غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة.. (سيرة ذاتية) للدكتور صلاح نيازي

عدد القراءات : 2643
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة.. (سيرة ذاتية) للدكتور صلاح نيازي

تسنى لي في ربيع العام الجاري (2013) اللقاء بالأخ الدكتور صلاح نيازي في احتفال تأبيني حزين, في الذكرى التاسعة والثلاثين للعدوان الذي نفذه النظام البعثي الدكتاتوري بالعراق ضد جامعة السليمانية في العام 1974 في مدينة قلعة (ديزه) مستخدماً طائراته الحربية في قصف الاحتفال ببدء الدراسة فيها. فراح ضحية هذا القصف المجرم 167 شهيداً ومئات الجرحى والمعوقين. وجهت الدعوى لكلينا من الأخ والصديق رئيس المجلس المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني الأخ الأستاذ عادل مراد. وإذ قدمت كلمة قصيرة في هذا الاحتفال, القى الصديق صلاح نيازي قصيدة رائعة حول تلك المجزرة اللعينة والفاجعة الحزينة التي كان قد كتبها في العام 1989 جاء فيها: قال لي صديقٌ هاربٌ توّاً:

كنتُ مثلَ أعمىً مهدّدٍ بالاغتيال

يركضُ في كلّ اتجاه وأُذُناه في دردور

كيفَ تُواسي أعمى مهدّداً بالاغتيال؟

اتخذ الجنودُ مواضعَ الرمي بالذخيرةِ الحيّة

عينٌ مغلقةٌ، وعينٌ محشوّةٌ بالرصاص

سدّوا الطرقات، كالأسلاك الشائكة

آلاف الآدميين بثياب النوم

داخلَ اللوريّات الخاكية

مائةٌ وثلاثون ألفَ صراخ محصور

ممنوع عليها الأكلُ والشربُ والمراحيض

كمْ طفلٍ بال على نفسه من الخوف الآن

وخلال وجودنا المشترك ومع مجموعة من الأصدقاء في السليمانية لمدة أسبوع ازدادت المعرفة بيننا وشرفني بإهدائي بعض كتبه, ومنها كتابه المعروف : "غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة" سيرة ذاتية للكاتب صلاح نيازي..

الدكتور صلاح نيازي شاعر وكاتب ومترجم عراقي قدير بتميز, يعيش منذ العام 1963 في لندن وصاحب مجلة الاغتراب الأدبي التي أصدرها في العام 1985 واستمرت حتى العام 2002 بجهود فردية استثنائية وبدعم من زوجته الكاتبة والقاصة العراقية سميرة المانع.ومن اطلع على المجلة يدرك الدور المهم الذي لعبته في نشر الفكر والثقافية الديمقراطية والتقدمية وفي مواجهة الفكر والثقافة الصفراوين حينذاك.

كان صلاح نيازي وما يزال غزير الإنتاج شعراً وأدباً, إضافة إلى أبحاث ودراسات ومقالات, ومجموعة من الكتب الغنية والمهمة وكذلك ترجمات لكتب ذات أهمية في الحياة الأبية والثقافية العالمية. نشر صلاح نيازي في المجالات التالية:

** " ترك صلاح نيازي العراق في العام 1963 على اثر الانقلاب الدموي الذي وقع 8 شباط الدموي ضد الجمهورية الأولى واعتقل وأسيء إليه, كما أسيء إلى الكثير من أبناء وبنات الشعب العراقي وعذب منهم الألوف المؤلفة وقتل المئات من خيرة أبناء وبنات الشعب.واجه حياة الغربة والاغتراب الداخلي حتى حين كان في الوطن. والكتاب سيرة حياة ذاتية للكاتب فريدة من نوعها ومليئة بالأحداث والمفاجآت. الكتاب يختلف عن عشرات الكتب التي سجلها أصحابها باعتبارها سيراً ذاتية. ولم تكن تماماً كذلك. لقد ارتدت غالبية من كتب سيرته الذاتية أقنعة وكتبت ما تشاء واعتقدت بأن الناس لا يرون وجها الحقيقي أو لم تقرأ عنها شيئاً ولا تعرف سيرتها. أما كاتبنا المميز فقد خلع كل الأقنعة التي كان في مقدوره أن يرتديها, وهو القدير, وفضل الاستلقاء على سرير طبيب نفساني هو ذاته, وترك لنفسه حرية الحديث المفتوح والصريح والشفاف عن نفسه والصادق مع نفسه وعن معاناته ليتخلص علله النفسية وأوجاعه الجسدية psychosomaticالتي تسبب بها المجتمع والنظم السياسية التي سادت العراق والتي طاردته طوال عقود. والسؤال المشروع هو: هل تخلص منها بعد أن نكثها عن نفسه؟ أشعر, كما هو يرى ذلك أيضاً, إنه ما يزال يحمل بقايا من تلك العلل والأوجاع التي تحدث عنها في كتابه ولم يبل منها تماماً, ومن يرافقه لفترة يستطيع أن يتلمس ذلك ويدرك الأسباب الكامنة وراء ذلك والتي شخصها الدكتور صلاح نيازي ذاته بجرأة ومسؤولية عالية.

استناداً إلى هذا التقدير, وربما أكون مخطئاً فيه, وجدت أن الكاتب قدم لنا كتاباً تحليلياً عميقاً غاص في عمق المجتمع العراقي الشرقي ونشر غسيله بقوة وحيوية عالية وقناعة تامة, فهو يحمل في ثناياه تناقضات الإنسان والمجتمع والحياة ذاتها والكاتب في آن.والكتاب ليس جديراً بالمطالعة فحسب, بل يسهم وإلى حدود جيدة في مساعدة الإنسان على التعرف على نواقصه ومشكلاته وعلله, وخاصة أولئك الذين يريدون كتابة سيرهم الذاتية أو من يعمل في الشأن العام, وأنامنهم, من أجل أن يفيدوا أنفسهم وينفعوا الناس.

الكتاب يحمل إصالة وفرادة في آن. استخدم الكاتب لغة بارعة رشيقة وأنيقة وفيها أحياناً زمجرة الأسد الجريح أيضاً.اللغة التي كتب بها الكتاب ذات نكهة شعرية جميلة يحس القارئ أو القارئة من خلالها بمعاناة الكاتب في اختيار الكلمة والجملة المناسبتين رغم سلاسة ما وصل إلينا منه. فالكلمة لها جدليتها الخاصة ومكنوناتها. 

لم يكن صلاح نيازي وحده في الحالة التي عاش بها بالعراق أو حين خرج منه, حين كان يتمنى أن يموت بعيداً عمن يريد قتله بطريقة أخرى غير التي هو يريد الموت بها, ولكن ليس كل هؤلاء حملوا ذات الهموم وذات المشاعر وذات الأحاسيس التي حملها وعبَّر عنها صلاح نيازي بكتابه المفعم بروح إنسانية حالمة. حين تقرأ كتابه "غصن مطعم في شجرة غريبة" يفرض عليك الكاتب أن تحلق في فضاء أوسع, فعنوان الكتاب حمال أوجه عديدة ومعانٍ كثيرة وأبعادٍ عديدة, إنه اللحن الجميل والمعذِب, إنه لحن الحياة النابض المزروع في أرض قاحلة, إنه لحن الواحة في سراب الصحراء الممتد بعيداً في الأفق, إنه الغصن المعطاء والمطعم في شجرة مزروعة في أرض سبخاء.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر