الإحسـان للآخرين إحسـان للـذات

عدد القراءات : 16314
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الإحسـان للآخرين إحسـان للـذات

علي حسين عبيد  

 

ينظر كثير من الناس الى الاحسان كمفردة واضحة المعنى ولا تحتاج الى تفسير، وأن لفظها يدل على معناها البسيط، ولكن الاحسان في حقيقة الامر أعمق من المعنى اللفظي بكثير، وكذلك يظن كثيرون أن الاحسان، يتمثل بخدمة الآخرين على حساب الذات، وعندما يقوم الانسان بأعمال وأفعال يُحسن بها للاخرين، إنما يضحي من أجلهم فقط على حساب نفسه وراحته ومصالحه، لكن الامر ليس كذلك قطعا، فعندما تقدم الاحسان للاخرين، فلا يقتصر الامر على فوائد تقدمها لهم، وليس هم وحدهم المستفيدون من ذلك. إن فائدة الاحسان الأهم، تتمثل بالفوائد الكبيرة التي يحصدها من يقدم الاحسان لغيره، وبهذا يمكن ان نفهم ونستدل على أن الاحسان لا ينحصر بالاخرين، وانما تشمل فوائده صاحب الاحسان بالدرجة الاولى، وفي مقدمة هذه الفوائد دنيويا، الراحة النفسية الكبيرة التي يعيشها ويشعر بها الانسان المحسن لغيره، واذا اردنا ان نذهب الى آفاق أبعد، فإن الجزاء الالهي عن الاحسان سوف يكون كبيرا في الآخرة، كما تدل على ذلك آيات قرآنية كثيرة، واحاديث شريفة تؤكد هذا الامر، لذلك على الانسان أن يفهم بأنه صاحب الفائدة الأكبر عندما يحسن بأفعاله وأقواله ونواياه للناس الآخرين. لهذا السبب يشمل الاحسان المحسن والمحسن إليه في وقت واحد. 

 

مصاديق الاحسان

لابد أن يندمج الاحسان مع روح الانسان وتفكيره، حتى يلازم افعاله طيلة حياته، فيتحول من صفة ربما تكون مؤقتة او مرحلية، الى ملَكة لا تزول إلا بزوال الانسان وانتقاله من الدار الاولى الى الاخرى. فكثيرة هي مصاديق الاحسان، تبدأ من الكلمة لتنتهي الى الافعال والمواقف الكبيرة، ولكن كل هذه الامور والجوانب الفرعية التي تدخل ضمن الاحسان للاخرين، لابد أن تتأطر بوعاء كبير جدا يمكن أن نطلق عليه بـ (الاخلاق الفاضلة)، فالاحسان منبعه الاول والدائم هو الاخلاق التي يتحلى بها الانسان وهو يتعامل مع الاخرين، إذ غالبا ما نجد الناس من حملة الاخلاق الفاضلة، يقدمون الآخرين على أنفسهم ومصالحهم، وهم بهذا السلوك الاخلاقي الكبير، يؤكدون قدرتهم الفعلية على نكران الذات والاحسان للاخرين، فالاخلاق هنا من اهم مصاديق الاحسان. وهكذا سيكون الانسان مستعدا لمبدأ الاحسان ليس في القول فقط وانما القول المقرون بعمل الخير دائما. والسبب هو ايمان الانسان بما لا يقبل الشك بأنه بسلوكه هذا في الاحسان للناس انما يقدم ذلك لنفسه وللاخرين في وقت واحد. وبهذا لا يكون هناك تناقض مصلحي بين الاحسان والعمل من اجل الاخرين وبين المصلحة الذاتية لصاحب الاحسان، فربما تساور بعض الناس افكار مفادها انك عندما تبذل جهدا ماديا او معنويا من اجل قضاء حاجة الاخر، انما يتم ذلك على حساب الذات وحدودها، لكن الامر ليس كذلك بطبيعة الحال، فالتعامل مع الاخرين بالاحسان يجلب السعادة للانسان ويجعله مرتاح البال والضمير، كونه يسهم في قضاء حاجات الناس ولا يحصر الفوائد المادية والمعنوية في شخصه فقط.

 

الإحسان بلا منّ

لذلك لابد ان يجعل الانسان من تفكيره عاملا مساعدا على المضي في نهج الاحسان للاخرين، ويبعد عن تفكيره كل الامور التي تدفعه لتفضيل الذات، والامتناع عن نهج الاحسان في التعامل مع الناس، لان هذا النوع من التعامل ينم عن انانية قاتلة، تجعل الانسان صغيرا ومكروها في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه، لهذا لابد ان يتنبّه الانسان على تلقين نفسه بصورة دائمة وجادة وصادقة لقضاء حاجات الاخرين، ولا يمكن ان يتحقق هذا الهدف، أو يترسخ في السلوك الذاتي للانسان، ما لم يشعر بأنه في إقدامه على الاحسان للاخرين، انما يكنز لنفسه ثروة طائلة. وثمة اشتراطات لابد من توافرها عندما يحسن أحدنا للاخرين، حتى يكون الاحسان مكتملا، لا ترافقه حالات الاذى التي قد تحدث احيانا عندما لا يكون عمل الاحسان نابعا بصدق من الذات، أي أننا عندما نحسن للاخرين ينبغي ان يكون الاحسان نابعا من داخلنا بقول تام، وكأننا نقدم هذا الاحسان لأنفسنا، لأنه يحدث أحيانا أن ترافق حالات الاحسان لدى بعضهم نوع من المنّ، حيث يبدأ المحسن بالتشهير بالآخر امام النوس ويصرّح في العلن انه أحسن لهذا أو لذاك بهذا العمل أو ذاك، وهكذا يضيع فعل الاحسان هباءً. إذ يشترط بفعل او عمل الاحسان أن لا يقترن بمنّ المحسن على المحسن إليه، وبهذا لا يكون عمل الاحسان كاملا، أما عندما لا يقترن هذا الفعل او العمل بالمنّ فإنه سيكون فعلا نابعا من ذات الانسان بصدق، يبتغي من ورائه قضاء حاجة الناس من دون مقابل، وسوف يكون جزاؤه بانتظاره عند الله سبحانه. لذلك لا يصح عمل الاحسان اذا اقترن بالمنّ، او حينما يحدث تحت هاجس الاستفادة المادية او المعنوية ممن نحسن إليهم، لان اساس الاحسان ان يكون بلا مقابل، اما النفع الحقيقي لمن يحسن للناس فهو موجود  ومحفوظ له عند الله  تعالى.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
قدوري العامري ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
    عاصف حميد رجب      سالت قلبي الصغير.. لماذا التردد في العظمة من الامور وتكتفي بانحراف رجفة القلب ويهتز وينبض بقوة  خطرة؟ .هذا في الخيال فالقلب صغير ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر