عوالم الفنان النحات رضا فرحان ... في أعماله الأخيرة ومحاولة لاستقراء الذات

عدد القراءات : 1350
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عوالم الفنان النحات رضا فرحان ... في أعماله الأخيرة ومحاولة لاستقراء الذات

حاوره: محمد الكحط – بغداد

عاصرته منذ الطفولة، كان قلقاً شارداً وحالما كما كنا نتصوره، لكنه طالما فاجأنا ونحن أقرانه بأعمال تثير فينا الإعجاب، هاجسه منذ الطفولة كان الرسم والتحنيط، تارة يصنع قالباً يمثل دمى، وتارةً أخرى لحيوانات مختلفة وكأنها قادمة من عوالم بعيدة وكان يعشقها ويحرص عليها من الكسر أو التلف، لم تسعفه الظروف ليواصل هواياته ويصقلها بسبب ما، مرّ به من معوقات عديدة أبعدته قليلا، لكن إصراره وحبه للفن جعله ينجذب إليه من جديد وبأول فرصة وبقوة، فكان طريقه إلى الأكاديمية حيث يصقل ويطور تلك الموهبة التي تلبسته منذ الطفولة. وجاهد بعمله في مجال النحت ليصل إلى مرحلة جعلته فنانا معروفا بين زملائه رغم صعوبة أن يثبت الإنسان ذاته في هذه الفترة الصعبة التي مر ويمر بها بلدنا، وما يعانيه الوسط الفني من تهميش.

في معرضه الأخير المشترك مع الفنان شداد عبد القهار "بعيداً عن الإنسان قريباً من التراب" أثارت أعماله العديد من التساؤلات، ولأجل أن تكون الصورة جلية، لابد من العودة قليلا إلى الوراء لمعرفة عوالمه الأولى، والخلفية التي أوصلته إلى هذه المرحلة الإبداعية.

*هل لنا أن نحلق معك منذ البدايات والتي أنا أحد شواهدها، ماذا تتذكر ومن أين نبدأ...؟

-نعم لقد كنت وأنا في الابتدائية أراقب جارتنا أم هاشم وهي تعمل تنانير الطين، فشعرت إن مادة الطين قريبة إلى الروح إلى الذات، فصنعت منه دمى عديدة، واستمرت اللعبة معي إلى ان صنعت منه عملي الأول من خلال صب قالب رصاص ساعدني عليه أخي الكبير، فعملت وجه امرأة حصلت على جائزة بسببه، ومازلت أحتفظ بهذا العمل.

*ربما هي البداية واليها تعود اليوم في معرضك الأخير...؟

-البدايات كانت في معظمها تطبيقات، مثلا عملت خرائط العراق والوطن العربي من مادة الجبس تنفيذا لطلب مدرس الجغرافيا، فواصلت عمل رسوم وتخطيطات بجانب النحت، الخريطة محددة بحدودها وتضاريسها وتخلو من الإحساس الداخلي.

*لكنها لا تخلو من الفن، وفيها مهارة.

-نعم وأستمر عملي وشاركت في عدة معارض في متوسطة وثانوية قتيبة، ودرسنا الأستاذ (الزويني) موضوعة الظل والضوء وحفز بداخلنا كيفية التعامل مع الأشكال وإسقاط الضوء وكان يركز عليه كثيرا، كان في أعمالي شيء من الغرابة دائماً، وتثير تساؤلات ورؤى عند المتلقي، كانت النشاطات المدرسية متميزة ومشجعة على التنافس وكانت هنالك لجان تقيّم الأعمال، وكنت دائماً أحصل على جوائز، وفي إعدادية الجمهورية فزت بجوائز أيضا، وبدأت بالتردد على معرض الفن الحديث قرب ساحة الطيران، أنا وصديقي ليث شبر، ما أثارني يوما هو عمل للفنان صالح القره غولي، من مادة الحديد والصوف الأسود (عائلة من الجنوب)، في سبعينيات القرن الماضي، لازال العمل عالقا في ذهني. 

كنا ندخل مرسم الإعدادية نحن مجموعة من الزملاء  ونظل لساعات بعد انتهاء الدوام لننجز بعض الأعمال الفنية، أتذكر منهم، قيس بهنام، علاء الحافظ، صلاح عبد المسيح، وغيرهم، بعد الإعدادية لم أوفق في الحصول على مقعد في أكاديمية الفنون الجميلة، فدرست اختصاصا بعيدا عن الفن، وجاءت الحرب مع إيران التي حولت كل شيء نحو الموت والخراب،  لكنني لم أنقطع عن الفن، وكنت أعمل تخطيطات باستمرار كي أحافظ على قدراتي، كون التخطيط ينقل ما في ذاتي إلى الورق، لم يكن لدينا قدرة على التغيير فالحرب أصبحت واقعا لا يمكن الهروب منه، لكنها تعني الكثير للإنسان المرهف الحساس، أنها تؤجج في داخله مشاعر إنسانية كثيرة، عكس الذين يفكرون بالربح والخسارة، نصر أو هزيمة، أنها تؤجج لدى الفنان مشاعر الرفض.

*بعد الحرب كيف سارت الأمور معك؟

-لقد مارست عدة أعمال حرة، إلى أن حاولت من جديد وحصلت على مقعد في الأكاديمية قسم الدراسة المسائية سنة 1994، كانت هذه فرصة كبيرة بالنسبة لي، فقبلت في الفنون التشكيلية قسم النحت، كان معي العديد من الطلبة الفنانين الذين تخرجوا من معهد الفنون الجميلة ولهم انجازات فنية، فتعلمت منهم الكثير منهم، ((ناطق الآلوسي، رحيم علي حسان، طه وهيب، نجم القيسي وآخرين))، هذه الفرصة أعتبرها مهمة جدا، حيث كنت أشارك وأنافس في معارض مع زملائي وفنانين كبار مثل ((إسماعيل فتاح، محمد غني حكمت.))، وشاركت في عدة معارض جماعية.

*أتاحت لك الأكاديمية اللقاء مع أساتذة وفنانين كبار، هل تحدثنا عن ذلك، ومدى تأثيرهم فنيا عليك...؟

-درسنا الأستاذ مرتضى حداد مادة التشريح التي أفادتني كثيرا، وفي أيام الأكاديمية كنا نلتقي مع إسماعيل فتاح وارتبطنا بعلاقة صداقة، تأثرت بنصب إسماعيل فتاح الموجود على جدار وزارة التجارة (لقد سرقوه للأسف)، تخرجت سنة 1997، وحصلت على جائزة إسماعيل فتاح سنة 2000، عن عمل نحتي هو بمثابة الانطلاقة الجديدة لي في عالم النحت، خصوصا أن أحد أعضاء لجنة التقييم كان هو إسماعيل فتاح بنفسه. كما شاركت بعدة معارض مهمة مع أساتذة، وأشعر بأعمالي شيء متميز، وأقصد بالتميز إن أعمالي غير مألوفة، وتوجد بصمتي الواضحة بها، وأسلوبي (الستايل) الخاص بيّ، عملت بعدة مواد منها الشمع ثم يصب لاحقاً بالبرونز، والكولاج من مادة الخشب، وغيرها.

*تعمل الآن في وزارة الثقافة، ما هو عملك وما هي مساهماتك الفنية والمعارض التي شاركت فيها؟

-مهنتي المسجلة رسام في الوزارة، شاركت بعمل في معرض عن سجن أبو غريب 2004، وكان متميزا فاختير للمساهمة في معرض في تركيا مع 3 زملاء وكان ارتفاعه 130سم، تعاملت معه من منطلق إنساني، فحتى المجرم يجب أن يعامل بطريقة إنسانية، وهو عبارة عن احتجاج عن خطأ التعامل. وأستمر تواجدي ضمن الوسط الفني وساهمت في معرض عن الفن التشكيلي العراقي في باريس سنة 2005، أقيم في قاعة ممبرناس في باريس، وكانت زيارتي لباريس نقطة تحول في حياتي الفنية، خصوصا بعد أن زرت أغلب معارض ومتاحف باريس، وتعرفت عن قرب على الفن الأوربي، واطلعت على التجارب العالمية، فالفن لا يتقولب بمفاهيم محددة، وفضاؤه واسع وكبير. في سنة 2009 في معرض شداد (10+10) بدعوة من مؤسسة الزقورة في مدينة لوروشيل الفرنسية، الأوربيون يستقرؤون روحية وهوية العمل، لذا تعاطفوا مع أعمالنا رغم ان عندهم الفن، كما شاركت في معارض في لبنان والجزائر وقطر والأردن وغيرها، كما ساهمت بأعمال مشتركة مع فنانين في نصب مشترك. لي محاولة لبعض الأعمال التركيبية، وهي تجربة جديدة منها محاولة أن أجد طريقة لجعل العمل متحركا، هناك مفاصل يحركها المتلقي أو أحفز المتلقي على أن يتحسس العمل مثل عمل (الحلاج)، الذي عرضته في باريس ولندن، وعمل (الأم)، الذي جعلت الأم مع ولدها، هناك حركة كأنها (تلولي)، أي هنالك عمل ميكانيكي لكن فيه حركة وبعد ومفهوم آخر، يضيف أبعادا للعمل.

*نعود لمعرضك المشترك الأخير، أثار عنوان المعرض (بعيداً عن الإنسان قريباً من التراب) بعض الفضول، ما المقصود منه، وما مساهماتك به وما دلالات استخدام الرأس في كل أعمالك في المعرض ...؟

-نعم فيه شيء من الاعتراض على كل ما يحيط بالإنسان من ضيم وقهر، عبارة عن احتجاج،  أكثر مما هو لفظ لغوي، أي ما جدوى الحياة، الزميل الفنان قهار ساهم ب 15 لوحة وأنا 14 عمل نحتي كلها عبارة عن ((رأس إنسان))، ثيمة الرأس هي رمز للإنسان وليس جزءا منه، لذلك كنت خائفاً أن يفهم ان الرأس مقطوع عن جسده عن جذوره، ومن ثم حاولت أن أسقط المفاهيم التي أريدها على هذا الرأس.

*لو أجرينا مقارنة مع أعمالك السابقة حيث الجسد بكامله، كيف تقيم الفرق في العرض...؟

-أعمل لأثير التساؤلات لدى المتلقي، لأنني حاولت أن أزاوج بين هذا الرأس وبين ما موجود من لقى يستخدمها الإنسان حتى أعبر عن أفكاري بتواصلي مع المتلقي،  لذلك استخدمت في أحد الرؤوس (الموقد، البريمز)، لأوصل الفكرة ان يكون الرأس خزان للوقود، أو استخدامي لفك النعجة أو الخروف لأحتج ضد الموت بكاتم الصوت، أو أعبر عن ضغط الحياة والتكنولوجيا الحديثة من خلال عمل البرمجة والأشرطة، التي تدخل الدماغ وتخرج منه، أو الرأس الذي ينشطر إلى جزأين، وجه آخر لأعبر عن التلون في الحياة (أي أبو وجهين، أو ازدواجية السلوك)، وكنت حريصا على أن تكون أفكاري تقترب من المتلقي وأحسست هذا النجاح بما عبر عنه الكثيرون، من نقاد ومختصين بالفن. كذلك الفزاعة وعلاقته بثيمة المعرض، فالرأس نفسه على شكل الفزاعة وأردت إيصال فكرة أن هذه الفزاعة لطرد الطيور ولكني حاولت السخرية أن تكون فزاعة لطرد الجمال.

كذلك كان الرأس المسجى على الأرض حالماً وليس رأساً نائماً، أو رأس ساكن رغم ان العينين مغلقتان، لكنهما معبرتان حالمتان متأملتان.

* أحسست بأن هذا الرأس المسجى هو الفنان رضا فرحان ماذا تقول...؟

- نعم صحيح هذا الوجه هو أمتداد للوجه الأول العمل الذي صورته.

في هذا العمل أردت بهذه الانحناءة أن أحافظ على التدوير، ولولا هذهِ الإنحناءة سيكون للعمل مفاهيم أخرى غير التي أقصدها، كذلك في العمل الآخر الرأس على شكل كرة قدم خاوية وفيها الرابط، كأنه أشبه كرة قدم بلا دماغ أو تفكير أشبه بغلاف.

*لي رأي هنا لربما يكون موفقا، فأن.. الرأس هنا كالكرة تتقاذفها أرجل أو أيادي الآخرين، ويعبثون فيها على هواهم، ما رأيكم..؟

- نعم يصح هذا الرأي أيضاً.

*أين يجد النحات رضا فرحان نفسه...؟...وهل وصل إلى ما يصبو إليه..؟

-أجد نفسي عندما أرى عين المتلقي تتفاعل مع عملي، ويسعدني جدا حينما يذكرني أصدقائي أو يتذكرون أعمالي، أي بقيت في الذاكرة، فأشعر بالنجاح.

الفن دائما أحاسيس نحاول إسقاطها كالشعر لكن نحن بالألوان أن ننفذها بالعمل النحتي، نرسم أنفعالات، وكل ما ننتهي من تجربة تتداخل مع تجربة أخرى، دائما نحتاج إلى الاستمرار والتطوير، أحاول في أعمالي الوصول إلى الجانب ألتأثيري أكثر من الجانب الجمالي، أهتم بمضمون وروحية العمل.

*ما هي مشاريعك المقبلة...؟

-أعمل تجربة على الجمال والتي ستكون موضوعة معرضي القادم، هذه التجربة حاولت أن يكون الجمل وليس الحصان هو النموذج، فطالما تم تنفيذ أعمال عن الحصان، فقلت لماذا الحصان فليكن الجمل وهو لا يقل أهمية عن الحصان، فطالما كان مهما عند العرب، وقليل من عمل عليه رغم أنه حيوان نبيل له صفات كالصبر والتحمل والذكاء.

*ما رسالتك في الفن...؟

- رسالتي في الفن هو أن أجعل أعمالي تحمل مضامين تصل للمتلقي في رسالة أساسها القيم الإنسانية، أي الإنسانية عندي هي الرسالة التي أريد أن أعبر بها بأعمالي لذلك أنا أتأثر كثيرا بمواقف أراها أمامي وفي حياتي. 

* في نهاية الحوار نشكرك ونتمنى لك النجاح والعطاء الفني المتميز دوما.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر