انقلاب 8 شباط 1963.. والدروس المستفادة

عدد القراءات : 1825
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
انقلاب 8 شباط 1963.. والدروس المستفادة

نوري صبيح

إن انقلاب 8 شباط 1963(14 رمضان ) كان  من صنع وتدبير الولايات المتحدة الأمريكية/ المخابرات الأمريكية (C.I.A) وعن طريق حليفهم المنفذ حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تمكنت قيادته آنذاك من إعادة تنظيمه ليتمكن من القبض على السلطة. وفي حوالي منتصف كانون الأول 1962 تقررت خطة الانقلاب وحددت ساعة الصفر وبدأ تنفيذ الخطة في 4 من هذا الشهر بإعلان إلأضراب للطلبة القوميين في مدرسة الشرقية الثانوية في بغداد ، وانتشر الإضراب ليشمل كل المدارس الثانوية ، وليشمل الجامعة في 29من الشهر نفسه.لكن اعتقال علي صالح السعدي (أمين سر القيادة القطرية للبعث) والمقدم صالح مهدي عماش(عضو المكتب العسكري) جعل الحزب يعجل بتنفيذ ضربته.وانطلقت في الصباح الباكر شرارة الانقلاب باغتيال الزعيم جلال الأوقاتي القائد الشيوعي للقوات الجوية .وعند الساعة التاسعة تقريبا قصفت طائرتان وزارة الدفاع التي كانت مقر الزعيم عبد الكريم قاسم .وكانت الطائرتان تحت أمرة الرئيس الجوي البعثي منذر الونداوي. وفي أثناء ذلك ظهر الحرس القومي من الاعظمية بقوة في محيط معسكر الرشيد ، وسرعان ما انضمت إليهم عناصر من كتيبة الدبابات الرابعة ،التي سيطر عليها البعثيون بقيادة العقيد الركن خالد مكي الهاشمي ، في حين تمكن طاهر يحيى بمزيج من الوعود والتهديدات من السيطرة على معسكر الرشيد رغم ممانعة الشيوعيين.وتمكن عبد الكريم مصطفى نصرت من حصار وزارة الدفاع بمزيج من الجنود والحرس القومي، وبعيدا عن بغداد تمكن عبد السلام عارف واحمد حسن البكر من الاستيلاء على محطة البث في أبي غريب.
وصل الزعيم قاسم إلى وزارة الدفاع. وبينما كانت الحشود المهتاجة في الخارج تطلب السلاح، وفي الوقت الذي كان الوطنيون والشيوعيون يتصدون للانقلابيين يومي 8 ,9 شباط ببعض الأسلحة الخفيفة والسكاكين ،والحجارة، والعصي ،وهم يوجهون النداء تلو النداء لعبد الكريم قاسم لتوزيع السلاح عليهم لمقاتلة الانقلابيين ،رفض قاسم كل تلك النداءات ،مدعيا انه سوف يقضي على قوات الانقلابيين خلال ساعات ،وكان أمله في تلك العناصر الانتهازية والخائنة ،التي إئتمنها واعتمد عليها ،وسلمها قيادات القطعات العسكرية، بعد أن أزاح كافة القيادات الوطنية المخلصة حقا والمدافعة بإيمان وعزم وتصميم عن الثورة.
والجماهير الشعبية العادية التي الزعيم قاسم ،هي  من سكنة الصرائف في المجزرة(الميزرة) والشيخ عمر وباب الشيخ  وقنبر علي والفضل و ابو سيفين واغلب المناطق الشعبية الفقيرة في جهة الرصافة من بغداد ،واستقر الزعيم في مكتبه ليتباحث وليزن مع اقرب معاونيه(وصفي طاهر ، طه الشيخ أحمد ، عبد الكريم الجدة، وفاضل عباس المهداوي)الوسائل التي تمكنه من مواجهة الحركة، ومن أصل (1500) رجل الذين كانوا بتصرف الزعيم قاسم داخل وزارة الدفاع لم يبق غير (1000) رجل قاتلوا بشراسة،ولم تنه المعركة إلا ظهر اليوم التالي  9 شباط وتم اعتقالهم منتصف ذلك النهار.وبعد مواجهة قصيرة مع أعضاء مجلس قيادة الثورة حاول عبد السلام عارف خلالها، دون جدوى الحصول من (الزعيم قاسم) على اعتراف بأنه وحده(أي عارف نفسه خطط لثورة 14 تموز 1958) أجريت للزعيم قاسم و رفاقه محاكمة ميدانية عسكرية وحكم عليه بالإعدام بإطلاق النار عليه من قبل فرقة إعدام. أرسى انقلاب 8 شباط 1963 سابقة خطيرة جديدة في تاريخ العراق السياسي، فهي المرة الأولى التي تنجح المعارضة بانقلاب ضد السلطة، بينما كانت الانقلابات الأخرى تصدر من داخل المؤسسة العسكرية الحاكمة ، ضمن دائرة الصراع على السلطة، وهي المرة الأولى التي يخضع فيها العراق إلى حكم الحزب الواحد، وهي المرة الأولى التي تظهر فيها سلطة القرية بديلا للسلطة القومية والوطنية. في الأيام الأولى للانقلاب كان هم البعثيين "هو تأمين السلطة والقضاء على أية مقاومة مسلحة بكل الوسائل الممكنة فأجيزت أجهزة التحقيق التي شكلها الأنقلابيون لتحقيق نتائج سريعة.
كانت قيادة الحرس القومي المكلفة بحماية النظام قد أمعنت في تضييق الخناق على الشيوعيين، لن القيادة السياسية للبعث استمرت حتى ما بعد استلامها السلطة في تشخيصهم كخطر أول على سلطتها .وبأنهم الوحيدون الذين يمتلكون قوة فعلية منظمة ومعادية على الأرض ، ولأن قيادة الحرس أدركت جيدا أمكانية توسع الجيوب الشيوعية الناجية المتمركزة أساسا في بغداد مرة أخرى.
وهكذا اسقط في يد عبد الكريم قاسم ،وخابت آماله ،وفات الأوان، واستطاع الانقلابين اغتياله ،واغتيال ثورة الرابع عشر من تموز، وجرت حملة تصفية جسدية لمعظم القادة الوطنيين ،مدنيين وعسكريين وبشكل خاص قادة الحزب الشيوعي وكوادره.
لقد كان حكم حزب البعث ،وبالتعاون مع القوميين ،خلال تسعة أشهر تلت انقلابهم المشؤوم في 8 شباط 1963 ،حكما دمويا لم يشهد له العراق مثيلا من قبل ،وكان جل همهم تصفية العناصر الشيوعية والوطنية ،كأنما لم يأتوا إلى الحكم إلا من أجل تنفيذ هذه المهمة التي أوحى لهم بها أسيادهم الإمبرياليين . لقد أغرقوا العراق وشعبه بالدم ،وملأوا السجون بمئات الألوف من خيرة أبناء الشعب البررة جراء حبهم لوطنهم و إخلاصهم لشعبهم لا غير.
لقد انبرت أقلام حاقدة على الثورة وتوجهاتها ومنجزاتها ،لتسفيهها والانتقاص من منجزاتها بأسلوبٍ لا يمت إلى المصداقية بصلة ،كل ما يدفعهم لتلك الكتابات الصفراء هو الحقد على الثورة من جهة ، والتملق لانقلابيي شباط من جهة أخرى  بغية الحصول على المكاسب الرخيصة ، فانهالوا على الثورة وقادتها بأسلوبٍ رخيصٍ بالشتائم ، وحاولوا تزييف حقائق التاريخ.
لقد اتهم الانقلابين عبد الكريم قاسم بالدكتاتورية والفردية وغيرها من النعوت ،ولكنهم مارسوا أبشع أنواع الدكتاتورية والحكم المطلق ،وارتكبوا أشنع أنواع الجرائم بحق الخيرين من أبناء الشعب وملأوا السجون بالمعتقلين ، وأشعلوا الحرب ضد الشعب الكردي في كردستان ، واتبعوا سياسة الأرض المحروقة ،وأمعنوا تقتيلا وتشريدا بالشعب الكردي قبل أن ينهار حكم البعث في 18 تشرين الثاني 1963 على يد شريكهم عبد السلام عارف ، مدعوماً بالقوى القومية في القوات المسلحة، وسار شريكهم عارف على نفس ذلك النهج وإن كان بصورة أخف ،لكن عبد السلام عارف لم يلبث أن لقي حتفه في حادث طائرة مروحية دبر له ،ليحل بعده أخوه عبد الرحمن عارف ،الذي اتسم حكمه بالضعف ،مما أثار قلق الإمبرياليين من احتمالات عودة القوى الوطنية التقدمية إلى استلام الحكم من جديد ،فأوحت إلى عملائها في الجيش ،عبد الرزاق النايف ،رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، وإبراهيم عبد الرحمن الداود ،آمر الحرس الجمهوري ،وسعدون غيدان ،آمر كتيبة دبابات الحرس الجمهوري ،بالتعاون مع حزب البعث للقيام بانقلابهم العسكري في 17 تموز 1968 وجرى تنصيب احمد حسن البكر رئيساً للجمهورية ،وعبد الرزاق النايف رئيسا للوزراء ،وإبراهيم الداود وزيرا للدفاع ،وضمت الوزارة العديد من البعثيين.
 وبعد كل الذي جرى ، ويجري، منذ 8 شباط 1963 وحتى يومنا هذا يدعي انقلابي 8 شباط أن عبد الكريم قاسم كان دكتاتوراً !! .... فماذا يمثل انقلابي شباط 963، و 17 تموز 968 ؟ وكيف حكموا؟ وماذا قدّموا للشعب ؟ وأين هم مما قدمه عبد الكريم قاسم ، وثورة الرابع عشر من تموز  58 ؟... رغم الانتكاسة التي حلّت بالثورة ، والذين كانوا هم أول مسببيها!!.
إن الاعتماد التام على المؤسسة العسكرية(العنف المنظم) بالمطلق على أساس الميل والولاءات والتناغم الحزبي والمصالح والامتيازات جرحا بليغا ينبغي اخذ الدروس المستنبطة منه في جمهورية العراق الاتحادية الجديدة وخصوصا إثناء تشريع قانون من قبل مجلس النواب ( الحرس الوطني) المزمع تشكيله في المحافظات على أساس القومية والمناطقية والدينية المذهبية على ان يرتبط بالدولة الاتحادية ممثلة برئيس مجلس رئاسة الوزراء بصفته القائد العام.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر