واقعة كربلاء في مسيرة الإسلام

عدد القراءات : 6857
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
واقعة كربلاء  في مسيرة الإسلام

المتأمل في حركة الإمام الحسين عليه السلام الإصلاحيّة بجميع جوانبها ، يدرك بوضوح أهمية هذه الحركة ، وموقعها في مسيرة الإسلام التكامليّة . يدرك حقيقة اتصال هذه الحركة وارتباطها بواقع المسلمين كلّ المسلمين ومدى تواصلهم بحقيقة الإسلام الناصعة .التأمل في حركة الإمام الحسين عليه السلام يكون على عدّة مستويات وأبعاد؛

السيد مجيد المشعل

 

المستوى الأوّل 

الشخصيّة القياديّة التي قادت هذه الحركة الإصلاحيّة ، والشخصيّات التي شاركت في هذه الحركة وتفاعلاتها المختلفة على مستوى الرجال والنساء.. أمّا بالنسبة للشخصيّة التي قادت الحركة ، فهي من عظماء الشخصيّات في الإسلام ، هو الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الإسلام الكريم ، هو من تربّى مع أخيه الإمام الحسن عليهما السلام في أحضان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وكان يوصي دائماً بحبّهما وإكرامهما ، ويحذّر من أذيّتهما ، فها هو يقول ( ص ) : (.. اللهم إنّي أسألك فيهما ( أي في الحسنين ) ما سألك إبراهيم في ذريّته، اللهم أحبّهما وأحبّ من يحبّهما ، والعن من يبغضهما ملء السماء والأرض ) . وقال ( ص ) : ( حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ اللّه من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط ) ، وجميع المسلمين – حتّى من يتوقّف في إمامتهما المنصوصة من النبي الكريم – يعظّمونهما ويكرّمونهما ، عدا بعض الشواذ والمعاندين . 

أمّا الشخصيات التي شاركت في هذه الحركة ، فهم كذلك من أعاظم الشخصيات في الإسلام ، سواء على مستوى الرجال أو النساء ، فبعضهم من أهل بيت النبي الكريم ، من أبناء عليّ والحسين والحسن عليهم السلام ، وأبناء عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ، وأبناء عقيل بن أبي طالب ، وغيرهم ، ومن لم يكن من أهل بيت النبي ( ص ) ، فهو من الصحابة الكرام أوالتابعين بإحسان ، من العبّاد وحفظة القرآن والصالحين ، فهم من خيرة أبناء الإسلام والمجاهدين في سبيله .

 

المستوى الثاني 

أهداف الحركة والثورة الحسينيّة.. نستطيع أن نجمل أهداف حركة وثورة الإمام الحسين عله السلام ، في الإصلاح في مسيرة الإسلام التي مرّت بعد حقبة الخلافة الرشيدة بانتكاسة خطيرة كادت أن تمحق الهويّة الإسلاميّة ، وتميت ضمير الأمة المسلمة . في مثل هذا الظرف الصعب ، وهذه الحقبة المظلمة والعصيبة من تأريخ الإسلام والمسلمين ، تحرّك الإمام الحسين عليه السلام لنجدة دين جدّه المصطفى ( ص ) ، والإصلاح في أمتّه ( ص ) ، وقد بيّن الإمام الحسين عليه السلام أهداف ثورته في مواقع مختلفة ، فها هو يقول في وصيّته لأخيه محمّد بن الحنفيّة حين عزم ( ع ) على الخروج من المدينة موضحاً هدف حركته وخروجه على يزيد : (.. وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (ص) ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب ، فمن قبلني بقبول الحق فاللّه أولى بالحق ومن ردّ علي هذا أصبر حتّى يقضي اللّه بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين )، وقال في خطبة له عليه السلام في أرض كربلاء: (الحمد للّه، لا قوّة إلاّ باللّه، إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ، ولم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به ، وإلى الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً ، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برما). وخطب عليه السلام فقال: (.. ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتولوا عن طاعة الرحمان ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام اللّه وحرّموا حلاله ، وإنّي أحق بهذا الأمر ( أي بالتغيير ) لقرابتي من رسول اللّه .. ) .

 

المستوى الثالث 

النتيجة النهائية للحركة.. نهاية الحركة الحسينيّة التي تمثّلت في معركة كربلاء وما بعدها من مآسٍ ، جسّدت صورتين متنافرتين ، وخطّين متناقضين ، جعلت الأمة الإسلاميّة بين مفترق طرق ، وبين خيارين مصيرييّن ، تحسّد في واقعة كربلاء , الخط الإسلامي الأصيل المضحّي في سبيل الدين بكلّ غالٍ ونفيس , من جهة ، والخط المنحرف المعاند الذي غلبت عليه شقوته ، وباع دينه وآخرته بدنياه بل بدنيا غيره ، فأقدم على أبشع الجرائم وأعظمها في تأريخ الإسلام من جهة أخرى. قدّمت كربلاء لوحة رائعة لواقع الأمّة الإسلاميّة في ارتباطها بالإسلام ، في جانب منها صورة للإسلام الأصيل الخالص الذي ينبض بالتوحيد ويتواصل مع الرسول الكريم ( ص ) في منهجه ومسيرته ، وفي الجانب الآخر صورة للإسلام المحرّف المفرّغ من محتواه الحقيقي ، الذي لا يتجاوز الانتماء الإسمي لرسالة السماء ، من غير أي التزام بقوانينها وحدودها وأخلاقها .هكذا جعل الإمام الحسين عليه السلام المسلمين على مرّ التأريخ على مفترق طرق ، وأمام خيارات مصيريّة ، ترتبط بواقع الارتباط بالإسلام وأهدافه المقدّسة .وحركة الإمام الحسين عليه السلام وثورته المقدّسة ، لا يحدّها الزمان والمكان لأنّها مبدئيّة مرتبطة بمبادئ الإسلام ، وجدت لإحياء الإسلام الأصيل في ضمير الأمّة الإسلاميّة ، وسوف تبقى كذلك على طول الخط .وهذه مسؤوليّة جميع المسلمين ، نعم مسؤوليّة جميع المسلمين ، لأنّ الإمام الحسين وحركته ليست مختصّة بجماعة معيّنة ، بل هي ملك للإسلام ، وللأمّة الإسلاميّة ، وتعتبّر من تراثه ومخزونه الحركي الأصيل ، الذي هو ملك جميع المسلمين ، بل هي مفخرة للإنسانيّة الحرّة جمعاء ، لذا لا غرو أن نجد التواصل من جميع المسلمين ، بل جميع الأحرار في العالم مع هذه الحركة والثورة العظيمة.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ام البنين حسن ... تفاصيل أكثر
يحيى الحياني حزام بغداد، هو تلك المنطقة التي تحيط ببغداد من جوانبها الأربعة، ومنذ سقوط النظام السابق عام 2003 أصبحت هذه المناطق ساحة للنزاع الطائفي والتهجير ... تفاصيل أكثر
   لا يمكن الإقرار إطلاقا  بأن الأجندات الخارجية وحدها هي من تقف وراء الجماعات التكفيرية الارهابية التي اجتاحت ما تسمى بالمدن السنية، فالعاقل والواعي يعلم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. غالب الدعمي ... تفاصيل أكثر
عمار العامري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
مصطفى الهايم ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
صادق الهاشمي الرد على المحلل السياسي العراقي محمود الهاشمي ... تفاصيل أكثر
حسين الذكر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عمار العامري ... تفاصيل أكثر
الشيخ طه العبيدي  لطالما طبَّلت طبول الشر والعدوان داعمة الدولة المزعومة على أرض العراق والشام، وجنّدت لها الجيوش وأنفقت مليارات الدولارات في شراء الذمم والنفوس ... تفاصيل أكثر