحمامي لولا الضالون المضللون ووعاظ السلاطين والمنساقون وراء أهواء زعماء الأنظمة العربية المنحرفة لما أينعت أشجار الفكر الانتحاري، ولما أشيعت ثقافة الموت في ... تفاصيل أكثر
نعمة كاظم عاصي مما لايقبل الشك أن الاشاعات الكاذبة والكيدية تعمل على زعزعة الأمن والأستقرار وزرع الذعر والهلع والخوف في نفوس العديد من أبناء المجتمات المتعلمة ... تفاصيل أكثر
عبد المنعم الاعسم محقة دعوة رئيس الوزراء حيدر العبادي الى توحيد خطاب السياسيين المحسوبين على العملية السياسية حيال المشروع الارهابي الذي يداهم وجود العراق، وهي ... تفاصيل أكثر
علي علي    لو جمعنا ماكتب عن مسؤولي البلد وساسته السابقين -واللاحقين- وتقصيراتهم المتعمدة وغير المتعمدة، لا أظن أن مكتبة بحجم قصر شعشوع بإمكانها احتواء كل ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي    في كانون الثاني من عام 2011 وبعد بدء ما يسمى بالربيع العربي، أعد المفكر المعروف نعوم تشومسكي قائمة بالطّرق التي تستعملها وسائل الإعلام ... تفاصيل أكثر
صالح المحنه أشدُّ مايُعاني منه الداعشيون من الأولين والآخرين ويسبب لهم القلقَ والخوف هو ذكر الحسين بن علي عليه السلام. لذا تراهم اليوم وكما هو ديدن ... تفاصيل أكثر
عباس المرياني لم يكن القرار الذي اصدره القضاء السعودي باعدام رجل الدين اية الله نمر النمر مفاجئا للكثير من المعنيين والمتابعين، بل كان متوقعا ومتوافقا تماما ... تفاصيل أكثر
عبد المنعم الاعسم يحدث ان تتشابه وتتداخل الدلالات والمرارات وإن كانت متباعدة في المكان والزمان واسماء اللاعبين، كما يحدث ان يكون اي واحد منّا بطل قصة، ... تفاصيل أكثر